تجمّعات سكّانيّة مهدّدة بالتهجير

تجمّعات سكّانيّة مهدّدة بالتهجير

الصورة

عشرات التجمّعات السكّانية التي يسكن فيها آلاف الفلسطينيين تنتشر في منطقة تبلغ مساحتها نحو 60% من مساحة الضفة الغربية تلك التي جرى تصنيفها كمناطق C ويعتاش سكّانها على الزراعة ورعي الأغنام. منذ عشرات السنين تطبّق السلطات الإسرائيلية سياسة هدفها تهجير هذه التجمّعات عبْر خلق واقع معيشيّ يصعب تحمّله إلى حدّ اليأس منه، ومن ثمّ الدفع بهؤلاء الفلسطينيين إلى الرحيل عن منازلهم - وكأنّما بمحض إرادتهم.

تشمل هذه السياسة فيما تشمل فرض منع جارف على بناء المباني السكنيّة أو المباني العامّة في هذه التجمّعات ورفض وصلها بالمرافق الأساسية كالكهرباء والماء والامتناع عن شقّ طرق تسهّل الوصول إليها. عندما لا يجد السكّان مفرًّا ويبنون دون ترخيص تُصدر الإدارة المدنيّة أوامر الهدم بحقّ منشآتهم. في بعض الحالات يجري تنفيذ تلك الأوامر ولكن في جميع الأحوال يبقى تهديد الهدم شبحًا يحوم طيلة الوقت فوق رؤوس السكّان. في بعض التجمّعات هناك أسَر هدمت الإدارة المدنيّة منزلها عدّة مرّات. إضافة إلى ذلك فإن الإدارة المدنيّة تهدم جميع المرافق التي يُنشئها السكّان بأنفسهم - كالألواح الشمسيّة التي تزوّدهم بالكهرباء وآبار المياه وطرقًا تمّ شقّها - كما تصادر الصهاريج أو تقصّ الأنابيب التي تمدّ السكّان بالمياه.

تتجسّد سيطرة إسرائيل على نحو خمسة ملايينتطبق السلطات الإسرائيلية سياسات مخصصة لتهجير عشرات التجمعات الفلسطينية والتي تعدّ آلاف السكان وذلك من خلال خلق واقع معيشي مثير لليأس من الصعب على السكان تحمله. تهدف هذه السياسات إلى الاستفادة من الوقت من أجل فرض واقع جديد على هذه الأراضي والسيطرة عليها.

صرّحت جهات إسرائيلية على مر السنين أنّها تعتزم ترحيل جزء من سكّان التجمّعات إلى ما تسمّيه "مواقع تثبيت" (مواقع يسكنون فيها بشكل دائم) كأنّما بهدف تحسين مستوى حياتهم. هدف هذه المخطّطات - التي لم تُنشر في شأنها سوى معلومات جزئيّة - تركيز الفلسطينيين في مناطق ضيّقة داخل مواقع سكن مدينيّة وهذه سوف تصعّب عليهم مواصلة كسب رزقهم من الزراعة ورعي الأغنام. هكذا ستحقّق إسرائيل غايتها وتسلب من هؤلاء السكّان مناطق سكناهم لتستخدمها لاحتياجاتها هي. وكما هو الأمر في شأن جميع نواحي الحياة تحت وطأة الاحتلال، وضع هذه المخطّطات إسرائيليّون في تجاهُل تامّ لسكّان التجمّعات الذين لا يملكون أيّة قوّة سياسيّة - أو حتى قوّة تمثيليّة شكليّة - تمكّنهم من التأثير في عمليّات صنع القرار. هذا الواقع يصبح صارخًا على نحوٍ خاصّ في السياق الحاليّ نظرًا إلى أنّ هذه المخطّطات تفرض تغييرات حادّة على نمط حياة السكّان الفلسطينيين وتمسّ مسًّا خطيرًا بفرصهم لكسب الرّزق. لم يجرِ حتّى الآن تنفيذ أيّة خطّة بعد.

تركّز السلطات الإسرائيلية مساعي التهجير في ثلاث مناطق في الضفة الغربية:

  1.     جنوب جبال الخليل: نحو ألف إنسان نصفهم أطفال وفِتيَة يعيشون تحت تهديد التهجير من منازلهم وهدم قراهم. لقد سبق أنْ رحّل الجيش سكّانًا من هذه المنطقة في نهاية عام 1999 بحجّة إعلانها "منطقة إطلاق نار" منذ الثمانينيّات؛ ذلك رغم أنّ إسرائيل - كدولة احتلال - لا يحقّ لها إعلان مناطق كهذه داخل الأرض المحتلّة. في أعقاب التماسات رفعها السكّان إلى محكمة العدل العليا سُمح لهم بالعودة مؤقتًا إلى منازلهم إلى حين البتّ في الالتماسات وإصدار المحكمة قرارها؛ لكنّ شبح الترحيل ما زال باقيًا وما زالت أمام المحكمة التماسات في هذا الشأن لم يصدر الحُكم فيها بعد.
  2. منطقة "معليه أدوميم": في سنوات الثمانين والتسعين رحّلت الإدارة المدنية مئات البدو من عشيرة الجهالين عن مناطق سكناهم ومعيشتهم وذلك بهدف إقامة مستوطنة "معليه أدوميم"، ثمّ بهدف توسيعها. جرى نقل السكّان إلى موقع ثابت أقيم لأجلهم في جوار مزبلة أبو ديس. وحتّى بعد ذلك الترحيل ما زال نحو 3,000 فلسطيني آخرون من سكّان المنطقة مهدّدين بالترحيل. من هؤلاء 1,400 فلسطيني يسكنون في منطقة جرى تعريفها باسم 1E، جعلتها إسرائيل ضمن مسطّح نفوذ مستوطنة معليه أدوميم لتنشئ تواصلاً عمرانيًّا بين المستوطنة ومدينة القدس.
  3. منطقة الأغوار: هنالك ما يقارب 2,700 شخص يسكنون في نحو عشرين تجمّع رعوي في الأغوار، في أراضٍ أو على أطراف أراضٍ أعلنها الجيش مناطقَ إطلاق نار. تسعى الإدارة المدنيّة بوسائل مختلفة إلى منع هؤلاء الفلسطينيين من مواصلة السّكن في المنطقة ومن ضمن تلك الوسائل هدم منازلهم مرارًا وتكرارًا وإخلاؤهم المتكرّر لفترات قصير بحجّة التدريبات العسكريّة ومصادرة الصهاريج التي تزوّدهم بالمياه.

من وراء هذه الممارسات المخالفة للقانون تسعى السلطات الإسرائيلية إلى تحقيق غاية سياسيّة صرّحت بها جهات رسميّة في مناسبات مختلفة وهي استغلال الوقت لفرض وقائع ثابتة على الأرض والسيطرة على تلك المناطق. كلّ هذا بهدف خلق ظروف تسهّل ضمّ هذه الأراضي إلى حدود دولة إسرائيل قانونيًّا في إطار تسوية مستقبلية؛ وحتى ذلك الحين تعمل إسرائيل على ضمّها فعليًّا. في هذه الأثناء وطيلة عشرات السنين حتى الآن تنتهك إسرائيل مرّة تلو المرّة حقوق الإنسان الخاصة بسكّان تلك التجمّعات بشكل منهجيّ وشامل وفظّ.

سياسة إسرائيل هذه تناقض أحكام القانون الإنساني الدولي الذي يحظر النقل القسريّ لسكّان محميّين (إلاّ إذا جرى الأمر لأجل ضمانة سلامتهم أو لأجل أغراض عسكرية ضروريّة - وهذان استثناءان لا راهنيّة لهما في حالة هذه التجمّعات السكّانية). حظر النقل القسريّ يسري ليس فقط على النقل باستخدام القوّة وإنّما أيضًا على حالات يغادر فيها الناس منازلهم دون إرادتهم الحرّة أو نتيجة لضغط تعرّضوا له هم وأسَرهم. من هنا فإنّ الرّحيل عن بلدة في أعقاب ظروف معيشيّة لا تُحتمَل تعمّدت السلطات فرضها - عبر هدم المنازل أو الحرمان من الكهرباء والماء مثلاً - يُعتبَر نقلاً قسريًّا وبالتالي محظورًا، ما يشكّل جريمة حرب على الضالعين في ارتكابها تحمّل المسؤولية عنها شخصيًّا.

مواد مقترحة

تجمّعات سكّانيّة مهدّدة بالتهجير

"راجعين" (سنعود): اختيار فيلم بتسيلم الوثائقي الجديد، بتقنية الواقع الافتراضي، للمشاركة في مهرجان البندقية

يتتبّع فيلم "راجعين" (سنعود)، الذي صُوّر بتقنية الواقع الافتراضي (VR) بواسطة كاميرات بزاوية 360 درجة، أوضاع تجمّعات رعوية فلسطينية في الضفة الغربية تواجه التهجير القسري من قِبل إسرائيل. وقد تم اختيار الفيلم للمشاركة في قسم Venice Immersive ضمن مهرجان البندقية السينمائي الدولي المرموق، الذي ستُقام دورته الـ 83 في البندقية.المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك: "يضع فيلم "سنعود" المشاهدين وجهًا لوجه أمام جريمة تقع الآن بالضبط، وأمام أعيننا: دولة إسرائيل تهجّر تجمّعات فلسطينية من أراضيها ومنازلها، كجزء من مشروعها الرامي إلى محو الوجود الفلسطيني الجماعي في الضفة الغربية. ليس الحديث هنا عن أفعال موضعية يرتكبها مستوطنون عنيفون، بل عن نهج منظوميّ تنفّذه أجهزة إنفاذ القانون والجيش وميليشيات المستوطنين، معًا".الفيلم، الذي أنجزه بصورة مشتركة اثنان من طاقم بتسيلم، المصوّر فايز أبو رميلة والمخرجة كيرن مَنور، هو فيلم وثائقي غامر صُوّر خلال السنوات الثلاث الأخيرة في تجمّعات رعوية فلسطينية في الضفة الغربية تواجه التهجير القسري والهجمات المتكررة من جانب ميليشيات المستوطنين، إلى جانب عنف الجيش والسلطات الإسرائيلية.من خلال الدمج بين التصوير بزاوية 360 درجة والتوثيقات التي صوّرها سكان فلسطينيون ونشطاء التواجد الحِمائي بالهواتف المحمولة والكاميرات اليدوية، يُدخل الفيلم المشاهدين إلى صميم الواقع اليومي للتطهير العرقي الذي تنفّذه إسرائيل في الضفة الغربية.يتتبّع الفيلم ثلاثة أبطال يمرّ كلّ منهم بمرحلة مختلفة من مراحل تهجير تجمّعه: جابر علي دبابشة، الذي بقي في أرضه رغم تعرّضه لهجمات متكررة ويكابد هدم السلطات منزله مرارًا وتكرارًا؛ عالية مليحات، التي تم تهجيرها فعليًا مع تجمّعها بأكمله؛ وعائلة حريزات، التي أُجبرت على تفكيك منزلها والرحيل.المصوّر فايز أبو رميلة: "خلال العمل على فيلم "سنعود"، رأينا تجمّعات فلسطينية كاملة تختفي، أمام أعيننا. بعض المنازل التي صوّرناها لم يعد موجودًا. بعض الأشخاص الذين فتحوا لنا منازلهم، وقتما كانوا يعيشون تحت تهديد دائم، لم يعودوا يعيشون هناك".المخرجة كيرن مَنور: "الفيلم هو محاولة لحفظ ذاكرة الحياة والأماكن التي مُحيت، ولتقريب المشاهدين قدر الإمكان من واقع التطهير العرقي الذي يواجهه الفلسطينيون يوميًا". خلفيةتعمل إسرائيل، منذ سنوات عديدة، على التهجير القسري للتجمّعات الفلسطينية في الضفة الغربية، بهدف محو ليس وجودها على الأرض فحسب، وإنما تاريخها وذاكرتها أيضًا. ومنذ أيار 2023، توثّق بتسيلم هذا الواقع بواسطة كاميرات بزاوية 360 درجة، كما توثّق التجمّعات قبل تهجيرها وخلاله وبعده.منذ تشرين الأول 2023 فقط، هجّرت السلطات الإسرائيلية وميليشيات المستوطنين قسرًا 62 تجمّعًا فلسطينيًا بالكامل، إضافة إلى قسم من سكان 15 تجمّعًا آخر في الضفة الغربية، واقتلعت من منازلهم 4,635 فلسطينيًا على الأقل، نحو نصفهم قاصرون. وتشكل عمليات التهجير هذه جزءًا من مشروع أوسع للتطهير العرقي، يهدف إلى تفتيت نسيج الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية.استُمدّ اسم الفيلم بالعربية، "راجعين"، من عبارة كتبتها إحدى بطلات الفيلم، عالية، على منزلها قبل أن تُجبَر على مغادرته. وتظهر العبارة أيضًا في قصيدة كتبتها وتعبّر عن مبدأ "الصمود" ـ ثبات الفلسطينيين وإصرارهم على البقاء في أرضهم رغم التهجير المتواصل منذ نكبة العام 1948.سيجري العرض الدولي الأول للفيلم، وهو إنتاج مشترك لبتسيلم وNowHere Media، ضمن قسم Venice Immersive في الدورة الـ 83 لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، والتي ستُقام في أيلول 2026.

15 تموز/يوليو 2026

مأخوذ من توثيق الفيديو

عنف المستوطنين = عنف الدولة

تطهير عِرقي في الضفة الغربية: ميليشيا المستوطنين تهاجم خربة سوسيا ولا يتمّ اعتقال أحد

ليلة أمس (الثلاثاء)، 24 شباط، نحو الساعة 20:00، اقتحم عشرات المستوطنين خربة سوسيا في مسافر يطا، في تلال جنوب الخليل، وهم مزودون بهراوات ومواد قابلة للاشتعال. هاجم المستوطنون منازل السكان ومركباتهم بالحجارة وأضرموا النار في ثلاث خيام وكرفان وأقفاص دواجن ومركبات في عدة مواقع مختلفة في أنحاء القرية التي يسكن فيها التجمع قرابة 300 إنسان، نصفهم من القاصرين. ويعاني التجمّع من اعتداءات يومية ينفذها المستوطنون والجيش الإسرائيلي، بدعم من جميع السلطات الإسرائيلية.وتظهر في التوثيق أيضًا مجموعة من المستوطنين تحاول تعطيل الكاميرات نفسها لمنع توثيق الاعتداء. ولم يتم توقيف أي من المعتدين.الاعتداء على سوسيا أمس هو جزء من الهجوم الشامل الذي تشنّه إسرائيل ضد الفلسطينيين، الذين يُتركون لمصيرهم في مواجهة عنف منفلت تمارسه ميليشيات المستوطنين والجيش الإسرائيلي. هذا التطهير العرقي الذي تنفذه إسرائيل في الضفة الغربية أدى، حتى الآن، إلى تهجير أكثر من 4,000 فلسطيني من منازلهم في 51 تجمعًا تم تهجيرها بالكامل، وفي 14 تجمعًا آخر تم تهجيرها بصورة جزئية. هذا العنف يُمارَس بوتيرة يومية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج.المحامية قمر مشرقّي من مؤسسة حقل للدفاع عن حقوق الإنسان والتي تمثّل سكان القرية، أضافت:"يتقدّم أهالي القرية في هذه الأيام بالتماس قضائي بشأن غياب تطبيق القانون واستمرار الاعتداءات التي يتعرّضون لها. وفي إطار هذا الالتماس، عادت الدولة وصرّحت والتزمت أمام المحكمة بأنها ستعمل على فرض القانون داخل القرية. إلا أنّ الواقع يُظهر عكس ذلك؛ فقد تصاعدت أعمال العنف خلال العام الأخير وبلغت مستويات خطيرة وغير مسبوقة، شملت بوجرومات واعتداءات على السكان واقتحام منازلهم وإلحاق أضرار جسيمة بهم وهم داخل بيوتهم، من دون أن يُقدَّم حتى لائحة اتهام واحدة ضد المعتدين. إنّ ما جرى أمس ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة إضافية في تصعيد منظّم يهدف إلى ترهيب السكان ودفعهم قسرًا إلى الرحيل عن أراضيهم."

25 شباط/فبراير 2026

המאחז "חוות לכתחילה". צילום: פאיז אבו רמילה, בצלם, 22.7.24

عنف المستوطنين = عنف الدولة

البؤرة الاستيطانيّة "لِخَتْحيلَه" - استيلاء المستوطنين على أراضي تجمّع وادي قلط بمُساعدة الجيش

أصبحت البؤر الاستيطانيّة و"المزارع" الاستيطانية، خلال العقد الأخير، إحدى الطرق الرئيسة التي تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي في الضفّة الغربيّة ولطرد التجمّعات الفلسطينيّة التي تعيش عليها. بخلاف الخطوات الرسميّة التي يتمّ اتّخاذها لإقامة مستوطنات، فإنّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة يمكن أن يُنفّذ بسرعة ويتطلّب موارد وقوى بشريّة قليلة نسبيًّا. كما أنّ الاستيلاء على ـأراضٍ زراعية من خلال البؤر الاستيطانيّة والمزارع، يسمح للدولة بالتنصّل من المسؤوليّة عن الاستيلاء على الأرض وعن الممارسات العنيفة وغير القانونيّة التي يرتكبها المستوطنون ، رغم أنّها تدعم هذه البؤر الاستيطانيّة بشتّى الطرق. وبذلك، تنجح الدولة في عرض ممارسات المستوطنين - مبعوثيها - كمسألة تعلق بإنفاذ القانون فحسب، بدلًا من كونها قضيّة متعلّقة بسياسة منتهجة.يتمّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة بشكل سريع في مناطق أساسيّة، ويتمكّن المستوطنون من السيطرة على مساحات شاسعة في غضون وقت قصير، ومن فرض حقائق على الأرض عبر مداهمة الأراضي الفلسطينيّة بقطعان الأغنام والأبقار، مواجهة السكّان الفلسطينيّين بشكل متعمّد والاعتداء العنيف عليهم. في بعض الحالات، يتم إنشاء البؤر الاستيطانية بدون مصادقات رسمية من قبل السلطات الإسرائيلية، وفي بعضها الآخر من خلال التعاون مع السلطات، وسط الاعتماد على اتفاقيات تخصيص للأغراض الزراعية، مثل المراعي والفلاحة. حتى في الحالات التي يتم فيها تخصيص الأراضي من جانب الدولة، يتجاوز المستوطنون في كثير من الحالات المساحات المخصصة، وهكذا يقومون بتوسيع مساحات الأراضي الخاضعة لسيطرتهم.تحظى ممارسات المستوطنين هذه، في كثير من الحالات، بتعاون من جانب الجيش الذي يمتنع عن هدم المباني غير القانونيّة التي يقيمونها، لا بل يزوّد المستوطنين بخدمات حراسة، ويشارك بشكل فعّال في طرد السكّان الفلسطينيّين بشكل عنيف. منذ 7 تشرين الأوّل، تفاقمت ممارسات المستوطنين الساعية إلى الاستيلاء على الأراضي، سواء من ناحية حجم انتشارها وآثارها، أو من ناحية حدّة العنف الذي يستخدمه المستوطنون، أو من ناحية انخراط الجيش الفعّال في هذه الممارسات. وفي هذا الإطار أيضًا هُجِّر 19 تجمّعًا فلسطينيًّا على الأقل من مساكنها وأراضيها بهذه الوسائل، وتواجه اليوم تجمّعات أخرى كثيرة تهديدًا وجوديًّا خطيرًا.يقع تجمّع وادي قلط (الكعابنة) - الذي تقطنه 15 أسرة، تعدّ معاً 80 شخصاً بضمنهم 40 قاصراً - في منطقة وادي قلط، المسمّاة أيضاً الحثرورة-العرارة. منذ العام 1983 وعلى مرّ السّنين منذئذٍ اعتمد سكّانه في معيشتهم بالأساس على تربية الأغنام. في الماضي طُرد سكّان التجمّع، أبناء عشيرة الكعابنة، من النقب بعد إقامة دولة إسرائيل فانتقلوا بداية إلى منطقة الخليل، ومن هناك إلى منطقة تقع شرقيّ القدس. ومنذ أن سكنوا منطقة وادي قلط طُردوا منها مرّتين: كانت المرّة الأولى في أعقاب إقامة مستوطنة "كفار أدوميم"، والمرّة الثانية في أعقاب إقامة مستوطنة "متسبيه يريحو".في العام 2018 أقيمت في منطقة النفوذ البلدية لمستوطنتيّ "متسبيه يريحو" و"معاليه أدوميم" البؤرة الاستيطانية "حفات لختحيلَه"، على بعد نحو 150 مترًا شرقيّ تجمع وادي قلط. . تعمل في البؤرة الاستيطانية "لِخَتْحيلَه" مدرسة دينيّة لشبّان "حريديم" تسربوا من أطر أخرى، وتدعمها ماليّاً مؤسّسة "كيرن كييمت". تدمج المدرسة التعليم والعمل الزراعي ورعي الأغنام. كذلك تقام هناك مناسبات. وقد علمت بتسيلم أن اتفاقية لتخصيص أرض للرعي وزرع الأشجار في المنطقة الواقعة شمالي شرق البؤرة الاستيطانية قد تم التوقيع عليها بين قسم الاستيطان الذي تم تخصيص الأرض له من قبل المسؤول عن الأملاك الحكومية في الإدارة المدنية وبين ممثلي البؤرة الاستيطانية. وتسمح اتفاقيات التخصيص هذه باستخدام الأراضي للرعي، لكن معلومات بتسيلم تشير إلى أن الاتفاقيات، وكذلك الوضع التخطيطي، لا تسمح بالبناء، ولذلك فإن الأبنية في البؤرة الاستيطانية هي غير قانونية، كما يبدو، وهي في كل الأحوال لا تشمل أراضي التجمع. في العام 2022 أقيمت غربيّ التجمّع بؤرة استيطانيّة أخرى، وهكذا حوصر التجمّع بين البؤرتين من الشرق والغرب، وشارع رقم 1 من الجنوب والمحمية الطبيعية وادي قلط من الشمال. في أعقاب ذلك، وبسبب عُنف المستوطنين، تقلّصت إلى حدّ كبير مساحة المراعي المُتاحة لأبناء التجمّع.ويقول سكّان التجمّع في إفاداتهم إنّهم منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة "حفات لِخَتْحيلَه" يتعرّضون لتنكيل على نطاق لم يعهدوه من قبل. وقد تحدّثوا عن اعتداءات جسديّة على رُعاة في المراعي واقتحامات للتجمّع نفسه. وقال السكّان إنه خلال تلك الاقتحامات، كان مستوطنون يأتون من صوب البؤرة الاستيطانية ويقومون باعتداءات جسديّة على السكان ورشقهم بالحجارة إضافة إلى تهديدهم . ورغم تكرار هذه الأحداث تكرّرت أيضاً توجهات السكّان إلى الشرطة الإسرائيلية، إلّا أنّها لم تحرّك ساكناً لوقف هذه الهجمات والمضايقات، بل قامت باعتقال سكّان من التجمّع، بمن فيهم قاصرون.إن خلق مثل هذه "الاحتكاكات" بصورة متعمّدة يشكل تعبيرًا جيدًا عن الهدف الذي تقام من أجله بؤر المزارع الاستيطانية هذه والطريقة التي بواسطتها يكرس هؤلاء سيطرتهم على الأرض. وإن أعمال التنكيل المتعمدة التي يقوم بها مستوطنو هذه البؤر ضد المزارعين الفلسطينيين تخلق صورة مزيفة عن "مواجهات" متوازية ومتوازنة بين المستوطنين والمزارعين، وهي الصورة التي يستغلها الجيش بغية إبعاد الفلسطينيين بذريعة "الضرورة الأمنية"، بالقوة في كثير من الأحيان. وعندما تقع مثل هذه الأحداث، مرة تلو الأخرى وبصورة متكررة، يتم إغلاق الطريق أمام المزارعين وقدرتهم على الوصول إلى الأراضي التي يستخدمونها للرعي، الأمر الذي يمسّ بقدرتهم على الاسترزاق من رعي المواشي.ولا يقتصر التنكيل بسكان التجمع على محاولة إبعادهم عن مناطق الرعي فقط، بل يشمل أيضًا تقييد حقهم في الحركة والتنقل. في الماضي نصبت الإدارة المدنيّة والجيش بوّابة كهربائيّة على الطريق المؤدّية إلى التجمّع، لكنّهم أغلقوها منذ ما قبل الحرب ومنعوا بذلك السكّان من الخروج والدّخول عبر المنفذ إلى الشارع المقابل لمدخل المستوطنة، ثمّ بدأ المستوطنون بتسيير دوريّات في المنطقة. خلال الحرب أغلق الجيش أيضاً الطريق الجبليّة المتعرّجة المتّجهة إلى أريحا، وبذلك صعّب أكثر فأكثر قدرة السكّان على التنقل من التجمّع وإليه ووُصولهم إلى المدينة، علماً أنّهم يتلقّون فيها معظم الخدمات. ومؤخّراً فُتح الحاجز الذي على المنفذ خلال ساعات النهار لكنّ الجيش يعود ويُغلقه كلّ ليلة. وعلى كلّ حال، فإنّ الطريق من الشارع في اتّجاه أريحا مُغلقة وبالتالي فهو لا يخدم سكّان التجمّع في شيء.منذ اندلاع الحرب الحالية، تفاقمت الهجمات التي يشنّها المستوطنون ضدّ أهالي التجمع. وقد شملت هذه الهجمات اقتحام التجمّع في ساعات اللّيل بضع مرات، حيث كان بعض المهاجِمين يرتدون الزيّ العسكريّ أو كانوا ملثمين جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية. كانوا يقتحمون المنازل، يهدّدون السكّان، يطالبونهم بالرّحيل عن منازلهم ويُلحقون أضراراً بالمنازل والممتلكات. كذلك ألحق المستوطنون عدّة مرّات أضراراً بشبكة المياه في التجمّع، والتي تصلها المياه من شركة "مكوروت". في كانون الأول 2023 هبطت وتيرة الهجمات في أعقاب تدخّل الإدارة المدنيّة بضغط من منظمات إنسانيّة. مع ذلك، واصل المستوطنون منع الوُصول إلى المراعي، ممّا أضرّ كثيراً بقدرة السكّان على كسب معيشتهم وأدّى بمعظم مربّي الأغنام إلى بيع معظم أغنامهم بعد أن عجزوا عن تحمّل تكلفة شراء الأعلاف لإطعامها. بعض هؤلاء تخلّوا مجبرين عن نمط حياتهم التقليديّ بعد أن اضطرّوا للعمل كعمّال أجيرين. توضح الإفادات التي أدلى بها السكّان أمام بتسيلم مدى تأثير البؤرة الاستيطانيّة على حياة السكّان الفلسطينيّين الذين يُقيمون و/أو يرعون مواشيهم في جوارها، كما التنكيل والتجبّر بهم من قبَل المستوطنين والجيش.أدناه إفادتان أدلى بهما اثنان من سكّان التجمّع أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري:طايل كعابنة (41 عاماً)، أب لستّة، قال في إفادته التي أدلى بها في 13.5.24:أنا أب لستّة أولاد، وابني الأكبر، محمود (23 عاماً) متزوّج. التجمّع الذي أقيم فيه سكن في الماضي قريباً من الموقع الذي أقيمت عليه مستوطنة "متسبيه يريحو"، ولكن رحّلونا عنه في العام 1983. من هناك نتقل التجمّع إلى الموقع الذي هو موجود فيه الآن. وأنا قد وُلدت هناك في السّنة نفسها. منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة، قبل خمس سنوات، نعاني من هجمات يشنّها علينا مستوطنون يأتون من جهة البؤرة الاستيطانيّة الرعويّة.في أيّار وحزيران 2023شنّ علينا مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة هجمات متتالية. في إحدى الهجمات دخلوا مع أغنامهم وأفلتوها لترعى وسط التجمّع. عندما طرد الأهالي الأغنام استدعى المستوطنون نجدة فجاء مستوطنون إضافيون من جهة البؤرة الاستيطانيّة نفسها، وكان بعضهم مسلّحًا بالعصيّ والهراوات وكان بعضهم ملثّمًا. اعتدوا عليّ وعلى آخرين من أبناء عائلتي، بضمنهم ابني (14 عاماً) وابن أخي (16 عاماً) وابن عمّي محمد إبراهيم (60 عاماً).استدعينا الشرطة، ولكن عندما جاءوا اعتقلونا نحن بالذات. كبّلوا أيدينا واقتادونا إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "معليه أدوميم". أبقونا هناك طوال 24 ساعة جالسين على مقعد، مكبّلي الأيدي وأعيننا معصوبة بقطعة قماش. بعد ذلك حقّقوا معنا واتهمونا بالاعتداء على عناصر الجيش، رغم أنّ المواجهة جرت أصلاً مع المستوطنين. أطلقوا سراح ابني وابن أخي دون كفالة، أمّا أنا وابن عمّي فقد اضطررنا لإيداع كفالة بقيمة 1,500 شيكل عن كلّ واحد منّا.في أعقاب أحداث السّابع من أكتوبر جاء حفّار كبير من آليّات الإدارة المدنيّة وجنود، وسدّوا بأكوام التراب الطريق المؤدّي إلى بعض منازل التجمّع. نتيجة إغلاق هذه الطريق والطرق الأخرى المؤدّية إلى التجمّع والتي كانوا قد أغلقوها منذ ما قبل الحرب، نضطرّ إلى استخدام طرق التفافيّة وعرة، إضافة إلى أنّها تُطيل كثيراً مدّة سفرنا إلى أريحا. قبل ذلك كنّا نصل إلى الشارع الرئيسيّ، شارع أريحا - القدس، خلال 5 دقائق.بعد مضيّ 20-30 يوماً على أحداث السّابع من أكتوبر أذكر أنّني سمعت في اللّيل حركة في الخارج. عندما خرجت لأستوضح الأمر شاهدت عدداً من المستوطنين يتقدّمون في اتّجاه منزلنا. لخوفي منهم طلبت من النساء والأطفال أن يفرّوا إلى منزل أقارب لنا يقع في مكان أعلى من موقع منزلنا، وهربت مع اثنين من أبنائي إلى الشارع الرئيسيّ. خرّب المستوطنون أربعة ألواح شمسيّة حصلت عليها بمُساعدة من الاتحاد الأوروبيّ، وهدموا مخزناً أضع فيه الأعلاف، مساحته 4x4 متر. بعد ذلك رأيتهم يعودون في اتجاه البؤرة الاستيطانية في تلك اللّيلة هاجموا عائلتنا فقط.منذ 7.10.2023 ازدادت الهجمات علينا. صار مستوطنون يأتون إلى التجمّع كلّ يوم تقريباً، وكان بعضهم يرتدي الزيّ العسكريّ، ويهجمون على المنازل، يُضيئون بمصابيحهم على السكّان النائمين، يتجوّلون بين المنازل ويقولون لنا إنّ علينا أن نرحل عن هذا المكان، وإلّا فسوف يُجبروننا على الرّحيل بالقوّة.في 27.11.23، في ساعة متأخرة من اللّيل، جاء إلى منزلي أربعة أشخاص يرتدون أقنعة على وُجوههم. قالوا لي إنّني أسرق المياه من شركة "مكوروت". أجبتهم بأنّ هذا غير صحيح وأنّني أحصل على المياه بطريقة قانونيّة، والسّلطة الفلسطينيّة تدفع منذ سنين حسابات المياه عن كلّ البلدات البدويّة التي في المنطقة. عندئذٍ طلبوا أن أريهم فواتير، ثمّ قال أحدهم إنّهم قد أبلغونا منذ زمن أنّ علينا الرّحيل والآن يوجد أمامنا خياران: إمّا أن نرحل طوعاً وهُم يقدّمون لنا أموالاً تساعدنا على الانتقال إلى مكان آخر، وإمّا أنّهم في المرّة القادمة سوف يُجبروننا على الرّحيل بالقوّة. قلت لهُم إنّني أن أرحل عن هذا المكان.كذلك حاول المستوطنون أن يسرقوا 20 من أغنامي. جاءوا إلى مساكن التجمّع وأخذوا يقتادون الأغنام في اتجاه البؤرة ، ونحن بدورنا استدعينا الشرطة فجاءت إلى المكان وأعادت لنا الأغنام.بعد 7.10.223 بنحو 40 يوماً وجدنا أن أنابيب شركة مكوروت التي تزود التجمّع بالمياه قد قُطّعت. بقينا أيّاماً بدون مياه. لا يوجد أحد غير المستوطنين له مصلحة في ذلك. الأمر نفسه تكرّر بعد ذلك عدّة مرّات أخرى. هُم يريدون التضييق علينا بكلّ الطرق بهدف ترحيلنا من هذه المنطقة والاستيلاء عليها.في بداية الحرب، عندما ازدادت هجمات المستوطنين، راودت فكرة الرّحيل عن التجمّع عدداً من إخوتي، حتى أنّ أحدهم قد باشر في تفكيك مبانيه، لكنّه في النهاية اقتنع وآثر البقاء. في كانون الأول 2023، وبعد ضغوط مارستها منظمات إنسانية على الإدارة المدنية، توقفت الهجمات.المستوطنون يمنعوننا أيضًا من الوُصول إلى المراعي، وإذا اقتربنا مع الأغنام من البؤرة الاستيطانيّة يخرجون ويرشقوننا بالحجارة. وقد تفاقم هذا الوضع بعد أن أقاموا هنا بؤرة استيطانيّة أخرى قبل سنة، على بُعد 2 كيلومتر غربيّ التجمّع. على سبيل المثال، قبل يومين هاجم مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية الغربية أغنام أخي أحمد حين كانت ترعى قرب التجمّع ورشقوها بالحجارة فكسروا رجل إحدى الأغنام.حتى إقامة "متسبيه يريحو" والبؤرة الاستيطانيّة كانت مُتاحة لنا مراعٍ كافية بحيث لم تكن حاجة للأعلاف لإطعام الأغنام سوى خمسة أشهر في السّنة. ولكن في أعقاب إقامة المستوطنات والضغط الذي مارسه المستوطنون وتقلّص مساحة المراعي المتاحة لنا، اضطررنا إلى شراء الأعلاف طيلة السنة، بتكلفة بلغت 1,200 شاقل في الشهر. لم نتحمّل هذه النفقات، ولذلك قلّصت عدد أغنامي من 120 إلى 20. معظم سكّان التجمّع باعوا بالتدريج معظم أغنامهم، وكثيرون منهم اضطروا للعمل كعُمّال أجيرين في المنطقة الصناعيّة "ميشور أدوميم" أو في مصانع البحر الميت أو في مزارع التُّمور الفلسطينيّة.نحن لا نعرف ما يخبّئه لنا المستقبل، لأنّ وجود المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة يهدّد وجودنا هنا ووجود تجمّعنا هذا. هدف المستوطنين، في رأيي، هو اقتلاعُنا من منازلنا.محمد كعابنة (51 عاماً،)، أب لسَبعة، قال في إفادته التي أدلى بها في 13.5.24:يقيم ولداي الاثنان، جهاد (28 عاماً) وهو متزوّج وأب لثلاثة، وموسى (24 عاماً) وهو أيضاً متزوّج وأب لثلاثة، إلى جانبي. أعمل في مزرعة تُمور في أريحا. حتى 7 أكتوبر كان جهاد يعمل في "ميشور أدوميم" وموسى في منطقة البحر الميت، كلاهُما بتصاريح عمل رسميّة، ولكن مع بداية الحرب ألغيت هذه التصاريح.في 21.6.2020، دخل مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية إلى التجمّع وضرب أحدهم إحدى الأغنام بقضيب حديديّ. عندما اقتربت منه ضربني بالقضيب على رأسي وفرّ هارباً مع بقيّة المستوطنين. تمّ إخلائي لتلقي العلاج في أحد مستشفيات أريحا.منذ اندلاع الحرب في غزة أغلق الجيش الإسرائيليّ بوّابة كهربائيّة الأمر الذي يمنعنا من الوُصول إلى شارع القدس - أريحا، ممّا يضطرّنا إلى السّفر عبر طريق بديلة وعرة وتُطيل مدّة سفرنا كثيراً.في السّنوات الأخيرة أقيمت هنا بؤرتان استيطانيّتان تهدّدان أمن وحياة أهالي التجمّع: الأولى أقيمت شرقيّ التجمّع قبل نحو 5 سنوات وتسمّى "حَفات لِخَتْحيلَه"، والثانية أقيمت غربيّ التجمّع قبل نحو سنة.منذ بدء الحرب في تشرين الأول 2023، بدأ مستوطنون يدهمون التجمّع بين الواحدة ليلاً والثالثة فجراً، والناسُ نيام، - بعضهم بزيّ عسكريّ وملثّمون. وقد تحوّل ذلك إلى ممارسة دائمة، والمرّة الأخيرة كانت في 29.11.23. كانوا يظلّون في التجمّع وقتاً طويلاً، وأحياناً يقتحمون المنازل ويوجّهون أضواء مصابيحهم على وجوه أفراد العائلات وهُم نيام. أحياناً كانوا يقفون لصق منازلنا في الخارج، يثرثرون ويضحكون مع بعضهم البعض. في إحدى المرّات قال لي أحد المستوطنين الذين جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية أنّه من الأفضل لنا أن نرحل الآن عن منزلنا، لأنّهم سيأتون في المرّة القادمة بهدف إحراق المنزل وهدمه، لكي يُجبرونا على الرّحيل.في 29.11.23، نحو الثالثة فجراً، استيقظت من نومي مرعوباً إذ اقتحم منزلي نحو 6 أشخاص يرتدون الزيّ العسكريّ ووجّهوا ضوء مصباح إلى وجهي؛ وكانوا يضعون أقنعة على وُجوههم. أمروني بأن أجلب بطاقة هويّتي ثمّ سألني أحدهم منذ كم من الوقت أقيم هنا فأجبنه له بأنّ أبي وجدّي وعائلاتهم قد أقاموا هنا منذ عشرات السّنين. قال لي إنّه وفقاً للسجلّ الذي لديه أنا أقيم هنا فقط منذ 10 سنوات، وسألني لماذا لا أرحل. عندما قلت له إنّني لا أريد أن أرحل سألني كم من المال أريد لكي أوافق على الرّحيل. قلت له إنّني لا أريد مالاً، كما أنّه ليس لي مكان آخر أذهب إليه، فاقترح عليّ أن أرحل إلى الأردن أو قطر. أعتقد أنّهم كانوا مستوطنين من البؤرة الاستيطانيّة المسمّاة "لِخَتْحيلَه" لأنني رأيتهم يعودون في اتجاه البؤرة.مستوطنو المزرعة الاستيطانيّة "لِخَتْحيلَه" والبؤرة الثانية التي أقيمت قبل سنة غربيّ التجمّع يقيّدون إمكانيّة وصولنا إلى المراعي. يرشقوننا بالحجارة ويهدّدوننا بالسّلاح الناريّ لكي يمنعونا من الرّعي. لهذا السّبب، منذ خمس سنوات لا نستطيع الابتعاد مع الأغنام عن منازلنا سوى لمسافة 400 متر، لأنّنا نخاف الاقتراب من البؤرة الاستيطانيّة. إضافة إلى ذلك، يرعى المستوطنون الذين يأتون من ناحية البؤرة الاستيطانية أغنامهم قبالة منازل التجمّع ولا أحد منّا يجرؤ على توجيه كلمة إليهم، لأنّنا نخاف أن يهاجمونا جسديّاً كما فعلوا في مرّات سابقة. على سبيل المثال، يوم أمس (12.5.24)، نحو السّاعة 17:30، اقترب إلى التجمع أحد المستوطنين من البؤرة الاستيطانية الواقعة غرب التجمّع وأخذ يرشق أغنامنا بالحجارة، وبالنتيجة كُسرت رجل إحدى الأغنام. أكثر ما يثير الغضب هو أنّه يُسمح للرّعاة من المستوطنين أن يتجوّلوا مع أغنامهم داخل أراضي التجمّع وفي وادي القلط، بينما الأهالي مواليد هذا المكان - البدو - يُمنعون من ذلك.في الماضي كانت أغنامي تعدّ 80 رأسًا، ولكن بعد محاصرتنا بالمستوطنات والبؤر الاستيطانيّة ومنعنا من الوُصول إلى المراعي اضطررت لبيع 60 منها وبقيت عندي 20 فقط. أنا إنسان فقير، حيث أنّني أعمل في مزارع التّمور الفلسطينيّة لقاء أجر يوميّ قدْره 80 شاقلاً. ثمّ إنّه عمل موسميّ لا يتوفّر سوى لمدّة ثمانية أشهُر في السّنة، ومدخولي لا يكفي لشراء أعلاف لأغنامي.هذه الأمور ضربت الوضع الاقتصاديّ للتجمّع ككلّ، بعد أن كان يعتمد في معيشته على تربية الأغنام وتجارة الأغنام وبيع منتجات الألبان التي كنّا نصنعها بأيدينا. ثمّ أصبح الرّعي وتجارة المواشي غير مجدية لنا اقتصاديّاً فترك كثيرون هذا المجال وتحوّلوا إلى عمّال أجيرين. المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة المحيطة بالتجمّع قد دمّرت نمط حياتنا البدويّ.

13 تشرين الأول/أكتوبر 2024