أصواتٌ من غزّة

مي الشيخ خليل

25 عامًا، من سكّان حي الشجاعية، تعاني من حالة قلق منذ هروبها من منزلها من رعب التفجيرات عندما كانت بسنّ الحادية عشرة، خلال عملية "الرصاص المصبوب" وتفاقمت حالتها أكثر منذ أن قُصف منزلها عام 2014

الصورة
مي الشيخ خليل. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 11.6.23
مي الشيخ خليل. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم، 11.6.23

في عام 2008 كان عمري أحد عشر عامًا، عندما اندلعت الحرب ("الرصاص المصبوب"). إلى اليوم ما زلت أتذكر كل لحظة. عندما بدأ القصف كنت في المدرسة. سمعنا صوت الانفجارات قريبًا جدًا منا وهرب جميع الأطفال من المدرسة إلى منازلهم. أنا أيضًا هربت أثناء القصف ووصلت إلى المنزل وأنا أرتعد من الخوف. بدا الأمر عشوائيًا بشكل كبير، حيث لم يعرف أحد بالضبط أين سيقصفون ولماذا. كان الأمر مخيفًا جدا. منذ ذلك الحين وأنا أعاني من القلق وأصاب بنوبة هلع في كل مرة أسمع فيها الطائرات الإسرائيلية. مرّ علينا منذ ذلك الحين العديد من الحروب والتصعيدات وفي كل مرة يبدأ ذلك من جديد، لا أقوى حتى على مشاهدة الأخبار، لأن مشاهد الدماء والجثث والمنازل المدمرة توقظ فيّ الكثير من مشاعر القلق. 

في حرب عام 2014 تمّ قصف منزلنا ونحن بداخله. هربنا إلى الخارج وركضنا في الشوارع بينما كانت طائرات الجيش الإسرائيلي تحلق فوق رؤوسنا وتواصل قصفها. تسببت لي المجزرة التي وقعت في حي الشجاعية عام 2014 بصدمة لم أشف منها بالكامل حتى يومنا هذا. لا أقدر على نسيان مشاهد الرعب التي رأيتها عندما هربنا، ويؤتى على ذكر ذلك مرارًا وتكرارًا في محادثاتنا العائلية. مشينا من فوق جثث الشهداء. كان هناك أيضًا الجرحى، ولا أزال أتذكر صراخ النساء والأطفال. كانت تلك الحرب مثل يوم القيامة. ركض الجميع في الشوارع كما ولو أن الموت نفسه هو من يطاردهم. هي ذكريات موجعة. بين الحين والآخر يراودني أملٌ بأن الحروب قد تنتهي لكنها لا تنتهي ولا تتوقف والألم يبقى باستمرار. لا يمكننا الاستكانة ونسيان الحروب لأن هناك دومًا هجومٌ آخر على القطاع في كل عام. في كل مرة أبدأ فيها بالتعافي قليلاً والتغلب على الصدمة تبدأ حرب جديدة فتزداد حالتي سوءًا. 

عندما يقصفنا الجيش الإسرائيلي فلا مكان آمنًا لنا في المنزل. لا يوجد لدينا ملاجئ في بيوتنا. وفي الخارج أيضًا لا يوجد أمان. كل من يعيش في القطاع يشكّل هدفًا للجيش الإسرائيلي الذي لا يميّز بين المدنيين والمقاتلين أبدًا. يقصفون بشكل عشوائي وأشعر دومًا أن دوري قادم، وأنهم سوف يقصفون منزلنا مجددًا فوق رؤوسنا. حين أستيقظ بسبب القصف في منتصف الليل، أشكر الله على كوننا ما زلنا على قيد الحياة. 

خضعت لضروب من العلاج للتغلب على القلق وعلى حالتي النفسية الصعبة لكنهالم تساعدني. 

في عام 2021 عندما قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية القطاع مرة أخرى قصفوا منزلاً يقع أمام منزلنا مباشرة، على بعد أمتار قليلة. كانت شدة القصف كبيرة لدرجة أنني شعرت أن المنزل سينهار علينا. كانت أصعب ليلة تمرّ علينا. لا يمكنني وصف الخوف والرعب اللّذين عشناهما. ركضنا جميعنا في الظلام إلى الشّارع، حفاةً بملابس النّوم، بلا أن نعرف إلى أيّ وجهة كنا نركض. استمرّت الطائرات في قصف كل الشوارع وشعرت أنني على وشك أن أفقد عائلتي. حاولنا العثور على مكان آمن، على الرغم من أنّ لا مكان كذلك في القطاع ومحاولة العثور عليه هي محض وهم. أذكر أنني بدأت بالصراخ عندما لم أعثر على والديّ وإخوتي لأننا جميعنا ركضنا في اتجاهات مختلفة. 

منذ عام 2021 طرأ تدهور آخر في حالتي النفسية. هذا التدهور أدى إلى فقداني شهيتي وإلى اضطرابات في النوم وبعلاقاتي الاجتماعية. بالكاد كنت أستطيع التحدث مع الناس وبتّ أعيش في عزلة. حاولت الذهاب للعلاج النفسي لكنه لم يساعدني. عندما أرى طائرات مقاتلة في السماء أصاب بنوبة هلع رهيبة وأوقن من أن حربًا أخرى ستندلع. يا الله ما أصعب هذا الأمر. متى ستنتهي هذه المعاناة؟ متى سينتهي هذا الكابوس الذي يعود على نفسه كل عام؟ طالما ستستمر هذه الحروب وتحلق طائرات الاحتلال فوق رؤوسنا فلن نتمكن من التّشافي من نوبات الهلع. يطاردوننا مثل الأشباح. 

في عام 2022 وقع عدوان آخر من قبل الجيش الإسرائيلي والقصف طال كل مكان في القطاع، ثم تكرر مرة أخرى في أيار 2023. هذه المرة كانت والدتي في مصر أثناء الحرب وكنت متوترة بشكل أكبر لأنني شعرت بالمسؤولية تجاه أبي وإخوتي. كنت أدعو طوال الوقت أن تنتهي الحرب وأن نخرج منها سالمين. بقينا في المنزل جميعنا. كنت أعانق إخوتي ولا أسمح لهم بمغادرة المنزل خوفًا من أن يستشهدوا.  

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 11.6.23.