أسمهان محمود التلولي
19 أيار/مايو 2024
(51 عامًا)، أرملة وأمّ لتسعة، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تتحدّث عن فقدان ثلاثة من أفراد عائلتها وعن ابنها المفقود وعن الوضع العصيب في المخيّم
فقدتُ زوجي نافذ التلولي (59 عامًا) وابنتي مريم (25 عامًا) في الحرب. وابني نمر (26 عامًا)، متزوّج وأب لثلاثة، مفقود. لا أعرف ماذا حلّ به، كما فقدتُ الاتّصال بزوجته وأولاده. قُتلت أيضًا زوجة زوجي الثانية، سهاد. أسكن الآن لدى أقاربي في مدينة غزّة مع أولادي الآخرين: أحلام (33 عامًا) ومحمّد (30 عامًا) وأحمد (28 عامًا) وريم (22 عامًا) وعائشة (20 عامًا) ومنّة الله (16 عامًا) ومحمود (13 عامًا).
حتّى الحرب كنتُ أسكن أنا وزوجي وأولادنا التسعة في حيّ تل الزعتر في مخيّم جباليا للّاجئين. لكن منذ 7 تشرين الأوّل أصبح المخيّم ساحة معركة. في كلّ مكان كان هناك قصف وقتلى. قُصفت العائلات في بيوتها، من أطفال وشيوخ ونساء. كما قُصفت مدارس الأونروا التي أصبحت مخيّمات للنازحين. أمرنا الجيش الإسرائيليّ بالانتقال إلى أماكن كان من المفترض بها أن تكون آمنة، ثمّ قصفَها. لم يبقَ أيّ مكان آمن هنا في شمال القطاع.
مع بداية الحرب نزحتُ أنا وأولادي إلى مدرسة أبو زيتون شرقيّ المخيّم سويّةً مع زوجة زوجي الثانية، سهاد، وأولادها: جونين (21 عامًا)، آمنة (20 عامًا)، فداء (17 عامًا)، يوسف (16 عامًا) وريماس (12 عامًا). قرّر زوجي، وهو مبتور الساق ويعاني من مرض السكّري ومن تليُّف الكبد، البقاء في المنزل لعدم قدرته على تدبُّر شؤونه في الازدحام الذي كان في المدرسة ولعدم وجود مراحيض مُلاءَمة لاحتياجات المعاقين. لكنّه أصرّ على أن نذهب نحن لأنّه كان يعتقد أنّنا سنكون أكثر أمانًا في المدرسة. أنا لم أرغب في الانتقال جنوبًا لأنّه لا يوجد أيّ مكان آمن هناك أيضًا.
في يوم 5.12.23 عدتُ مع سهاد وبناتها إلى المنزل لزيارة زوجي ولخَبْز الخُبز. كنّا قلقين على زوجي، ولذا حتى عندما أخبرنا بعض الشباب في الشارع بأنّ هناك قنّاصًا في المنطقة وبأنّه لا ينبغي لنا المضيّ قدمًا، قرّرنا نحن الاستمرار نحو المنزل.
تمكّنا من الوصول، زرنا زوجي، خَبزنا أرغفة الخُبز وغادرنا عائدين. في أحد الشوارع واجهنا إطلاق نار. تطايرت الشظايا فوق رؤوسنا. اختبأتُ أنا وطلبتُ من سهاد أن تبقى معي، لكنّ بناتها كنّ قد عبرن الشارع وأرادت هي الذهاب إليهنّ. تقدّمتْ إلى الأمام وفجأةً رأيتُها تسقط أرضًا على وجهها. استمرّ إطلاق النار فلم أتمكّن من الوصول إليها. قامت ابنتها بجرِّها، ثمّ جاء شباب كانوا في المكان وحاولوا تقديم الإسعاف الأوّليّ لها. سلكتُ طريقًا التفافيًّا للوصول إليها، لكنْ عندما وصلتُ كانوا قد نقلوها إلى مستشفى "اليمن السعيد" في مخيّم جباليا للّاجئين.
سافرتُ إلى المستشفى، وعندما وصلتُ كانت حالتها خطيرة. نقلوها من هناك إلى عيادة الأونروا، لكنّها حين وصلتْ إلى هناك كانت قد فارقت الحياة. دفنّاها بجوار العيادة، في مركز شرطة جباليا. لم نتمكّن من دفنها في المقبرة لأنّ الوضع هناك خطير.
عدتُ مع بناتها إلى المدرسة وبقينا هناك. كان الوضع في المدرسة صعبًا جدًّا. عمَّ الجوع، ولم يعد الهلال الأحمر يقدّم أيّ خدمات تقريبًا.
في 15.12.23 أمر الجيش جميع سكّان تل الزعتر بالنزوح. كان زوجي هناك وحده في المنزل. لم يكن قادرًا على الوصول إلى شارع صلاح الدين للسفر جنوبًا كما أمر الجيش. ولهذا، قرّر أن يأتي إلينا إلى المدرسة. خرج في اتّجاهنا، وذهبتُ أنا وأولادي للبحث عنه، لكنّنا لم نجده. وفي اليوم التالي خرجنا للبحث عنه مرّة أخرى، ولحسرتي وجدنا جثّته على الأرض والكرسيّ فوقه. كان ذلك مشهدًا قاسيًا جدًّا. هكذا أكون قد فقدتُ زوجي أيضًا. دفنّاه بجوار المدرسة التي كنّا قد لجأنا إليها.
بعد مقتل زوجي قرّر أبناء سهاد النزوح إلى الجنوب. الآن باتوا وحدهم في دير البلح بعد أن فقدوا كلا والديهم. أنا على اتّصال ببناتها، وهنّ يبكين طوال الوقت. بقيتُ أنا وأولادي في المدرسة.
عندما انسحب الجيش من منطقة تل الزعتر في المخيّم ذهبتُ لتفقّد منزلي. أصبح المخيّم بأكمله منطقة أشباح. رأيتُ جثث جيراني ملقاة في الشارع وكان من الصعب التعرّف عليها. في كلّ الشوارع جثث ملقاة، وهناك المزيد من الجثث المدفونة تحت الركام ولا تتوفّر المعدّات لانتشالها.
أخذ الوضع في شمال القطاع يزداد سوءًا. لم يعد الصليب الأحمر موجودًا هنا ولم يعد الجرحى يتلقّون العلاج.
بسبب الحصار، واجهنا صعوبة كبيرة في الحصول على الدقيق أو السلع الأخرى. ببساطة لم يكن هناك شيء نأكله. ابني نمر، الذي كان معنا هو وزوجته وأطفاله الثلاثة، جوليا وجوري والياس، كان يخرج بين الحين والآخر ويحاول أن يحضر لنا طعامًا، لكنّه كان لا يكاد يجد شيئًا.
في بداية شهر آذار ذهب نمر مع ثلاثة شباب آخرين إلى ميدان النابلسيّ، غرب مدينة غزّة، لكي يحضروا لنا الدقيق وبعض المنتجات الغذائيّة الأخرى من قافلة مساعدات كان من المفترض أن تصل إلى هناك. عندما وصلوا إلى الميدان حدث إطلاق نار. منذ ذلك الحين وهو مفقود. منذئذٍ لم أنجح في الوصول إلّا إلى شابّ واحد من الشباب الذين كانوا معه. أصيب هذا الشابّ في رِجله واضطرّ الأطبّاء إلى بترها، واعتقلته إسرائيل أيضًا وأطلِق سراحه منذ ذلك الحين. حالته النفسيّة صعبة جدًّا ولم يتمكّن من إخباري بما جرى لنمر.
لم يتمكّن الصليب الأحمر أيضًا من إخباري ما إذا كان نمر حيًّا أو أنّه قُتل هناك. لم أنجح في الحصول على أيّ معلومات موثوقة حول ما حدث له، وما لم أحصل على أدلّة فلن أصدّق أيّ شيء. أحاول استجماع قواي لتحمّل ذلك، لكنّ الأمر صعب جدًّا.
فقدتُ في هذه الحرب كثيرين: زوجي، سهاد، ونمر الذي لا أعرف ماذا حلّ به. لكنّي بقيتُ صامدة بطريقة ما، إلى أن فقدتُ ابنتي مريم أيضًا.
كان ذلك في 15.5.24، في مخيّم النازحين في المدرسة. حاصرت الدبّابات والقنّاصة المدرسة وكان هناك إطلاق نار عند مدخلها. رأينا شابًّا مصابًا هناك. طلب منّا والده مساعدته، وأرادت مريم أن تذهب إليه. طلبتُ منها ألّا تذهب، قلتُ لها إنّ ذلك خطير جدًّا. لكنّ مريم أصرّت وأخذت تتقدّم نحو الشابّ، وعندها أطلق الجنود النار عليها فسقطتْ. ناديتُها أنا وأختها ريم لكنّها لم تردَّ علينا، وجَّهتْ نظرها نحونا فقط وهي على وشك الموت. لم نتمكّن من الاقتراب منها، لأنّه كان لا يزال هناك إطلاق نار. ماتت هناك وحدها.
في ذلك اليوم أمرنا الجيش بمغادرة المدرسة. أخذت جثّة مريم وأردتُ دفنها خلف المدرسة، بجانب والدها، لكنّ الجنود لم يسمحوا لي بدفنها. أمرونا بالتوجّه غربًا وطلبوا أن نترك الجثّة وهم سيقومون بدفنها. اضطررنا أن نتركها هناك ونغادر مرّة أخرى. تركتُها وأنا أبكي. تركتُها هناك في الشارع ولا أعرف إن دفنوها أم تركوها فريسة للكلاب. بعد مغادرتنا أحرق الجنود المدرسة.
لم نستطع أخذ أيّ شيء معنا. غادرنا هكذا. نحن الآن في منزل أحد أقاربنا غرب مدينة غزّة. ذهبتْ زوجة نمر وأطفاله إلى أحد مخيّمات النازحين، قرب مستشفى كمال عدوان، وبعدها فقدتُ الاتّصال بهم ولا أعرف أين هم وما إذا كانوا بخير. لن أستطيع تحمّل أيّ فقدان آخر.
لم يكن لدى كثير من النازحين مكان يذهبون إليه، وهم يتجوّلون في الشوارع. أنا أنتظر بفارغ الصبر انسحاب الجيش من المخيّم حتّى أستطيع العودة إلى هناك، على أمل أن أجد جثّتها وأتمكّن من دفنها.
أنا لا أنام الليالي. أفكّر طوال الوقت في مريم، في نظرتها بعد سقوطها. أتساءل ماذا كانت تريد أن تقول لي ولأختها عندما كنّا واقفتين أمامها ولم نتمكّن من فعل أيّ شيء، لم نتمكّن من الوصول إليها، لمحاولة إنقاذها.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، هاتفيًّا، في 19.5.24.
** في 13.1.25 قُتلت أحلام التلولي، ابنة أسمهان، التي كانت صحفية ومصوِّرة، وذلك جرّاء قصف إسرائيليّ. وكانت أحلام التلولي قد أدلت ببضع إفادات أمام "بتسيلم"، قبل مقتلها.