أصواتٌ من غزّة

 تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>

استيقظتُ لأجد نفسي بين كومة من الحجارة والركام. قبل ذلك، وأنا نائم، حلمتُ بأنّ صاروخًا سقط عليّ وأنا أمشي. في الحلم كان أبي وزوجتي وابني وأختي والكثير من الناس يسيرون أمامي. السماء لم تكن مثل السماء التي نعرفها. أوقفني شخصان يرتديان ملابس بيضاء في الحلم وقالا لي: "أنت لن تذهب معهم". توقّفتُ، وواصلت زوجتي وابني سيرهما. بعد بضعة أمتار توقّفا ولوّحا لي بأيديهما مودِّعين
عندما تمكنت من الخروج من خيمة المطبخ، بدأت أصرخ وأبحث عن أبنائي. رأيت جثث قتلى على الأرض وكانت ساحة المدرسة مليئة بالدماء. وجدت [ابني] نظير سليمًا معافى، لكنني خشيت أن يكون عبد الرحمن [ابني البكر] قد قتل لأنه كان في المنطقة التي قصفت. [...] ركضت مثل المجنونة إلى الشارع وتمكنت من اللحاق بسيارة الإسعاف التي كانت تنقله وركبت معه إلى المستشفى [...] في المستشفى، قرر الأطباء بتر ساق عبد الرحمن اليسرى من تحت الركبة [...]. 
كان والدي وأخي زيد (18 عامًا) في خيمة في ساحة المدرسة ينتظران وجبة الغداء عندما قصف الجيش الإسرائيلي المدرسة، فجأة. [...] نزلنا جميعًا إلى الساحة وبدأنا نبحث بجنون عن والدي وزيد بين الجثث الممزقة والجرحى، الذين فقد الكثير منهم أطرافهم. [...] عثرت على جثة أخي زيد، الذي أصيب في منطقة البطن. عندما رأيته، أصبت بهستيريا وبدأت بالصراخ. تجولت في الساحة حافية القدمين، على الرغم من أن الأرض كانت ملتهبة من القصف، ولم أكن أعرف ماذا أفعل. رأيت أعمامي، الذين هم أيضًا مهجّرون في المدرسة، يرفعون والدي ملفوفًا ببطانية، فأغمي علي.
أخذت طفلي الرضيع وأمسكت بأطفالي الثلاثة وبدأنا نركض نحو بوابة المدرسة، مع بقية المهجرين. هربنا جميعًا ونجونا. كانت أهوال ذلك اليوم أشبه بمشاهد يوم القيامة. كانت المدرسة موقعًا للخراب - دمار وحجارة وزجاج في كل مكان. في طريقنا للخروج، دسنا جثثًا، بعضها محترقة وأجزاء من الجثث ودسنا على جرحى ينزفون وقد بترت أطرافهم. كان هناك دم وجثث في كل مكان.

"أ. ح." 15 آب/أغسطس 2024

في يوم الخميس الموافق 16.11.23 أعددنا طعام العشاء وجلسنا لنأكل. كان طفلي مُعين نائمًا في الغرفة المجاورة. عندما أنهينا الطعام - أنا وزوجي وابننا عماد وأخت زوجي، إلهام (33 عاماً)، دخلنا جميعاً إلى الغرفة التي ينام فيها مُعين. في تلك اللّحظة لم نسمع أصوات طائرات أو قصف، ولكن فجأة انهار البيت فوق رؤوسنا. [...] في اليوم التالي أخبروني بأنّ طفلي عماد قد استُشهد. بقيت عند طفلي مُعين أربعة أيّام حين كان في العناية المشدّدة. [...] فقدت مُعين في يوم 20.11.23.
أمسكت بيد ابنتي ورفعتها وتوسلت إلى الجيش ألا يدهسنا نحن أيضًا، لكن الدبابة صعدت فوقنا أيضًا وسقطنا على الأرض. رفعت رأسي ويدي وكنت متأكدة أنني أحتضر. لم أستطع سماع محمد، لكنني تمكنت من رؤية أحمد الذي كان ظهره مليئًا بالدماء وزوجي الذي كان ينزف من كل جسده باستثناء وجهه. كانت يده اليسرى مبتورة. قال لي: "رجاء، حبيبتي، سامحيني". أجبته: "أنا أسامحك يا أكرم".
تغطت السماء بالكامل بالغيوم والغبار والتراب. بدأ الناس يركضون في كل الاتجاهات. [...] بدأنا بإنقاذ الجرحى، قدر استطاعتنا. بعضهم بُترت أيديهم والبعض الآخر أرجلهم. كان هناك ما لا يقل عن 100 جريح. بعض الجرحى الذين أنقذناهم ماتوا بين أيدينا. عندما دخلنا لتفقد الخيام التي بقيت في المكان، رأينا أنها مليئة بالجثث، معظمها لنساء وأطفال.
انقضّ الكلب على محمّد وعضّه في صدره. ذُعِر محمّد كثيرًا وبدأ يصرخ على الكلب: "روح! ابعد عنّي! ابعد!". لكنّ الكلب لم يبتعد عنه، بل أمسك به من ذراعه اليسرى، من تحت الكتف. [...] كان محمّد ينزف بشدّة من ذراعه. كان ذلك المشهد صعبًا للغاية ولم نتمكّن من فعل أيّ شيء من أجله. حاولنا أن نصرخ على الجنود بأنّنا مدنيّون، وبأن يُبعدوا الكلب عن محمّد، وبأنّ محمّد يعاني من إعاقة. ولكنهم لم يهتمّوا بنا.
بدا الأمر وكأنّ ملاك الموت بنفسه هو الذي كان يقود الطائرة بدون طيار وكان يريد التأكد شخصيًا من أنه قد تم إيقاع الضحايا كما ينبغي [...] شعرت بأنني في فيلم زومبي. رأيت أذرعًا مقطوعة بجانبي وتعثرت بساق مقطوعة وأعتقد أنني رأيت أيضًا جثة متفحمة لشخص بنصف وجه، أي أن رأسه قد انقسم إلى قسمين وبقيت عين واحدة وأذن واحدة ونصف أنف ونصف فم؛ لكنني لم أعد متأكدًا مما رأيته حقًا في لحظات الرعب الرهيبة تلك [...] كان الموت يلفّ كل شيء هناك. 
كان الأمر أشبه بأحداث يوم القيامة. دوي انفجارات رهيبة وكتل من النار والجحيم تهبط علينا والحجارة والأشجار والرمال تتطاير في كل اتجاه. اختلطت أصوات إطلاق النار من الطائرات بدون طيار مع صرخات المهجرين وكانت هناك جثث ممزقة وأشلاء لحم في كل مكان، جثث لأطفال ونساء ورجال. هربت أنا وإخوتي وجميع الناس من حولنا من هناك بخوف رهيب. أثناء الركض وضعت يدي على رأسي وكأنّ ذلك سيحميني إذا سقط صاروخ آخر [...]
طوال الطريق كانوا يضربوننا ضرباً مبرّحاً بالبنادق، ويدوسون عدّة مواضع في أجسادنا ويشتموننا. كان معهم أيضاً صواعق كهربائيّة هاجمونا بها في كلّ أنحاء الجسم. وصلنا إلى مركز اعتقال. لم أعرف في أيّ مكان هو ولا اسمه. عندما أنزلونا من الشاحنات أوقعوني أرضاً على وجهي. أصبت في الفكّ وأحسست أنّه كُسر، كما انخلع عدد من أسناني.
أطفأوا سجائر في فمي وعلى جسمي، وربطوا بخصيتي لاقطات كانت موصولة بشيء ثقيل. استمرّ الأمر على هذا النحو يومًا كاملًا. تورّمت خصيتاي وكنت أنزف من أذني اليسرى. سُئلت عن قادة حماس وعن أشخاص لا أعرفهم ولم أقابلهم. سألوني أين كنت في يوم 7 تشرين الأوّل، وأجبت أنّني كنت في البيت ولم أخرج منه إلّا لإحضار الطعام لزوجتي. ضربوني. بعد ذلك أعادوني ثانيةً إلى الغرفة المجمّدة بالبرد ذات موسيقى الديسكو الصاخبة، وتركوني هناك عاريًا مرّة أخرى لمدّة يومين
كبّلوا أيدينا وعصبوا أعيننا ثمّ أدخلونا إلى بئر كبيرة وأبقونا فيها ستّ ساعات في الحرّ الشديد. في البداية ظننّا أنّهم سوف يهيلون علينا الرّمال ويدفنوننا أحياء. لكنّهم أخرجونا من البئر وأخذونا إلى مركز اعتقال لا أعرف أين يقع. استغرق السّفر إلى هناك نحو 4 ساعات، وكان الجنود يهينوننا ويشتموننا طوال الطريق.
كان المحقّق يقول ويكرّر "أنت حماس"، "أنت قائد في حماس في شمال قطاع غزة"، و-"لدينا معلومات أنك مؤيّد لحماس". في هذه المرّة استخدموا "الشبح" أثناء التحقيق: ربطوني واقفاً على أطراف أصابعي ويداي ممدودتان إلى أعلى ومشدودتان إلى الخلف، وأبقوني هكذا طيلة ساعتين.
صوّرت أشخاصاً يحملون أولادهم والدم ينزف منهم، شابّاً يحمل نصف جثّة شابّ آخر، نساءً يركضن في الشارع دون وعي وبلا غطاء رأس، أشخاصاً يقعون في الشارع لكثرة النيران والفوضى العارمة. أنا أيضاً وقعت أرضاً، ووقع بقربي شابّان آخران وامرأة. رأيت أطفالاً في الشارع دون عائلاتهم، وطفلاً مستشهداً ولا أحد قربه.
كان قسم الأطفال في المستشفى مليئاً. مرضى سرطان ومرضى يرقان وأمراض أخرى. كانت الممرّات تعجّ بالمرضى والجرحى ومرافقيهم. تعجز الكلمات عن وصف ما كان يجري هناك. طوال فترة علاج نبيل في مستشفيات القطاع لم يتلقّ أيّ علاج كيماويّ.
اتّصل بنا طبيب من مستشفى العودة وأبلغنا بأنّ الجيش الإسرائيليّ أمر جميع الأطبّاء الذين فوق سنّ الأربعين بالخروج إلى ساحة المستشفى بملابسهم الداخليّة فقط. وقال إنّ عمّي عدنان نزل واعتُقل. [...] المعلومات الوحيدة التي كانت لديه هي أنّ عمّي عدنان موجود في سجن عوفر وبأنّه محتجز بموجب قانون المقاتلين غير القانونيّين. بعد ذلك أخبرنا أحد المُطلَق سراحهم من السجن بأنّ عمّي لم يكن في "تسريفيم" [معتقل "سديه تيمان"] بل في مركز اعتقال آخر. ثمّ، وقبل أن يتمّ إعلان ذلك في الأخبار، علم والدي أنّ عمّي عدنان توفّي في السجن.
[شقيقتي] مريم خرجت مريم رافعة في يدها علماً أبيض لكنّها توقّفت وسط الشارع بعد بضع خطوات - لا أعرف ماذا شاهدتْ، ثمّ فرّت في اتّجاهي. في تلك اللّحظة أطلق قنّاص رصاصة أصابتها في ظهرها وخرجت من بطنها. تهاوت مريم ووقعت أرضاً، وكانت تنظر إلينا دون أن تتكلّم أو تتحرّك. قلت لها: "مريم، تعالي! حاولي أن تزحفي لكي نستطيع إخلاءك"، لكنّها لم تستطع ذلك. ثمّ أطلقوا عليها أربع رصاصات أخرى. فارقت مريم الحياة أمام أعيننا.
في السّاحة أجبرونا أن نسجد وأيدينا ما زالت مكبّلة وأعيننا معصوبة. بقينا هكذا نحو ساعتين. كان الجنود يضربون كلّ أسير يأتي بأيّة حركة. سألني أحد الجنود عن مهنتي وعندما قلت له إنّني طبيب جرّاح في المستشفى الإندونيسيّ انقضّ عليّ وركلني عدّة ركلات قويّة جدًّا.
في أحد الأيّام أثناء الحصار على المستشفى كان خالي أمير وأولاده يجلسون بجانبنا. وكان ابنه كريم (3 سنوات) يجلس في حضنه عندما أصابته فجأة رصاصة في رأسه. أخذ ينزف، لكن لم يكن هناك أيّ طاقم طبّيّ. احتضنته والدته وضمّدنا رأسه بقطعة شاش ثمّ أخذه والده سيرًا على الأقدام، رغم الخطر القائم في الخارج، إلى عيادة الفاخورة التابعة للأونروا. في العيادة أخبروه بأنّ حالة كريم حرجة للغاية وبأنّ عليه أن ينقله إلى المستشفى المعمدانيّ في غزّة. لم يتمكّن من أخذه إلى المستشفى، وفي الساعة 18:00 توفّي كريم.
أنا في منتصف صلاة العشاء عندما سمعنا فجأةً انفجارًا قويًّا جدًّا. كلّ شيء أصبح مظلمًا، والغرفة امتلأت بالدخان وانهارت علينا. أصِبتُ في ظهري، وأصيبت ابنتي سلمى بجروح بالغة في رِجلها اليسرى، ودُفن ابني أحمد تحت الأنقاض. حضر سكّان من الحيّ وتمكّنوا من انتشالنا جميعًا وإخلائنا إلى مستشفى ش
في لحظة ما قالت ابنتي أفنان: "أبي، أين أبي!؟ لم يستيقظ!". سلّطت مصباح هاتفي على زوجي فوجدته مصاباً بشظايا في رأسه ويحتضر. أصيبت أيضاً ابنتي شيماء في رأسها وكانت في شبه غيبوبة. سلفتي إيمان (45 عاماً) كانت تصرخ "رجلي! رجلي!" وعندما حاولت أن أساعدها أطلقت نحونا قذيفة أخرى من دبّابة وقتلت بناتي الثلاث، أفنان وضُحى وشيماء وابني محمود، وابن أخي واسمه أيضاً محمود (19 عاماً)
في 16.11.23، قرابة الساعة 2:00 ليلًا، استيقظتُ وسمعتُ زوجي يصرخ ويناديني. سمعتُه يقول إنّهم قصفوا المحطّة. كنتُ مصدومة لأنّني لم أسمع القصف. كلّ ما رأيته حولي هو النار والغبار. سمعتُ أصوات ناس لكنّي لم أرهم. لم أستطع المشي فحملوني وأخذوني إلى سيّارة الإسعاف. عندما كنتُ في سيّارة الإسعاف أبلغني المسعفون بأنّ أولادي بخير باستثناء ملَك. قالوا لي إنّها قُتلت، فبكيتُ وصرختُ. نقلونا إلى مستشفى شهداء الأقصى. في الطريق حاولتُ الاستفسار عمَّن بقي على قيد الحياة وعمَّن مات. كان هناك 13 قتيلًا إضافة إلى مصابين كثيرين.
حتّى الحرب كنتُ أسكن أنا وزوجي وأولادنا التسعة في حيّ تل الزعتر في مخيّم جباليا للّاجئين. لكن منذ 7 تشرين الأوّل أصبح المخيّم ساحة معركة. في كلّ مكان كان هناك قصف وقتلى. قُصفت العائلات في بيوتها، من أطفال وشيوخ ونساء. كما قُصفت مدارس الأونروا التي أصبحت مخيّمات للنازحين. أمرنا الجيش الإسرائيليّ بالانتقال إلى أماكن كان من المفترض بها أن تكون آمنة، ثمّ قصفَها. لم يبقَ أيّ مكان آمن هنا في شمال القطاع.