بعد الكورونا بدأتُ أتجوّل في الشوارع بعربة ساندويتشات. أتجوّل بالعربة في الشوارع كلّ يوم من الساعة 10:00-17:00 لكنّ الدخل زهيد جدًّا. الساندويتش بشيكل لا يربّح شيئًا تقريبًا. أريد أن أرفع السعر لكنّ هذا مستحيل بسبب الوضع الصعب في القطاع. الدخل من هذا العمل لا يكفي لسدّ احتياجاتنا وأنا لا أستطيع دفع فواتير الكهرباء والماء والإنترنت مثلًا من بيع السندويتشات. يحطّم قلبي أنّي لا أستطيع توفير حياة كريمة لزوجتي وأطفالي.
أصواتٌ من غزّة
تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>
عندما قالوا إنّه يجب إخلاء المنزل أصيبتْ تمام بصدمة. أعددتُ أنا بسرعة حقيبة لثلاثتنا وبدأنا نقود أمّنا على الكرسيّ المتحرّك حتّى نهاية الشارع لمسافة 900 متر تقريبًا من المنزل. هرب جميع الجيران من البيوت وساعدنا بعضهم. جاء أخي نمر (55 عامًا) الذي يسكن في بيت حانون وأخذ أمّي إلى منزله. بقيتُ أنا وتمام هناك ثمّ جاءت طائرة بدون طيّار وأطلقت صاروخًا على منزل زهير الزعانين الذي كان على بُعد بضعة أمتار عن منزلنا. بعد نحو 25 دقيقة أطلقت طائرة إف-16 صاروخًا ثمّ حدث انفجار قويّ جدًّا.
אחרי שעתיים בערך חזרנו לראות מה קרה לבית שלנו. כשראיתי אותו התמוטטתי ונפלתי. לקח כמה דקות עד שהצלחתי לקום. נכנסתי פנימה וראיתי את כל ההרס. מעולם לא עלה על דעתי שדבר כזה יקרה לנו. הבית לא ראוי למגורים וכל הרכוש שלנו נהרס. מצאתי את שמלת הכלה של הבת שלי דימא, בת 24, קרועה לגמרי, ועוד בגדים, איפור ובשמים שהיא הכינה לקראת החתונה ונהרסו. איבדנו הכול והחיים שלנו נעשו הרבה יותר קשים.
أحيانا أشعر وكأنّني امرأة مطلّقة أو حتّى أرملة. أنا وحيدة وأحلم بأن نتمكّن، أنا وزوجي من القيام بأشياء معًا، زيارة الأقارب وحتّى التنزّه معًا فقط. أحلم بأن نتمكّن يومًا ما من أن نعيش كلّنا معًا في بيت واحد وأن نجلس على نفس الطاولة في رمضان وفي الأعياد ونقضي الوقت معًا مثل سائر العائلات.
بنتي هيام مصابة بالشلل في رجليها منذ سقوطها عن ارتفاع عالٍ قبل بضع سنوات وأصيب العمود الفقري لديها بأضرار. تلقت العلاجات في مستشفى المقاصد وهناك قالوا لنا إنها بحاجة إلى علاج في إسرائيل أو في خارج البلاد، لكننا غير قادرين على تمويل ذلك. لا تستطيع التحرك ولا تتحكّم باحتياجاتها. إنها بحاجة إلى حفاضات. نحن لا نستطيع أن نشتري لها كرسياً كهربائياً على عجلات، الأمر الذي يقيدها جداً ويصعّب عليها كثيراً في المدرسة أيضاً. يوجعني قلبي أن أراها على هذا الحال لكنني لا أملك أية وسيلة لمساعدتها.
حتى في الفترة بين حرب وأخرى ليس هنالك هدوء في الواقع. لا نكاد نتعافى من الصدمة حتى تحلّ علينا صدمة أخرى. صدمات متلاحقة، الواحدة تتبع الأخرى. لقد فقدت صديقتين حتى الآن. الأولى قُتلت في حرب 2014 والثانية في حرب 2021. أصبتُ باكتئاب حاد إلى درجة أنني كنتُ أتمنى في بعض اللحظات أن يقوموا بقصفنا نحن أيضاً، كي ننتهي من هذا. لقد سئمنا هذه الحياة وأشعر في بعض الأحيان بأنّ الموت أفضل. إنها الحرب ذاتها والخوف ذاته، كل مرة من جديد. تغيرت ملامح غزة نهائيًا، الشوارع، البنايات، لم يعد شيء كمان كان. تبددت كل الذكريات الجميلة.
مشاعر الجزع والقلق والمخاوف التي تصاحبني أثناء الحروب لا تتركني حتى بعد انتهائها. أظلّ في حالة تأهب وقلق بانتظار التصعيد القادم. لا يوجد استقرار ولا ارتياح، لكن علينا الاستمرار في الحياة رغم هول القصف والقتل والدمار. في المنزل ومع الأطفال أحاول تغيير الشعور العام والابتعاد عن الأخبار عبر مشاهدة أشياء أخرى على التلفزيون. أضحك وأمزح وأحاول إخراج الأطفال من أجواء الحروب التي يعيشونها. من الصعب فعل ذلك ولكنني أحاول.
طوال فترة الحرب بقيت داخل غرفة أمي وأبي، واستمر ذلك أيضًا لمدة أربعة أسابيع فيما بعد. شعرت أنه المكان الأكثر أمانًا في المنزل لأنه المكان الوحيد الذي لم تتحطم فيه النوافذ. كنت أطلب من أمي وأبي أن يُحضرا لي الطعام إلى هناك، وحين كنت أريد الذهاب إلى الحمام كنت أطلب منهم التحقق من أنه لا يوجد أي خطر. عندما كنت أخرج من الغرفة كنت أخشى المرور من جانب النوافذ، وكنت أنحني بجسدي حين أقترب منها، لأنني كنت أخشى أن يدخل الرصاص أو القذائف عبرها.
عندما يقصفنا الجيش الإسرائيلي فلا مكان آمنًا لنا في المنزل. لا يوجد لدينا ملاجئ في بيوتنا. وفي الخارج أيضًا لا يوجد أمان. كل من يعيش في القطاع يشكّل هدفًا للجيش الإسرائيلي الذي لا يميّز بين المدنيين والمقاتلين أبدًا. يقصفون بشكل عشوائي وأشعر دومًا أن دوري قادم، وأنهم سوف يقصفون منزلنا مجددًا فوق رؤوسنا. حين أستيقظ بسبب القصف في منتصف الليل، أشكر الله على كوننا ما زلنا على قيد الحياة.
السرطان بات منتشرًا في كلّ أنحاء جسمي... أنا بحاجة إلى هذه العلاجات. لديّ الحقّ في تلقّيها ولا أفهم سبب رفضهم طلباتي بشكل متكرّر. لم أفعل أيّ شيء سيّئ. حالتي النفسيّة تتدهور بسبب كثرة الأفكار ولم أعد قادرة على النوم في الليل... أدعو الله أن أحظى بتلقّي العلاج.
م منه. المكان الذي تضرّر أكثر شيء في المنزل هو غرفتي والتي كان فيها جميع ملابسنا. البيت الذي نسكن فيه الآن لا يوجد فيه أثاث. ابنتي تبكي كثيرًا وتَسُدُّ أذنيها. كذلك ابن عمّها محمّد، ابن أختي، وعمره سنتان وسبعة أشهر، يتصرّف هو أيضًا بهذه الطريقة. إنّهما يصرخان: "نار، نار".
إنّها جريمة. لم يكن هناك أيّ سبب لتفجير منزلي. نحن مجرّد مواطنين كنّا نائمين في منزلنا. هل دانيا وإيمان هما بنك أهداف الجيش الإسرائيليّ؟ لقد كانتا حياتي. أفتح هاتفي الخلويّ وأنظر إلى صورهما. منذ استشهادهما وأنا لا أستطيع النوم. أذهبُ كلّ يوم إلى المقبرة وأجلس بجانبهما وأتحدّث معهما. أنا غير قادر على استيعاب ذلك.
لم أكنْ مستعدّة لفقْد والديّ في هذه السنّ المبكّرة جدًّا. لستُ مستعدّة أن أعيش في واقع لا يتواجد فيه أبي وأمّي... لا بدّ لي من الصمود وتحمّل المسؤوليّة. أخشى أن يتعرّض إخوتي لحالة نفسيّة قاسية بسبب الصدمة التي مرّوا بها. فجأةً كبرتُ عشرات السنين وأصبحتُ أمًّا وأبًا لإخوتي رغم أنّي لا أزال فتاة صغيرة.
في يوم الأحد الموافق 7.8.22 قرابة الساعة 18:00 حينما كانت العائلة بأكملها جالسة في الساحة انقطعت الكهرباء فجأةً ثمّ حدث انفجار بقوّة يصعب وصفها. قصفت طائرة إسرائيليّة منزلنا. امتلأ كلّ شيء بالدخان واشتعلت النار. تطاير الزجاج والقطع المعدنيّة في كلّ الاتّجاهات. كان ذلك مخيفًا جدًّا، وقد أصبْنا جميعًا بالصدمة.
أنقل البضائع كلّ يوم وأقف على قدمي على البسطة طوال النهار. في الشتاء، في الريح وتحت المطر، يكون الأمر صعبًا للغاية. أتمنّى لو كان لديّ متجر محميّ من عوامل الطقس وتوكتوك [مركبة ثلاثيّة العجلات] ليسهّل عليّ نقل البضائع.
لقد دُمِّر منزلنا بشكل شبه كامل ومن غير الممكن السكن فيه. سنضطرّ إلى إعادة بنائه من جديد لكنّنا لم نتلقَّ أيّ تعويض من أيّ أحد بعد. فور القصف مباشرة اضطررنا إلى الانفصال لأنّه لم يكن لدينا مكان نسكن فيه معًا. تنقّلتُ أنا بين منازل الأصدقاء وانتقل والداي وأخي سمير وأخواتي للسكن لدى خالتنا في رفح. بعد بضعة أسابيع وجدنا مكانًا مؤقّتًا لنسكن فيه كلّنا معًا في بير سالم.
في بعض الأحيان، عندما يكون هناك نقص في الدقيق في الأسواق أو عندما تنقطع الكهرباء مرارًا وتكرارًا في اليوم ذاته، أخاف أن تفشل المصلحة التجاريّة وهذا يجعلني أكتئب كثيرًا. نحن نتابع جدول ساعات تزويد الكهرباء على موقع شركة الكهرباء لكي نخطّط عملنا لكن مع ذلك فإنّ العجين يفسد أحيانًا بسبب انقطاع التيّار الكهربائيّ المتكرّر وهذا محبط للغاية.
أحلم بأنْ أتمكّن من إعطاء أولادي مصروف الجيب عندما يذهبون إلى المدرسة. موسى، ابني الأصغر الذي عمره 5 سنوات، لا يذهب إلى الروضة لأنّنا لا نستطيع دفع الرسوم المدرسيّة. أحلم بشراء ملابس للأطفال في السوق، مثل سائر الأمّهات. كلّنا نرتدي ملابس حصلنا عليها من أصدقاء وجيران. ممتلكاتنا كلّها موجودة في أكياس وكراتين.
في بعض الأحيان يقطعون عنّا التيار الكهربائي. أحلم بتزويد منتظم خلال ساعات النهار على الأقلّ. حتّى في الليل يكون الأمر صعبًا للغاية بدون كهرباء. أولادي الصغار يخافون جدًّا من الظلام وعندما يصابون بالذعر يصرخون كثيرًا. محمّد، الذي لا يستطيع أن يرى إلّا الصور الظلّيّة، يجد صعوبة خصوصًا في الظلام. للأسف، لا أستطيع شراء مولّد كهربائي.
أحيانًا أقف على الشاطئ، أنظر إلى البحر الرائع وأحلم أحلامًا كبيرة. أحلم بأن نعيش حياة طبيعيّة، بدون احتلال وبدون هذا اليأس الرهيب.