أصواتٌ من غزّة

منار لُبد ـ مِقداس

الصورة
 עומר לובד במחנה העקורים בח'אן יונס. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 24.12.23

27 عامًا، أمّ لطفلين، من سكّان حيّ الشيخ رضوان في مدينة غزّة، روت عن ابنَي أخيها عمر ومريم اللّذين فقدا والديهما، إخوتهما، جدّهما وجدّتهما في قصف المنزل الذي كانوا يأوون فيه:

أنا والدة خضر ابن الخمس سنوات ومحمّد ابن السنتين. أقوم الآن بتربية ابن أخي عمر ابن التاسعة، أيضًا. هو وأخته كانا الناجيَين الوحيدين من قصف منزل عمّي الذي اتّخذته أسرتهم مأوًى لها. قُتِل الجميع باستثنائهما.

كان والداي وإخوتي يعيشون غربي مدينة غزّة. شهدت منطقتهم غارات قصف شديدة منذ الأسبوع الأوّل للحرب، وأمرهم الجيش الإسرائيليّ بإخلاء المنزل. فنزحوا إلى حيّ الشيخ رضوان في غزّة، لكنّ غارات القصف تزايدت حدّتها هناك أيضًا، فتنقّلوا بين منازل أفراد العائلة، تارةً في مخيّم الشاطئ للّاجئين وتارة أخرى في منطقة الفالوجة في جباليا.

في 26.10.23 وصلوا إلى منزل عمّي إبراهيم لبد، الذي كان يعمل طبيبًا في مستشفى الشفاء. بعد ذلك بيومين، في 28.10.23، نحو الساعة 23:30 تمّ قصف المنزل لحظة دخول عمّي إليه بالضبط. دُمِّر المنزل بالكامل. كما انهار منزل الجيران.

لم أعلم بتاتًا بحدوث ذلك إلّا في اليوم التالي حين تلقّيتُ رسالة من مستشفى الشفاء مفادها أنّني ملزمة بالحضور إلى المستشفى. عندما وصلتُ بدأتُ أبحث عن أفراد عائلتي إذ اعتقدتُ أنّهم أصيبوا. حينئذٍ التقيتُ بابن عمّي، محمّد لبد (21 عامًا)، وعندما سألتُه عن عائلتي أجاب بأنّهم استشهدوا جميعًا. أبي وأمّي وإخوتي الثلاثة أحمد ويوسف، سويّة مع زوجته غادة وابنهما حمزة ابن التاسعة، ومحمود، سويّةً مع زوجته ولاء وطفلهما أسامة الذي يبلغ من العمر سنة ونصف السنة. كما قُتل عمّي إبراهيم وابن عمّ آخر لي، مالك.

لم يعرف أحد حينها ماذا حلّ بطفلَي يوسف وغادة الآخرَين، عمر، توأم حمزة وعمره تسع سنوات، ومريم ابنة السنوات الثلاث.

صرختُ وأجهشتُ بالبكاء وناديتُ أسماء إخوتي ثمّ فقدتُ الوعي وسقطتُ أرضًا. حينما استعدتُ وعيي بالضبط حضر عمّي خليل. أحضر لي أغراضًا تخصّ أمّي، ساعتها وخاتمها وسلسلة أقراطها. قال لي إنّ هذا ما وجدوه وهذا هو كلّ ما تبقّى. أخذتُها ورحتُ أتشمّمها وأبكي. كنتُ في حالة هستيريّة. بكيتُ، ضحكتُ، صرختُ: "أحضروا لي يد أمّي. أريد أن أبوسها، أمسكها". لكنّهم كانوا قد دُفِنوا جميعًا. لم أرَ أيًّا منهم.

ثمّ حضر الأطبّاء وقالوا لي إنّ لديهم بشرى سارة لي. قالوا إنّ عمر ابن أخي يوسف قد نجا. ذهبتُ فورًا لرؤيته. كان غافيًا، فحضنتُه وقبّلتُه. سألني أين أخوه حمزة، توأمه. قلتُ له "استشهد". فسألني "ووين أمّي وأبوي؟"، فأخبرتُه بما حدث، وعندها قال لي: "بدّي أنام وما أفيق". أخذتُ عمر من المستشفى إلى المدرسة التي عثرتُ فيها على مأوى مع عائلتي.

فهمتُ من عمّي خليل أنّهم لم يعثروا على جثّة مريم، أخت عمر البالغة من العمر ثلاث سنوات، وأنّهم لا يعرفون ماذا حدث لها. بعد ثلاثة أيّام تلقّيتُ بلاغًا من المستشفى مفاده أنّه تمّ العثور على مريم على قيد الحياة وأنّها في مستشفى الشفاء. مريم صمّاء لا تستطيع الكلام. في ذلك اليوم لم أتمكّن من الوصول إلى المستشفى ولكنّ زوجة عمّي، مي، ذهبتْ إليها. أخبرتني أنّ مريم مصابة بجروح، شرخ طفيف في عظمة إحدى يديها، وأنّهم زرعوا لها بلاتين في إحدى رِجليها، وأنّها مصابة بكسر في رِجلها الأخرى.

في 1.11.23 قصف الجيش الإسرائيليّ بالقذائف المدرسة التي كنّا فيها. خرجنا إلى الشارع، ثمّ قصفوا الشارع بالقذائف أيضًا. ذهبنا إلى الجيران ونمنا عندهم ليلة واحدة ثمّ قضينا ليلتين في خيام في ساحة مستشفى أمراض العيون في حيّ النصر. بعد ذلك تعرّض جزء من المستشفى لقصف مدفعيّ أيضًا وشعرنا جميعًا بالاختناق من جرّاء الغبار الذي تطاير هناك. لم يكن أمامنا أيّ خيار فذهبنا سيرًا على الأقدام إلى مستشفى الشفاء حيث التقيت بمريم. كان من الصعب جدًّا عليّ أن أراها بتلك الحالة، جريحة ومصابة. مكثنا هناك لمدّة أسبوع. اعتنيتُ بمريم وكذلك بعمر الذي كان قد مرض بالأنفلونزا في تلك الفترة.

قام الجيش الإسرائيليّ حينذاك بقصف محيط مستشفى الشفاء وبعض مباني المستشفى أيضًا. في 10.11.23 قرّرنا الانتقال جنوبًا. بقيت مريم مع زوجة عمّي، مي، التي كان من المفترض أن تأخذها إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزّة.

ذهبنا سيرًا على الأقدام من مستشفى الشفاء غربيّ مدينة غزّة حتّى شارع صلاح الدين شرقيّ المدينة، ومن هناك إلى حاجز "نتسريم" وسط القطاع. كانت هناك دبّابات إسرائيليّة وكان الأمر مخيفًا جدًّا للأطفال ولنا جميعًا. رأيتُ عمر مذعورًا جدًّا عندما رأى الجنود.

بعد عبورنا الحاجز سافرنا بسيّارة إلى خان يونس حتّى وصلنا إلى مخيّم المهجَّرين التابع إلى الأونروا في الساعة 18:00. التقينا هناك بأختيّ رغدة (38 عامًا) وحنان (37 عامًا). عندما وصلنا كنتُ منهكة. كدتُ أفقد الوعي من شدّة التعب. بدأتُ أبكي بشكل هستيريّ.

الظروف في مخيّم المهجَّرين سيّئة للغاية. نحن نقيم في خيمة. لا توجد مياه جارية، لا كهرباء، وهناك القليل من الطعام فقط، من المعلّبات بالأساس.

أنا قلقة جدًّا على عمر الذي بقي بدون عائلته. أنا وأختاي عائلته الجديدة. يسأل مرارًا وتكرارًا "عند مَن سأبقى؟" ويلتصق بي وبأختيّ. عندما لا نكون على مقربة منه يشعر بتوتّر. أحضنه وأعتني به، أحاول أن أفرحه، أحضر له ألعابًا وثيابًا. بين الحين والآخر يقول لي باكيًا: "بدّي أبوي وبدّي أمّي"، كما يسأل عن جدّه وجدّته. الحزن في عينيه كل الوقت، وفي معظم الأوقات يجلس حزينًا شارد البصر في الفضاء.

الجيش وطائراته سلبونا عائلتنا، قتلوهم جميعًا ويَتَّموا عمر ومريم.

 

قُتِل من جرّاء القصف 11 شخصًا من أبناء عائلة لُبد:

محمّد أحمد لُبد (65 عامًا)، والد منار

سوزان خليل لُبد (56 عامًا)، والدة منار

وأبناؤهما:

أحمد محمّد لُبد (35 عامًا)

يوسف محمد لُبد (33 عامًا)، وزوجته:

غادة لُبد (29 عامًا)، وابنهما:

حمزة يوسف لُبد (9 أعوام)، شقيق عمر التوأم

محمود محمّد لُبد (32 عامًا)، وزوجته:

ولاء لُبد (29 عامًا)، وابنهما الوحيد:

أسامة محمود لُبد (سنة ونصف السنة).

إبراهيم أحمد لُبد (40 عامًا)، عمّ منار

مالك لُبد (17 عامًا)، ابن عمّ منار

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، في 24.12.23.