أصواتٌ من غزّة

 تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>

وفي 20 أيار 2026 أعلنت إدارة المطبخ المركزي العالمي فصل نحو 480 موظفًا من أصل نحو 1,870 يعملون في مطابخ المنظمة. وكنت من بين الذين فُصلوا من العمل. وأبلغونا بأن السبب هو نقص التمويل، من دون تقديم أي معلومات إضافية. وقعنا على مستندات إنهاء الخدمة، لكننا حتى اليوم لم نتلقَّ المستحقات المالية التي وُعدنا بها ضمن ترتيبات إنهاء العمل.

"أ. ش." 22 حزيران/يونيو 2026

قبل نحو شهر قلّص برنامج الأغذية العالمي عدد مطابخه في شمال القطاع ولم يبقَ اليوم سوى مطبخ واحد في منطقة الكرامة. وأصبحت الطوابير هناك طويلة ومزدحمة والطعام لا يكفي الجميع [...] اضطررت إلى البحث عن تكية أخرى في غرب مدينة غزة. وفي النهاية وجدت تكية الشيف فاتن المدهون، ومنذ ذلك الحين أذهب إليها يوميًا. هناك أيضًا طوابير طويلة من النازحين واكتظاظ شديد، لكن الحمد لله أتمكن كل يوم من الحصول على طبق طعام..
بالنسبة لي، أكثر ما يؤلمني هو أن أطفالي يقفون في طوابير الطعام بدلًا من الذهاب إلى المدرسة. يؤلمني أن مستقبلهم الدراسي قد ضاع وأن كل عالمهم بات يدور حول الحصول على الطعام والماء. إضافة إلى ذلك، فإن الطعام الذي يُقدَّم في التكايا متدنّي الجودة جدًا ويكاد لا يصلح للاستهلاك البشري. قبل نحو ثلاثة أشهر تقلّص نشاط التكية في قرية المصادر، واليوم لم نعد نحصل على الطعام منها، إلا نادرًا. وأحيانًا يعود الأطفال وقدورهم فارغة تمامًا.
كذلك، قيدني الجنود في وضعية مؤلمة لساعات طويلة بينما كنت عاريًا تمامًا. قيدوا يديّ خلف ظهري ورفعوني بواسطة سلاسل وأنا عارٍ وأبقوني على هذه الحال لساعات طويلة. وبعد ذلك أنزلوني وأجلسوني على قضيب معدني مثبت في طاولة وأدخلوه في فتحة الشرج. ومن شدة الألم بدأت أصرخ بشكل هستيري وأتوسل إليهم أن ينزلوني عنه.

"س. ل." 25 أيار/مايو 2026

قبل نحو أسبوعين، غفوت لفترة قصيرة ثم استيقظت على صوت طفلتي تبكي بكاء هستيريًا. عندما حملتها اكتشفت أن الجرذان عضّت كفّ قدمها وهي نائمة. في تلك اللحظة شعرت أن روحي قد غادرت جسدي مني من شدة الخوف. بدأت أصرخ وأبكي وأركض بها أنا وزوجي بين نقاط الخدمات الطبية بحثًا عن دواء أو مادة تعقيم ضد الالتهاب والتسمم، لكن الجيش يمنع حتى إدخال الأدوية ومواد التعقيم إلى القطاع.
دخل الجرذان إلى خيمتنا دون أي عائق. أجدها أحيانًا تقرض الخبز أو الطعام الموجود لدينا داخل الخيمة فأسرع إلى رمي الطعام في القمامة خوفًا من أن نُصاب بالأمراض. بصراحة، لم أعد أعرف كيف يمكن التخلص منها. حاولت نثر السم، لكن ذلك لم يفد. أشعر أنها تزداد تكاثرًا فقط، بسبب أكوام النفايات المحيطة بالخيام ومياه الصرف الصحي وأيضًا لأن المهجرين يرمون بقايا الطعام قرب الخيام مباشرة. نحن نعيش في كارثة بيئية هائلة ولا نعرف كيف نتعامل معها.
الآن نحن على أبواب الصيف. تحولت الخيمة إلى فرن ملتهب، كما انتشر الذباب والبعوض. في الليل يلسعنا البعوض المنتشر بكثرة والذي أصبح حجمه كبيرًا بشكل غير معتاد، وفي الصباح نستيقظ منذ السادسة بسبب لسعات الذباب، الذي ينتشر هنا بأعداد هائلة أيضًا. هذه اللسعات تسبب لنا الحساسية والتورم في أجسادنا.
الحياة في مخيّمات المهجرين بائسة للغاية: الخُصوصيّة مفقودة والنساء معرّضات باستمرار لنظرات الرّجال الغرباء ممّا يضطرّهنّ إلى البقاء بالجلباب والحجاب؛ وهُناك مُعاناة الانتظار الطويل في طوابير المياه، انتشار الأمراض الجلديّة، الاعتماد على التكيّات، عربدة الزعران والاستغلال. وهناك ظاهرة أخرى لاحظتها: معظم مسؤوليّات الأسرة تُلقى على عاتق النساء. هناك رجال فقدوا عملهم ويعتمدون تماماً على زوجاتهم، رجال يفرضون مطالب جنسيّة دون مُراعاة لرغبة الزوجة أو حالتها النفسيّة ولا حتى ظروف المكان.
[...] في تلك الفترة قمت بقصّ شعري وشعر بناتي لعدم وُجود موادّ تنظيف أو شامبو. كان القمل يتكاثر في شعرنا من قلّة النظافة. توفّرت في السّوق كميات قليلة من مواد التنظيف والصابون ومواد تنظيف الجسم، وكانت تُباع بأسعار خياليّة لا نقدر عليها. أحياناً كان زوجي يذهب إلى المنازل التي تعرّضت للقصف ويبحث هناك عن طعام، صابون ومواد تنظيف، فإذا عاد ومعه بقايا قطع صابون كنّا نستحمّ كما ينبغي، ليس بقليل من الماء فقط. آنذاك، كنّا جميعاً نشعر وكأنّنا وُلدنا من جديد.
كان ابني حمزة يذهب ليحضر المساعدة، رغم أنني منعته خوفًا على حياته، لكنه أصر وقال لي: "أنا ميت في كل الأحوال! نحن جائعون. نريد أن نأكل". كان يذهب ليلًا إلى "نتساريم"، يعرّض حياته للخطر ليجلب لنا قليلًا من الطحين وبعض المعلبات، وكنت أنا أجلس بملابس الصلاة وأصلي ولا أتخيل سوى أنهم سيأتون ليخبروني بأنه قُتل. عندما كان يعود سالمًا كنت أهجم عليه بالأحضان والقُبل.
أعاني أكثر ما أعاني من النار لأنّني أقضي أمامها أوقاتاً طويلة، وأحياناً أيّاماً بأكملها. إذا أراد أولادي الاستحمام، أشعل النار لأسخّن لهم الماء. وحين يطلب أحدهم أن يتناول طعاماً، أظلّ أمام النار لأعدّ الطعام - سواء كان الوقت صباحاً أو ظهراً أو ليلاً، طوال اليوم. خلال ساعات النهار يخرج زوجي وأبنائي إلى المزبلة للبحث عن قطع بلاستيك أو خشب، كي أتمكّن من إشعال النار. أصبحت بشرة وجهي داكنة بسبب النار وتجعدت يداي ولا يزول السّخام عنهما.
هذه الحرب سلبتني كل شيء: ابنتي وأحفادي وزوجها، كرامتي وإحساسي بقيمتي، وبيتي. أنا الآن بلا مأوى، أعيش في الشارع. أكره كلمة خيمة. لست معتادة على هذه الحياة ولا أعرف كيف سنتأقلم معها. ليت الله يعيد الحياة كما كانت قبل الحرب وأن أعود إلى بيتي وتنتهي هذه المأساة.
ولدتُ ابني سمير في الشهر الثامن من حملي وأسميتُه على اسم أخيه الذي استُشهد، أخيه غير الشقيق. خلال فترة الحمل لم يتوفّر لي الطعام الكافي ولم أتناول فيتامينات. عانيت من سوء التغذية وكان جسمي أشبه بهيكل عظميّ. كما عانيت من مشاكل في الكليتين أيضًا. عندما وُلد سمير كان وزنه 800 غرام ولذلك أبقوه ليتمّ نموّه في حاضنة. بعد الولادة عانيت من فقر الدّم وعندما عدت إلى الخيمة لم يكن لدينا أيّ طعام. كنت أتناول بعضاً من أوراق الخسّ. لا حاجة للحديث عن نقص الفواكه والحليب والبيض فهذه الأمور ظلّت مجرد حُلم.
نجد صعوبات في كلّ شيء. أنا ما زلت شابّة ولا أقدر على مُجابهة جميع هذه المصاعب وحدي. أصبحتُ عصبيّة المزاج لا صبرَ لي حتى على أولادي. أحياناً أتمنّى أن تكون لي خيمة كبيرة تتوفّر فيها زاوية خاصّة لي ولزوجي. أحتاج إلى خصوصيّتي. لا أستطيع حتى أن أبكي أمام أطفالي، لأنّني عندئذٍ سوف أنهار. أحاول قدْر الإمكان أن أبدو قويّة من أجلهم ومن أجلي ولأجل زوجي. أتمنّى البقاء وحدي ولو ليوم واحد، أن أكون مع نفسي في مكان بعيد أستطيع فيه أن أصرخ بأعلى الصّوت وأن أبكي على هذه الحياة الفظيعة التي فُرضت عليّ.
حاول زوجي أن يُصلح الخيمة بنفسه، أمسك بزوايا الخيمة محاولاً منع دخول المياه لكنّ محاولته باءت بالفشل أمام قوّة الرّيح وغزارة الأمطار. عندما رأيت ملامحه تعبّر عن العجز والإحباط ورأيت طفلتي الصغيرة ترتجف من البرد، أجهشت بالبكاء. بكيت كما لم أبك في حياتي من قبل. كلّ ما احتقن في داخلي خلال الحرب - الألم، الذلّ والمهانة، النزوح، الخوف، ومواجهة أضرار الطقس دون أيّة وسيلة حماية ـ كل ذلك انصبّ عندي في تلك اللّحظة التي وقفنا فيها وأقدامنا غائصة في المياه نحاول أن نحمي أنفسنا من الغرف في مأوىً من الكرتون والخيش كنا نسمّيه "بيت".
كانت الرّياح شديدة لدرجة أنّها اقتلعت الشوادر التي وضعناها. فجأة سمعت روان تصرخ. عندما أسرعنا إليها رأيناها تحمل تيم وقد ازرقّ وجهه وجسمه. كان تيم كأنّه جَماد، لا يتنفّس. حملته فوراً إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت، فحصه الأطبّاء وقالوا إنّه يُعاني هبوطاً حادّاً في نسبة السكّر في الدّم نتيجة البرد القارس [...]
أثناء وُجودي في السّوق سمعت أناساً يتحدّثون عن بناية في حيّ الشيخ رضوان انهارت فوق رؤوس ساكنيها. هبط قلبي لأنّه كان لديّ شعور أنّه بيتنا. عُدت إلى المنزل مُسرعاً وعندما وصلت رأيت السّقف قد انهار على عائلتي. صُعقت من هَوْل المشهد. كان لينا وغازي عالقين تحت رُكام المبنى بينما تمكّنت زوجتي وبقيّة الأولاد من الفرار عبر المدخل الثاني للمنزل. كانت زوجتي والأولاد يبكون ويصرخون.[...] يبدو أنّهما توفّيا اختناقاً تحت الأنقاض. حين أخرجوهُما ورأيت أنّهما ميتان انتابتني الصّدمة.
[...] ركضت نحو هديل وحملتها وراحت زوجتي تحمل أطفالنا الآخرين وتنقلهم إلى خارج الخيمة الغارقة. كان جسد هديل بارداً جدّاً وأزرق، حتى شفتاها كانتا زرقاوين. كان أولادنا الآخرون يرتجفون من البرد ولا يقدرون على المشي، كانت أجسادهم باردة كأنّها كتل من الثلج. [...] حاولت أن أدفئ جسدها وأن أوقظها، لكن دون فائدة. كنت أخاف أن تموت من البرد. [...] استدعى الجيران سيّارة إسعاف لكنّها تأخرت. وعندما وصلت بعد نصف ساعة كانت هديل قد فارقت الحياة.
استيقظنا عند السّاعة 3:30 فجراً فوجدنا المياه قد أغرقت الخيمة. حين تفقّدنا وضع الأولاد كانت رهف مبلّلة كلّها وعندما أبدلت لها ملابسها لاحظت أنّ جسمها بارد جدّاً، شفتاها زرقاوان وملامح وجهها متغيّرة. استدعيت سيّارة إسعاف، لكنّ الأمطار الغزيرة أخّرتها فوصلت بعد ساعة ونصف الساعة تقريباً. ذهبت وزوجتي إلى مستشفى ناصر مع رهف، التي كانت تحتضر. حاول الأطبّاء إجراء إنعاش لها لكن دون جدوى.
جرّني الجنود على الأرض وأدخلوني في زنزانة ضيقة، مثل تابوت. قال لي الجندي: "سنبقيك في هذا التابوت حتى تموت، يا ابن الزانية". كنت مرعوبًا وظننت أنهم سيقتلونني. بقيت محبوسًا في ذلك "التابوت" لعدة أيام، معزولًا تمامًا، بدون طعام وبدون ماء تقريبًا. كلما صرختُ طالبًا الماء أو الطعام، كان الجنود يفتحون "التابوت" ويضربونني بشدة ثم يغلقونه مرة أخرى. عندما كنت بحاجة إلى الذهاب إلى المرحاض، كنت أنادي الجنود، لكنهم لم يعيروني أي اهتمام. حاولت أن أصبر، لكني اضطررت في النهاية إلى التبول على نفسي. كان الجنود يفتحون "التابوت" من حين لآخر فقط لكي يتأكدوا أنني ما زلت على قيد الحياة. 
كان هناك خمسة محققين. قيدوا يديّ بقوة شديدة لدرجة أنني فقدت الإحساس بيديّ. ربطوا ساقيّ إلى كرسي في وضعية "الموزة". هاجمني جميع الجنود الذين كانوا في الغرفة، ضربوني على ظهري وصدري وساقيّ وحتى على خصيتيّ. شعرت وكأن مثانتي على وشك الانفجار. صرخت وأخبرتهم أنني أحتاج إلى التبول. أمروا اثنين من السجانين بمرافقتي إلى المرحاض. عندما وصلت إلى هناك، كنت في حالة صدمة. لم أستطع التبول. عندما تمكنت أخيراً من التبول، كان هناك الكثير من الدم في البول.
[...] استيقظت ووجدت نفسي مستلقياً في بركة كبيرة من الدم. كنت في حالة صدمة. نظرت إلى قدميّ فرأيت أنهما مصابتان وتنزفان. كان مشهداً مروّعاً وبدأت أصرخ وأبكي بشكل هستيري، على أمل أن يأتي أحد لمساعدتي. تم إدخالي إلى مستشفى السجن. [...] الطبيب الذي كان يرتدي زيًا عسكريًا، قال لي: "اسمع، حياتك في خطر. عليك أن تختار بين بتر ساقيك أو الموت". بدأت أبكي وأصرخ، على أمل أن يسمع أحدهم ألمي وعذابي وحزني. أحضروا لي وثيقة وأجبروني على التوقيع على موافقة لبتر كلتا ساقيّ.
أمسك الجنود بي، رفعوني من يدي وعلقوني في وضعية "الشبح" بالسلاسل في وسط غرفة التحقيق. أحضروا "ديلدو" ووضعوه تحت مؤخرتي، ثم بدأوا بإنزال السلسلة الحديدية حتى دخل جزء منه في فتحة شرجي. تسبب لي ذلك بألم شديد لم أشعر به من قبل. بدأت بالصراخ والبكاء بصوت عالٍ. كان هذا أقسى وأصعب تعذيب تعرضت له طوال فترة اعتقالي في إسرائيل. في تلك اللحظة، لم أكن أتوقع أن يهاجموني جنسياً. عندما حدث ذلك، تمنيت الموت. كان الموت أفضل من مثل هذا التعذيب.

محمد خضر 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025

تعرضت لهجوم من وحدة "متسادا" وأصبتُ بعيار مطاطي. تم إدخالي إلى المستشفى ورقدتُ فيه لمدة 15 يومًا. خلال نقل إلى المستشفى، ضربوني. سألوني مرة أخرى عن حماس والمختطفين والمنازل المفخخة وهددوني بأنه إذا لم أعطهم معلومات، فسوف يعتقلون ويغتصبون زوجتي وأمي. كنتُ أتلقى الضرب والإهانة الشديدة في كل يوم تقريباً. أحياناً كانوا يروننا كيساً أسود مليئاً بالجثث ويقولون لنا: "هكذا فقط ستخرجون من هذا المكان"، ثم يطالبوننا مرة أخرى بإخبارهم عن مواقع حماس والأنفاق، وهي أمور لم تكن لنا علاقة بها.