بقيت دون أسرتي. كانت حياتنا الأسَريّة في بدايتها وعشنا معاً حياة سعيدة كأسرة. في 13 تشرين الأوّل احتفلنا بعيد زواجنا الأوّل. من هذا كلّه لم يتبقّ لي سوى خاتما زواجنا، وأنا أحتفظ بهما. الآن لا أملك أيّة ذكرى حيث فقدت الصّور والفيديوهات جميعها. ملابسنا وأغراض زوجتي وابنتي جميعها اندثرت. منزلي في غزّة سُوّي بالأرض خلال القصف. لقد قُصف المنزل قبل أن أغادر غزّة بيوم واحد. جميع ذكرياتي مع أسرتي ضاعت إلى الأبد.
أصواتٌ من غزّة
تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>
سمعنا انفجاراً قويّاً وانهار علينا سقف المبنى وأعمدته. كان المكان مظلماً ومليئاً بالغبار. كانت حنان لا زال تمسك بيدي عندما وقعت عليها كتلة من الباطون ولم أعد أستطيع أن أتحرك. صرخت أنادي الأولاد فلم يُجبني منهُم سوى إبراهيم. قال: "أبي أنا على وشك أن أموت" فطلبت منه أن يتلو الشهادتين. صرخت مستغيثاً، لعلّ أحدهُم يسمعني ويُنقذ زوجتي والأولاد. ناديت حنان ولكنّها لم تردّ.
لم أستحمّ منذ عشرة أيّام إذ لا نجد الماء دائماً، وعندما نجده نحتفظ به لتنظيف المراحيض. حاوية المياه من سعة 6 لتر ثمنها 5 ش.ج.، وليتها مياه تصلح للشرب حقّاً. هذا مبلغ باهظ بالنسبة لنا. ابني يوسف (17 عاماً) يمشي مسافة كيلومتر تقريباً لكي يصل إلى المكان الذي يملؤون فيه الماء، وينتظر ساعات في الطابور لكي يملأ حاويتين ندفع ثمنهما من جيبنا. نستخدم إحداهما للشرب، رغم أنّها ليست مياهاً نظيفة، ونستخدم الثانية للاغتسال. أولادنا ما زالوا يرتدون الملابس نفسها التي كانوا يرتدونها عندما خرجنا من منزلنا. لا يوجد لدينا ما يكفي من المياه لكي نغسلها.
بسبب الجوع بالكاد تستطيع زوجتي إرضاع طفلنا يامن (9 أشهُر)، كما لا يمكن العثور على بدائل الحليب في أيّ مكان. منذ فترة تمكّنا من شراء كيلو تمر بـ40 ش.ج. وهذا ما يُبقينا على قيد الحياة. نحن نقتات ممّا نستطيع الحصول عليه. القليل من الأرزّ، القليل من الذرة المطحونة وأيضاً الشعير، وهُما في الأصل مخصّصان لإطعام الدّواجن. ناهيك عن أنّ أسعار الشعير أضحت جنونيّة، والآن حتى الشعير قد نفد وبدأ الناس يطحنون حبوب إطعام العصافير والأرانب، وهذه أيضاً متوفّرة بكميّات قليلة. لم يعد هناك غذاء للبشر ولا للحيوانات.
أنا مشتاقة لأيّامنا السّابقة قبل الحرب ودون كلّ هذا القصف والقتل. لقد تعبنا. نحن محطّمون وقد انهدّ حيلنا. في إحدى الغارات فقدت الكثير من أفراد عائلتي، وقد نجا والداي بأعجوبة. الآن من المحتمل أن يقتحم الجيش رفح ويطردنا من هنا أيضاً. لا أعرف إلى أين يمكننا الفرار بعد. لقد اقتُلعنا ونزحنا أربع مرّات ولا أدري أيّ مصير ينتظرنا. جميع المناطق في قطاع غزّة خطيرة ولا يوجد بعد أيّ مكان آمن. أتمنّى أن تنتهي هذه الحرب، أن لا يقتحموا رفح، وأن يوقفوا ذبحنا هنا.
كانت يداي مكبّلتين بقيود حديديّة ليلاً ونهاراً، وأحياناً كانوا يضعون القيود في رجليّ أيضاً. من حين إلى آخر كانوا يعلّقونني من إحدى يديّ ويُبقونني هكذا 3-4 ساعات، إلى أن يُغمى عليّ. لم أستطع تحريك يدي الثانية، ربّما لأنّ كتفي كُسرت من كثرة الضرب عندما خرجت قطعة البلاتين. [...] أخذوني نحو 5-6 مرّات إلى غرفة التحقيق حيث كانوا يسألونني عن أصدقائي وجيراني وإن كنت قد اجتزت تدريبات عسكريّة. للأكل، أعطونا فقط كسرات خبز وخيارة وقطعة صغيرة من الجبن وأحياناً قليلاً من التونة وقليلاً من المياه للشرب.
أخذت تنتابني حالات إسهال وقيء وأصبح جسمي واهناً. قبل شهر تقريباً أصابني انتفاخ وآلام في البطن، وكذلك خدر في أنحاء مختلفة من جسمي. صرت أقيء كلّ ما يدخل جسمي من طعام، حتى الماء الذي أشربه. بعد أن استمرّ ذلك أسبوعين ذهبت إلى المستشفى الكويتي هنا في رفح وتبيّن في الفحوصات أنّني أصبت باليرَقان. قال لي الطبيب إنّ سبب ذلك قلّة النظافة ونصحني بالحرص على النظافة وتناوُل طعام صحّيّ. قال أيضاً إنّه لا يوجد علاج وإنّ الأعراض سوف تتلاشى من تلقاء نفسها إذا اتّبعت التعليمات.
أصعدوني ثانيةً إلى سيّارة الجيب مع شبان آخرين ونقلونا إلى مبنى كبير أرضيّته خشنة كالأسفلت وسقفه من الصفيح. كان المبنى مفتوحًا من الجوانب وكان الجوّ باردًا جدًّا جدًّا هناك. كان هناك شبان كثيرون وعندما وصلنا عصبوا أعيننا وأمرونا بالركوع على ركبنا. سُجنت هناك لمدّة 35 يومًا وخلال تلك الفترة كلّها منعونا من التحرّك أو التحدّث مع بعضنا البعض. كنا نأكل وننام ونحن مقيَّدين ومعصوبي الأعين، وهكذا أيضًل كانوا يأخذوننا إلى المرحاض.
في كلّ يوم، من الخامسة صباحاً وحتى المساء، كان الجنود يأمروننا بأن نجلس راكعين على رُكبنا. كنّا نأكل ونشرب وأيدينا مقيّدة إلى الأمام. وإذا التفتنا جانباً أو حتى تكلّمنا مع بعضنا البعض، كان عقابنا الوقوف واليدان مرفوعتان إلى أعلى طوال ثلاث ساعات تقريباً. إضافة إلى ذلك، كانوا يمنعون عنّا استخدام المراحيض عندما نطلب، ولم يسمحوا لنا بأداء الصّلاة في جميع الأوقات.
طوال رحلتنا هذه كان الأولاد يبكون من الجوع والعطش والخوف من مشاهد الجثث في الشوارع. مشينا حتى وصلنا الحاجز العسكريّ في جنوب حيّ الزيتون، مع أناس آخرين كثيرين كانوا يرفعون رايات بيضاء. عندما وصلنا إلى الحاجز أخذ الجنود يشتموننا عبر مكبّرات الصّوت: "امشوا يا حيوانات". واصلنا السّير حتى مدخل مخيّم النصيرات للّاجئين. كنت أعاني طوال الطريق من آلام شديدة في الرّجلين، لأنّني أعاني من انزلاق غُضروفيّ وقد خضعت لعمليّة جراحيّة قبل الحرب بشهرين.
كان ينبغي أن أعود إلى "تل هشومير" في 8.10.23 لكي أخضع لعلاج بيولوجيّ طوال 30 يوماً بهدف منع عودة المرض، وأيضاً لإجراء زرع مفصل الحوض في 10.10.23. عندئذٍ وقع هجوم حماس واندلعت الحرب. كان يُفترض أن أتلقّى العلاج البيولوجي في المستشفى طيلة 30 يوماً، حبّتان كلّ يوم، لمنع عودة المرض. منذ ذلك الحين لم أتمكّن من العودة إلى المستشفى ولم أتلقّ العلاج، فهو لا يتوفّر في قطاع غزّة. منذ ذلك الوقت أعاني من توتّر نفسيّ وضيق مستمرّ وخوف من عودة المرض. لا أخضع لأيّة متابعة طبيّة، لا أتلقّى أيّ علاج ولا أستطيع الوصول إلى المستشفى. أنا أيضاً أفتقد كثيراً الدّعم النفسي الذي كنت أتلقّاه في "تل هشومير".
استمرّ القصف واشتدّ أكثر فخشيت على أدهم [ابني] وذياب [ابن أخي] وخرجت أبحث عنهما، لكنّني أصبت في الطريق بنيران أطلقتها طائرة استطلاع إسرائيليّة. سمعت أدهم وذياب يصرُخان مُستنجدين ولكن لأنّ القصف كان شديداً لم أستطع الوصول إليهما، رغم أنّهما كانا على بُعد نحو خمسة أمتار.
عصبت المجندات عينيّ بقطعة قماش وقيّدن يديّ من الأمام بأصفاد بلاستيكيّة بيضاء. كنّا ستّ فتيات هناك. كانت إحدى الصبايا تعاني من آلام. طلب منّي الجنود أن أترجم ما كانت تقوله إلى الإنجليزيّة، فترجمتُ لهم أنّها تعتقد أنّها أجهضت طفلها. قال أحد الجنود Oh My God. دخلتْ طبيبة وغطّتها ببطانيّة وقالوا لها أن تنتعل حذاءً لكي تخفّف من شعورها بالبرد. طلب منّا الجنود أن ننام، لكنّ الجوّ كان باردًا جدًّا وتمدّدنا مقيّدات بالأصفاد على الحجارة، لذلك لم نتمكّن من النوم حقًّا.
قبل بضعة أيّام أخذت وسام إلى الطبيب هنا في المخيّم فقال إنّه يحتاج إلى جهاز استنشاق ووصف لي ثمانية بخّات، واحدة في كلّ يوم. أخذته إلى المستشفى الاوروبيّ في شرقيّ خان يونس فأعطوه بخّة واحدة ثمّ عُدنا مخيّم النازحين. لم أرد البقاء هناك لأنّني خفت أن يقصفوا المستشفى، ولذلك لم يتلقّ وسام بقيّة العلاجات.
منذ أن بدأت الحرب قلّ حليبي ولم أعد قادرة على إرضاع ألما، بالمرة تقريباً. اضطررت إلى إحضار حليب صناعيّ وإعطائها زجاجتين أو وجبتين في اليوم. في البداية تدبّرت أمرها مع الحليب الصناعي، ولكن لاحقاً لم يعد بالإمكان الحصول على هذا النوع المحدد، وعندما أحضرنا لها نوعاً آخر كان مفعوله عليها سيّئاً [...] هي تعاني السّعال والإسهال والقيء وترتفع درجة حرارتها من حين إلى آخر. في عيادة الهلال الأحمر في خان يونس أعطوها دواءً مضادّاً للقيء لكنّه لم يُساعدها فعليّاً. أوصى الطبيب بنوع آخر من الحليب وقد جرّبته لكنّها واصلت التقيؤ.
أبقوني نحو نصف ساعة ملقىً على الأرض في حديقة منزلنا. بعد ذلك أخذوني هكذا - عارياً - إلى منزل آخر في الحيّ يبعد عن منزلي مسافة 150 متراً تقريباً. قاموا بتصويري وأعطوني رقم (058793)...
حتى الآن مضى على وجودنا هنا شهر ونصف الشهر، وما زلنا 32 شخصاً في خيمة واحدة. نعاني جرّاء البرد الشديد وبالكاد لدينا ملابس شتويّة. نجلس ملتصقين ببعضنا البعض لكي نستدفئ. بعض أفراد العائلة حُفاة إذ لا يوجد ما ينتعلونه في أرجلهم. كلّ عدّة أشخاص يتناوبون على انتعال ’شبشب‘ واحد. الاكتظاظ لا يُطاق ولا توجد أيّة خصوصيّة. يوجد ضجيج طوال الوقت ممّا يُفاقم توتّرنا النفسي.
في المساء نقلوني سويّةً مع نحو 15 امرأة أخرى، كانوا قد اعتقلوهنَّ، إلى مكان آخر. قالوا لنا إنّنا موجودات في منشأة اعتقال للجيش الإسرائيليّ. في كلّ مرّة تحرَّكتُ فيها تلقّيتُ ضربة على رأسي. في كلّ مرّة سمعتُ فيها أصوات جنود خفتُ من أن أتلقّى ضربة مرّة أخرى. طوال الوقت كانوا يمشّطون السلاح لإخافتنا، وكلّما كنتُ أسمع ذلك كنتُ أتلو الشهادتين لأنّني كنتُ متأكّدة من أنّهم سيُطلقون النار عليّ. طوال الوقت كنّا مُقيَّدات بأصفاد بلاستيكيّة.
ثمّ حضر الأطبّاء وقالوا لي إنّ عمر ابن أخي يوسف قد نجا. ذهبتُ فورًا لرؤيته. كان غافيًا، فحضنتُه وقبّلتُه. سألني أين أخوه حمزة، توأمه. قلتُ له "استشهد". فسألني "ووين أمّي وأبوي؟"، فأخبرتُه بما حدث، وعندها قال لي: "بدّي أنام وما أفيق". أخذتُ عمر من المستشفى إلى المدرسة التي عثرتُ فيها على مأوى مع عائلتي.