نهال الغندور- صلاح
31 كانون الأول/ديسمبر 2023
40 عامًا، أمّ لأربعة، تحدّثتْ عن اعتقالها بأيدي جنود على حاجز "نتسريم" في 22.11.23 وعن التنكيل الذي عانت منه خلال اعتقالها الذي استمرّ أكثر من ثلاثة أسابيع:
أنا وزوجي وأطفالنا، سما (11 عامًا) وكريم (9 أعوام) وزينب (7 أعوام) وسلمى (4 أعوام)، كنّا نسكن في بناية عائلتي، في مشروع بيت لاهيا، شمالي مدينة غزّة، قرب السوق. كنتُ أعمل معلّمة رياضيّات في مدرسة وكان زوجي عاطلًا عن العمل.
في بداية الحرب بقينا في البيت. لكن في 18.11.23 سقطت قذيفة على بنايتنا وغادرنا جميعًا: أنا وزوجي والأطفال ووالداي وأختاي، سمر وندى، وإخوتي، شادي ومحمّد ومحمود مع عائلاتهم. كنّا ما مجموعه 25 شخصًا. في البداية انتقلنا إلى مخيّم جباليا للاجئين. مكثتُ أنا وزوجي وأطفالنا وبعض الأفراد الآخرين من العائلة يومين لدى عائلة المدهون ثمّ يومين في بيت أقاربنا من عائلة أبو دية.
في 22.11.23 تركتُ أنا والأطفال، وأختي سمر، وزوجة شادي وأولادهما، وعمّتها تمام أبو دية، بيت عائلة أبو دية وتقدّمنا جنوبًا.. تقدّمنا جنوبًا حتّى وصلنا إلى الحاجز الذي نصبه الجيش في منطقة "نتسريم". هناك، أمرَنا الجنود بالجلوس على الأرض. فجلستُ أنا وبنات شادي، روز ومي وسارة، على الرمال. بعد ذلك نادوا على سمر وقالوا لها أن تدخل خلف الجدار، ثمّ أمروني أنا أيضًا بالذهاب إلى هناك. أمرني الجنود بخلع ملابسي وبقيت بملابس الداخلية فقط. بعد ذلك سمحوا لي بأن أرتدي ملابسي ثانية وجلستُ بجانب سمر. غطّوا أعيننا. سألتْ سمر مَن الموجود بجانبها، فأجبتُها أنّ هذه أنا. بعد ساعتين ناديتُها مرّةً أخرى ولم تردّ. لم أعرف أين هي.
في المساء نقلوني سويّةً مع نحو 15 امرأة أخرى، كانوا قد اعتقلوهنَّ، إلى مكان آخر. قالوا لنا إنّنا موجودات في منشأة اعتقال للجيش الإسرائيليّ. في كلّ مرّة تحرَّكتُ فيها تلقّيتُ ضربة على رأسي. في كلّ مرّة سمعتُ فيها أصوات جنود خفتُ من أن أتلقّى ضربة مرّة أخرى. طوال الوقت كانوا يمشّطون السلاح لإخافتنا، وكلّما كنتُ أسمع ذلك كنتُ أتلو الشهادتين لأنّني كنتُ متأكّدة من أنّهم سيُطلقون النار عليّ. طوال الوقت كنّا مُقيَّدات بأصفاد بلاستيكيّة.
قام أشخاص بملابس مدنيّة، أعتقد أنّهم كانوا من "الشاباك"، بالتحقيق معي أربع أو خمس مرّات. في كلّ مرّة كنتُ أدخل فيها إلى التحقيق كانوا يُبدّلون الأصفاد البلاستيكيّة بأصفاد معدنيّة طيلة مدّة التحقيق. سألوني عن المختطَفين وعن الأنفاق، عن مواقعها، وعن كاميرات المراقبة. أحد المحقّقين صرخ عليّ وشتمني طوال الوقت.
لم يسمحوا لنا بالنوم وأجبرونا على الوقوف في البرد في غرف جدرانها مبنيّة من الصفيح. أهانونا طوال الوقت. في بعض الأحيان كانوا يضعون الطعام خارج الغرفة بحيث لا نتمكّن من الوصول إليه، ثمّ كانت تأتي الحيوانات وتأكله لنا. طوال اليوم كانوا يصرخون علينا ويشتموننا. كانت المراحيض مقرفة للغاية وشعرتُ بأنّ المياه التي قدّموها لنا غير صالحة للشرب.
في يوم الأربعاء الموافق 29.11.23 قالوا لنا: "يلّا، إلى غزّة". عصبوا أعيننا وأخذونا إلى سجن. قالوا لنا إنّه سجن الدامون. حقّقوا معنا هناك أيضًا وسألونا نفس الأسئلة مرّة أخرى. التقيتُ هناك بأسيرات من الضفّة الغربيّة وكذلك بأربع معتقلات اعتُقلن معنا في غزّة وتمّ أخذهنّ قبل ذلك بيومين. كانت هناك جنديّات أو سجّانات نكَّلْن بنا جسديًّا ونفسيًّا. ركلنَنا وشدَدْننا من شعرنا، أهَنَّنا وصرخْن علينا.
احتجزوني هناك أسبوعين تقريبًا، حتّى يوم الاثنين، 11.12.23. حينها نادوني أنا وأسيرة اخرى وقالوا لنا إنّهم سيطلقون سراحنا.
عصبوا أعيننا، قيّدوا أيدينا واقتادونا طيلة ثلاث ساعات إلى منشأة الاعتقال التي كنتُ فيها في البداية. حقّقوا معي هناك مرّة أخرى وضربوني بقسوة بالغة. أهانوني وسحبوني من شعري. كنتُ حينها قد أصبحتُ يائسة. فقدتُ الأمل في أن يتمّ إطلاق سراحي.
في ساعات المساء من يوم الخميس الموافق 14.12.23 نادوني أنا وأربع نساء أخريات من قطاع غزّة وأوقفونا في الخارج، بعيدًا عن بعضنا البعض، في البرد وتحت المطر، لمدّة خمس ساعات. وعندما سألناهم عن سبب احتجازهم لنا هنا، صرخ الجنود علينا وشتمونا.
بعد منتصف الليل عصبوا أعيننا، قيّدوا أيدينا وأصعدونا إلى حافلة واقتادونا إلى معبر كرم أبو سالم. التقينا هناك بعمّال كانوا معتقلين في إسرائيل وأُعيدوا منها وهم الذين أوضحوا لنا أين نحن موجودات. عندها فقط فهمنا أنّهم سيُطلقون سراحنا.
عدتُ منهكةً جسديًّا ونفسيًّا. بالكاد استطعتُ أن أمشي وكنتُ في وضع نفسيّ سيّئ جدًّا بعد كلّ ما مررتُ به في السجن. عندما دخلتُ إلى القطاع صُدمتُ ممّا رأيتُه، كلّ المهجَّرين ووضعهم. اتّصلتُ بعائلتي وعندما وصلتُ إليهم اكتشفتُ أنّهم يسكنون جميعًا في مخزن ما، كلّهم يجلسون هناك فوق بعضهم البعض لشدّة الاكتظاظ. بالكاد يوجد طعام وماء. أطفالي كانوا في وضع صعب جدًّا، مرّوا بأشياء فظيعة وأنا لم أكن بجانبهم. أصيبوا بالأنفلونزا وعانوا من حالات إسهال والتهابات معويّة، ولم تكن لديهم ملابس بديلة بتاتًا. ذهبتُ للبحث عن ملابس لكي أشتريها لهم لكنّي لم أجد. أنا أيضًا ليس لديّ أيّ ملابس وما زلت أرتدي "ترنينغ" أعطوني إيّاه في السجن. عثرنا أنا وزوجي على مبنى قيد الإنشاء، ودخلنا إلى شقّة هناك لا تزال بلا نوافذ. أغلقنا المنافذ بالنايلون.
أنا غير قادرة على التعافي ممّا مرّ عليّ. من الخجل أن رأوني وأنا شبه عارية، ومن حالة أطفالي.
* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد صباح في 31.12.23
شقيقتها سمر الغندور (34 عامًا) روت كيف اختفت نهال في حاجز "نتسريم" ولم يعرف أحد مكانها حتّى يوم إطلاق سراحها
أنا أسكن في مشروع بيت لاهيا مع عائلتي ووالديّ وإخوتي وأخواتي.
في بداية الحرب بقينا في بيتنا. كنّا نسمع طوال الوقت أصوات إطلاق نار وقصف بشكل متواصل في محيط منطقتنا، وكاد الطعام والماء ينفدان وأصبح الوضع لا يُحتمل، لكن لم تكن أيضًا طريقة آمنة للمغادرة. في مرحلة ما سقطت قذيفة أيضًا على بيتنا والبيوت المجاورة وألحقت أضرارًا بالسقف والجدران والأثاث، فاضطُررنا إلى مغادرة البيت. لا أتذكّر التاريخ الذي حدث فيه ذلك. وصلنا إلى بيت أقاربنا في مخيّم جباليا للاجئين، لكنّنا بقينا هناك يومين فقط لأنّه كان مكتظًّا جدًّا هناك. لم يكن هناك ماء، وكان هناك أيضًا الكثير من عمليّات القصف. لذا، خرجنا من هناك وذهبنا إلى مستشفى اليمن السعيد، الموجود هو أيضًا في مخيّم جباليا.
مكثنا هناك لمدّة أسبوع، ثمّ تمكّنا في يوم الأربعاء الموافق 22.11.23 من العثور، بطريقة ما، على سيّارة أقلّتنا من جباليا إلى دوّار الكويت في حيّ الزيتون في مدينة غزّة. من هناك يسير الجميع على الأقدام باتّجاه حاجز "نتسريم"، وهذا ما فعلناه. عندما وصلنا إلى الحاجز كان هناك الكثير من الدبّابات الإسرائيليّة والقنّاصة. مشينا دون أن ننظر حولنا. عندما مررتُ من البوّابة الإلكترونيّة التي نصبها الجيش هناك نادوني عبر مكبّرات الصوت: تعالي إلى هنا. اقتربتُ منهم وجلستُ على الأرض كما أمروني. كانت الدبّابات تمرّ بجانبي وامتلأ الهواء كلّه بالغبار الذي تغلغل إلى العينين وكلّ أنحاء الجسم. كان يجلس بجواري نحو 50 شخصًا، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا. أمرني الجنود بأن أستدير نحوهم ثمّ عصبوا عينيّ وقيّدوا يديّ بأصفاد بلاستيكيّة. استجوبوني عن أقاربي وعن حماس، عن موقع الأنفاق، وعن علاقتي بقائد في حماس يُدعى أبو أنس، والذي اسم عائلته الغندور هو أيضًا. قلتُ لهم إنّه ليس قريبي. استمرّ التحقيق 15 دقيقة ثمّ نقلوني مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام، وكنتُ لا أزال معصوبة العينين ومقيَّدة اليدين، وأجلسوني في مكان آخر، تمّ احتجازي فيه نحو ساعتين. سمعتُ هناك صوت أختي نهال (40 عامًا)، لكن عندما أطلقوا سراحي في النهاية لم أرَها هناك. تقدّمتُ نحو الطريق لكن لم أجدها.
واصلتُ الذهاب سيرًا على الأقدام باتّجاه مخيّم النصيرات، مسافة 5 كيلومترات تقريبًا، وهناك التقيتُ ببقيّة أفراد العائلة، انتظرنا نهال لمدّة ساعتين تقريبًا، ولمّا لم تصلْ ركبنا سيّارة وسافرنا باتّجاه رفح، حيث كان بعض إخوتي قد أصبحوا موجودين فيها. كان معنا أولاد أختي نهال، سما (11 عاماً)، كريم (9 أعوام)، زينب (7 أعوام) وسلمى (4 سنوات)، وكذلك منى، زوجة أخي الذي كان قد أصبح في رفح، وأولادهما سارة (20 عامًا) ومي (18 عامًا) وروز (15 عامًا) ولين (13 عامًا) ومحمّد (10 أعوام) ومهنّد (8 أعوام).
الآن نحن جميعًا في رفح، ومنذ ذلك اليوم لم نسمع أيّ شيء من أختي نهال. بحثنا عنها وسألنا عنها، لكن لم نتمكّن من الوصول إلى أيّ معلومة. نحن قلقون عليها وخائفون على حياتها. على حدّ علمنا تمّ احتجازها ولم يُطلَق سراحها. تمّ اعتقال أشخاص كثيرين في حاجز "نتسريم"، ولا يوجد أيّ معلومة عنهم.
* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد صبّاح في 24.11.23
روز شادي الغندور (15 عامًا)، تحدّثتْ هي أيضًا عن اختفاء عمّتها نهال:
عندما وصلنا إلى الحاجز العسكريّ في "نتسريم" دخلتُ عبر البوّابة الإلكترونيّة سويّةً مع شقيقتيَّ سارة ومي، وعمّتيّ سمر ونهال. ثمّ جلسنا على الأرض تحت الشمس مع 50 شخصًا آخر تقريبًا، من النساء والأطفال.
نادى الجنود علينا واحدًا تلو الآخر وكان علينا أن نذكر اسمنا ورقم الهويّة. أطلقوا سراح بعض الأشخاص وأمروهم بالتوجّه جنوبًا. أمروا عمّتي سمر، ثمّ عمّتي نهال من بعدها، بالتوجّه نحو العلم الأخضر، إلى المكان الذي كانوا يحقّقون فيه مع الناس، على بُعد أمتار قليلة عنّا. غطّوا أعينهما وسمعت صراخًا من اتّجاههما. بقينا هناك حتى نادى الجنود عليّ وعلى أخواتي وأمرونا بالتوجّه جنوبًا. بدأنا نسير ولم نتمكّن من التوقّف لأنّه كانت هناك دبّابات وكنّا خائفات. بعد ساعتين التقينا بعمّتي سمر وقالت إنّ نهال بقيت في التحقيق.
ذهبنا مشيًا على الأقدام أكثر من 5 كيلومترات حتّى وادي غزّة، بجوار مخيّم النصيرات للاجئين، وهناك انتظرنا نهال لكنّها لم تأتِ. في النهاية صعدنا إلى سيّارة أقلّتنا إلى رفح. وصلنا إلى هناك منهكات تمامًا. بالكاد تمكّنا من الوقوف على أقدامنا.
ما زلنا لا نعرف حتّى الآن ماذا حدث لعمّتي نهال. سألنا عنها في كلّ مكان، في المستشفيات وفي الصليب الأحمر، لكن لا أحد يعرف مكانها.
* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد صبّاح في 30.11.23