آية كحيل
3 حزيران/يونيو 2024
(28 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، تحدّثت عن وفاة طفلها (5 سنوات) نتيجة مرض السّرطان، لأنّه نُقل إلى العلاج خارج قطاع غزّة بتأخير عقب احتلال معبر رفح
قبل الحرب، كنت أقيم في حيّ تل الهوى في مدينة غزّة مع أسرتي: زوجي بلال جواد كحيل (30 عاماً) وطفلانا نبيل (5 سنوات) وسالي (سنة ونصف). كانت شقتنا في بناية مؤلّفة من 6 طوابق، يقيم فيها أيضاً حماتي وإخوة زوجي كلّ مع أسرته.
في الأيّام الأولى من الحرب بقينا في المنزل، لكن في 10.10.23 أمر الجيش الإسرائيلي جميع السكّان بإخلاء المنطقة. خفنا أن نخرج لأنّ الوضع كان مخيفاً جدّاً وكان القصف يحيط بنا. كان ذلك من أكثر الأيّام إرعاباً في حياتي.
رغم ذلك خرجنا وذهبنا إلى منزل سلفتي، وهي تقيم ليس بعيداً عنّا ولكن في طابق أرضيّ، لأنّنا شعرنا بأنّ ذلك أكثر أماناً. عندما وصلنا كان في منزلها عدد كبير من الناس - سويّة معنا كان هناك نحو خمسين شخصاً. ظلّ القصف من حولنا مستمرّاً وبشكل مكثّف. هاتفنا الصّليب الأحمر فاقترحوا علينا أن نذهب إلى مستشفى القدس، في حيّنا نفسه. انتقلنا إلى هناك، ولكن في صباح اليوم التالي أمر الجيش الجميع بإخلاء المكان. ذهبت مع زوجي وطفلينا إلى منزل والديّ في حيّ الدّرج، في شرق مدينة غزّة، وذهبت عائلة زوجي إلى منزل أقارب لهُم في شارع الوحدة في مدينة غزّة، قرب مستشفى الشفاء.
بقيت مع طفليّ في منزل والديّ، وقد مضت علينا هناك فترة صعبة ومخيفة. إضافة إلى ذلك أصيب طفلاي بالتهاب شديد في الأمعاء وحالات إسهال. لم يكن معنا ملابس تكفينا فقرّرتُ الذهاب إلى منزلنا لكي أجلب لهُما ملابس. عندما وصلت صُدمت - كانت البناية كلّها، 6 طوابق، على الأرض. مجرّد كومة أنقاض. عدت إلى منزل والديّ بلا شيء.
في 6.11.24، عندما كنّا في منزل والديّ اتّصلت بي حماتي، وهي أرملة، وقالت إنّهم خائفون لأنّ الوضع عندهم صعب جدّاً. ثمّ جاءت إلى منزل والديّ مع بناتها وآخرين من أقارب زوجي. مكثوا ليلة واحدة ثمّ عادوا إلى شارع الوحدة. لكنّ حماتي اتّصلت مرّة أخرى وقالت إنّها تشعر بأنّها ليست بخير فذهب زوجي وأتى بها وبقيت معنا في منزل والديّ.
في ساعات الصّباح الباكر من اليوم التالي، 8.11.23، قصفوا المنزل الذي كانت فيه سلفاتي وبقيّة أفراد عائلة زوجي. استُشهد 25 شخصاً، بضمنهم سلفاتي. عند السّاعة 7:00 صباحاً ذهب زوجي إلى هناك لكي يشارك مع آخرين في انتشال الجثث من تحت الأنقاض. كان مصدوماً. بعد ذلك أخليت جثث الشهداء إلى مستشفى الشفاء ومن هناك إلى مقبرة في شرق مدينة غزّة.
عندما اشتدّ القصف على مدينة غزّة قرّرنا النزوح جنوباً - أنا وزوجي وطفلانا وحماتي ووالداي وأختي وزوجها. ذهبنا سيراً على الأقدام واجتزنا حاجز "نتسريم" ونحن نُمسك بطاقات هويّاتنا وأيدينا مرفوعة إلى أعلى.
وصلنا إلى رفح وذهبنا إلى منزل ابنة عمّتي في حيّ البرازيل. مكثنا عندها طوال شهر ونصف، ثمّ غادرنا جميعاً ما عدا والديّ. نصبت أختي وزوجها خيمة في ساحة منزل أقارب آخرين، بينما نصبنا أنا وزوجي وطفلانا خيمة في حيّ السّلام في رفح. عشنا في ظروف صعبة جدّاً: حرّ شديد، مياه المجاري تفيض قربنا، ذباب، بعوض وقلّة طعام. كنّا نحصل على إغاثة غذائيّة قليلة جدّاً، وكانت تشمل معلّبات وحبوباً. في البداية كنّا نستطيع شراء القمح، عندما يتوفّر، ولكن فيما بعد ارتفعت أسعاره كثيراً.
بعد أن مضى علينا نحو شهر في الخيمة شعرت أنّ حالة طفلي نبيل ليست على ما يُرام. حتى ذلك الحين كان بصحّة جيّدة ولم يشكُ من أيّ شيء. كان يلعب مع أطفال الجيران ومع أخته، وعُموماً كان مزاجُه طيّبًا ويتناول الطعام بشكل اعتيادي. ولكن في تلك الفترة أخذ يستيقظ في اللّيالي وهو يصرُخ. كان يأتي لينام مُلتصقاً بي، وكان يرفض تناول الطعام. كذلك كانت تنتابه حالات إسهال فظننت أنّه أصيب بالتهاب معويّ مرّة أخرى. أخذته لإجراء فحوصات. أعطوه حقنة ضدّ الإسهال، وتوقّف الإسهال فعلاً. لكنّ نبيل لم يُشفَ.
كان يعاني وهناً شديداً ولا يخرج من الخيمة تقريباً. كنت أشجّعه لكي يخرج ويلعب فلا يقبل. كان يشكو من أوجاع في البطن وتنتابه تشنّجات. ثمّ ظهرت بُثور أو حُبيبات كثيرة على جبينه فاعتقدت في البداية أنّها لسعات بعوض، ولكن بعد ذلك تورّمت عيناه. أخذته إلى العيادة التابعة لوكالة الغوث وهناك طلبت الطبيبة أن يُجروا له فحص بول لأنّها ظنّت أنّه رُبّما يعاني من التهاب، لكنّ النتائج جاءت سلبيّة.
بعد ذلك أخذت بطن نبيل تنتفخ، وظهرت على فخذيه بقع مائلة على الأحمر والأزرق. أخذته إلى طبيب في مستشفى أبو يوسف النجّار، وعندما فحصه قال إنّه رُبّما يعاني من تضخّم في الطحال والكبد. انضغطتّ وصرت أبكي فهدّأني الطبيب قائلاً إنّه لا يمكنهم التأكّد من ذلك قبل إجراء فحص دم. أجروا له فحص دم فوجدوا أنّ نسبة الهيموغلوبين لديه منخفضة. قال الطبيب إنّه يجب إجراء فحوصات أخرى، وفي صباح اليوم التالي أخذه زوجي إلى المستشفى فتبيّن أنّه يعاني فعلاً من تضخّم في الطحال والكبد والكليتين.
حوّل الطبيب نبيل إلى طبيب مختصّ. أخذته أختي، لأنّني كنت لا أزال في فترة الحمل ومُتعبة جدّاً. ظنّ الطبيب أنّ نبيل مصاب باللّوكيميا فطلب أن يُجروا له فحوصات دم إضافيّة. في المساء وصلت نتائج الفحوصات وكانت سيّئة. فهمنا أنّه يجب علينا أن نأخذ نبيل إلى المستشفى الأوروبي في شرق رفح.
عندما جئنا بنبيل إلى هناك لم يرغبوا في اعتماد نتائج الفحوصات التي جلبناها معنا وأجروا له فحوصات جديدة. كان ينبغي أن تصدر النتائج خلال 24 ساعة فانتظرنا ونحن في حالة توتّر رهيب. ثمّ جاءت النتائج لتؤكّد أنّ نبيل مصاب باللوكيميا.
رقد نبيل للعلاج في المستشفى الأوروبي وبقيت عنده والدتي. أعدّ له أحد الأطبّاء تحويلة عاجلة للعلاج في مصر، ثمّ قام أحد الصحفيّين بحملة لأجل نبيل ونشر شريط فيديو. في تاريخ 9.5.24 حدّدوا له موعداً للعبور وأدرجوا اسمه في قوائم المرضى المسموح لهُم باجتياز معبر رفح للعلاج في مصر. ولكن في اليوم التالي، 10.5.24، عند السّاعة 8:00 صباحاً، تلقّيت رسالة في هاتفي: "لا تأتوا إلى المعبر. المعبر مُغلق والجيش متواجد هنا". في الوقت نفسه أمر الجيش بإخلاء المستشفى الأوروبيّ فاضطررنا للخروج من هناك.
نزحنا جميعاً من رفح إلى دير البلح، ونقلنا نبيل إلى مستشفى شهداء الأقصى. قال الأطبّاء هناك أنّ وضعه صعب ويجب أن يبقى هناك قيد العلاج. ظننت أنّ المعبر سوف يُفتح خلال يومين. بقينا بجانبه أنا ووالدتي. في تلك الأثناء تدهور وضع نبيل ولم يعد قادراً على المشي، كما أخذ يشكو طوال الوقت من آلام في البطن. وكان جسمه كلّه منتفخاً.
كان قسم الأطفال في المستشفى مليئاً. مرضى سرطان ومرضى يرقان وأمراض أخرى. كانت الممرّات تعجّ بالمرضى والجرحى ومرافقيهم. تعجز الكلمات عن وصف ما كان يجري هناك. طوال فترة علاج نبيل في مستشفيات القطاع لم يتلقّ أيّ علاج كيماويّ. فقط محاليل ومسكّنات أوجاع وكالسيوم ومغنيزيوم. كان يحتاج إلى ثلاث وجبات دم في اليوم، لكن فئة دمه من نوع غير شائع (-A). مرّة أخرى، قام بعض الصحفيّين بحملة تبرّع بالدّم من أجل نبيل.
اتّصل بنا طبيب من المستشفى في مصر، والذي كان يُفترض أن يُعالج فيه نبيل، لكي يسأل عن وضعه. كان يعلم أنّ المستشفيات في قطاع غزّة غير قادرة على مُساعدة نبيل، فما كان سوى أن نأمل بفتح معبر رفح لكي يتمكّن نبيل من السّفر وتلقّي العلاج.
صار نبيل يتناول كميات أقلّ فأقلّ من الطعام. في البداية كان لا يزال يطلب مأكولات يحبّها، مثل الملوخيّة أو الشوكولاتة. ولكن في مرحلة معيّنة صار لا يرغب بأيّ طعام. كان يشرب الماء والعصير فقط. ثمّ فقد التحكّم بخروج البول ولم يعد يستطيع الوُصول إلى المرحاض.
في 28.5.24, عندما كانت والدتي مع نبيل في المستشفى، جاء طبيب بأخبار جيّدة: نبيل سوف يسافر للعلاج في شرقيّ القدس عبر معبر كرم أبو سالم. اتّصلت بنا والدتي فوراً لكي تنقل لنا بُشرى الخبر السارّ.
في اليوم نفسه اتّصلوا بي من مستشفى المطّلع (أوغوستا فيكتوريا) في شرقيّ القدس وطلبوا أن آتي في الثامنة صباحاً مع نبيل وأخته إلى مستشفى شهداء الأقصى، وأن أجلب معي شهادتي ميلاد طفليّ وبطاقة هُويّتي. قالوا لي إنّهم قد استخرجوا تصاريح دُخول وأنّ الصّليب الأحمر رتّب ونسّق كلّ شيء مع الجيش الإسرائيليّ.
في اليوم التالي، 29.5.24، عند السّاعة 8:00 صباحاً وصلنا إلى المستشفى حيث كانت سيّارة إسعاف في انتظارنا. خلال ساعة وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم، وهناك كانت في انتظارنا سيّارة إسعاف تابعة لمستشفى المطّلع.
كان المعبر خالياً سوى من شاحنات مُحمّلة بالبضائع. أخذ الجنود يلعبون مع طفليّ وكأن ليست هنالك حرب في غزّة، وتمنّوا الشفاء لنبيل. أدخلوني إلى غرفة فيها مجنّدة قامت بتفتيشي ثمّ أخذوا عيّنة من مسحوق الحليب الذي كنت أستخدمه لطفلتي.
بعد ذلك انطلقت بنا سيّارة الإسعاف إلى مستشفى المطّلع. وصلنا إلى هناك خلال ساعة ونصف تقريباً، وطوال الطريق كانت تسير وراءنا مركبة تابعة لهيئة الأمم المتحدة. عندما وصلنا كان الجميع في صدمة - كيف تمكّنت أن آتي من قطاع غزّة. أدخلوا نبيل إلى قسم العناية المشدّدة. بكى كثيراً لأنّه أراد أن أبقى إلى جانبه، ولكن في البداية لم يسمحوا لي بالبقاء بجانبه، بسبب ضعف المناعة عنده. بقينا أنا وطفلتي سالي في المستشفى، وقد جلب فاعلو خير ألعاباً لنبيل وسالي، غير أنّ نبيل لم يرغب باللعب. كان متعباً طوال الوقت ومع ذلك لم يستطع أن ينام بتاتاً.
أجرى له الأطبّاء فحوصات فوجدوا لديه جراثيم. أجروا فحوصات إضافيّة لكي يعرفوا أيّ علاج يمكن تقديمه له، وكذلك أعطوه أدوية لتخفّف أوجاعه وتساعده على النوم، ولكن هذا أيضاً لم يُجدِ نفعاً. منذ لحظة وُصولنا إلى المستشفى وحتى وفاته لم يغفُ نبيل مُطلقاً.
في يوم الجمعة الموافق 31.5.24 كان وجه نبيل شاحباً جدّاً فأعطوه أكسجين. في ساعات الظهيرة كنت واقفة بجانبه فطلب منّي أن أقترب منه. فجأة انتابته تشنّجات وأخذ جسمه ينتفض ويهتزّ، وهو يُمسك بيدي، وكنت أسمع صوت أسنانه تصطكّ. عندما أفلت يدي وقعتُ. أخذتُ أصرخ وأبكي وألطم وجهي. قالوا لي "لا تخافي، ربّما هذه نوبة تشنّجات". جاء أيضاً مدير المستشفى. كان نبيل يحتضر. حاولوا إجراء إنعاش له فعاد قلبه لينبض مجدّداً لبضع ثوانٍ فقط ثمّ توقّف مرة أخرى. لم يستطيعوا إنقاذه وفارق الحياة.
بعد وفاة نبيل غسلوه ونادوني لكي أودّعه. كان ذلك اليوم أصعب من أن يُحتمَل. نقلوه إلى برّاد في غرفة الموتى وقالوا إنّهم سوف يدفنونه في رام الله. لم أستطع مرافقته إلى المقبرة لأنّ التصريح الذي أحمله لا يسمح بخروجي من نطاق المستشفى.
دفنوا نبيل في رام الله وقد شيّعه قريب لنا يقيم هناك، ثمّ صوّر قبره وأرسل لي الصّورة.
في تلك الأثناء تبيّن أن طفلتي سالي تعاني من التهاب الكبد الفيروسيّ من نوع A. يبدو أنّ العدوى أصابتها ونحن في القطاع، لأنّ هذا المرض منتشر الآن هناك بكثرة. منذ ذلك الحين نحن هُنا في المستشفى وهي تتلقّى العلاج.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، هاتفيًا، في 3.6.24
تحديث: بعد مضيّ نحو شهرين على الإدلاء بإفادتها أنجبت آية كحيل في مستشفى أوغوستا فيكتوريا في القدس، في ولادة مُبكرة، مولوداً خديجاً ولا يزال في قسم الخدّج ولا تزال آية وابنتها الطفلة في المستشفى، بينما يتواجد فيه زوجها وحماتها في دير البلح.