أصواتٌ من غزّة

علي النويري

(33 عامًا)، طبيب في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح. فقَدَ زوجته (وهي أيضًا طبيبة في المستشفى) وابنه ووالديه وأخاه وزوجة أخيه وابنَيْ أخيه في قصف منزل العائلة في دير البلح في 29.10.23

في صباح 7 تشرين الأوّل 2023 كنتُ في إجازة من عملي كجرّاح عظام في مستشفى شهداء الأقصى. بعد أن سمعنا الانفجارات وشاهدتُ الأخبار أدركتُ أنّ وضعًا صعبًا ينتظرنا. كنتُ أسكن أنا وزوجتي، إيناس الحاج يوسف (29 عامًا)، وهي أيضًا طبيبة وكانت حاملًا في شهرها الخامس، وابننا حسن (3 سنوات) في مبنى مكوّن من ثلاث طبقات مع بقيّة أفراد عائلتي، في دير البلح. في الطابق الأوّل كان يسكن والداي، والدي حسن النويري (59 عامًا) ووالدتي مريم النويري (54 عامًا) وأختي آية (23 عامًا). وفي الطابق الثاني كان يسكن أخي أحمد (30 عامًا)، وهو يعمل ممرّضًا، مع زوجته ميسون (29 عامًا)، وهي طبيبة أسنان، وطفليهما المعتصم بالله (5 سنوات) وحسن (4 سنوات). لديّ أخت أخرى تُدعى آلاء (24 عامًا)، متزوّجة وتسكن مع زوجها وعائلته.

بدأ مستشفى شهداء الأقصى يعمل وفق نظام حالة الطوارئ واستدعوني على الفور للحضور إلى العمل بشكل عاجل. وفي اليوم الثاني من الحرب، عندما كنتُ في المستشفى، بدأ يتوافد الكثير من النازحين والكثير من الجرحى، بأعداد لم يتمكّن المستشفى من استيعابها. وكانت معظم الإصابات كسورًا وأطرافًا مبتورة.

الصورة
علي النويري مع زوجته إيناس الحاج يوسف وابنهما حسن (3 سنوات). الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
علي النويري مع زوجته إيناس الحاج يوسف وابنهما حسن (3 سنوات). الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

عملتُ في المستشفى بالتناوب، يومًا بعد يوم، لكي أكون مع عائلتي أيضًا. اضطررتُ في بعض الأحيان إلى البقاء في المستشفى لعدّة أيّام متتالية بسبب الضغط. توقّفت زوجتي عن العمل في المستشفى بسبب الوضع هناك ولكونها حاملًا، وكذلك لأنّنا لم نرغب في ترك ابننا حسن بمفرده.

في 28.10.23 انقطعت شبكة الاتّصالات في قطاع غزّة. كنتُ في المنزل انتظر قدوم سائق حافلة المستشفى ليأخذني إلى العمل. انتظرتُه في الشارع أكثر من ساعة، ثمّ سافرنا إلى المستشفى وكان ذلك يومًا مجنونًا. عالجت نحو 150 شخصًا وأجريتُ عشر عمليّات جراحيّة. عملتُ حتّى الساعة 4:00 فجرًا ثمّ ذهبتُ للنوم لمدّة ساعتين في غرف استراحة الأطبّاء.

الصورة
مريم النويري، والدة علي. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
مريم النويري، والدة علي. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

عندما استيقظتُ رنّ هاتفي وكنتُ سعيدًا جدًّا بعودة الاتّصالات. في الساعة الثامنة صباحًا اتّصلتُ بزوجتي لأطمئنّ عن أحوالهم. أخبرتُها بأنّني سأعود إلى المنزل بعد قليل وسألتُها إذا كانوا بحاجة إلى أيّ شيء. اشتريتُ بعض السلع وسافرتُ إلى المنزل. وصلتُ في الساعة 10:00 ورأيتُ أنّ زوجتي قد أعدّت الفطور. أكلنا معًا ثمّ أخبرتها عن إحدى الطبيبات التي قُتلت في ذلك اليوم. تلقّت الخبر بشكل قاسٍ جدًّا وأخذت تبكي.

بعد الفطور صلّيتُ صلاة الظهر، وقرابة الساعة 12:00 ذهبتُ لأرتاح قليلًا. استيقظتُ لأجد نفسي بين كومة من الحجارة والركام. قبل ذلك، وأنا نائم، حلمتُ بأنّ صاروخًا سقط عليّ وأنا أمشي. في الحلم كان أبي وزوجتي وابني وأختي والكثير من الناس يسيرون أمامي. السماء لم تكن مثل السماء التي نعرفها. أوقفني شخصان يرتديان ملابس بيضاء في الحلم وقالا لي: "أنت لن تذهب معهم". توقّفتُ، وواصلت زوجتي وابني سيرهما. بعد بضعة أمتار توقّفا ولوّحا لي بأيديهما مودِّعين.

ثمّ استيقظتُ ووجدتُ نفسي وسط الأنقاض، ولم أكن قادرًا على التنفّس أو الحركة. سمعتُ الجيران يقولون: "هل من أحد هنا؟ هل من أحد هنا على قيد الحياة؟" وبدأتُ أصرخ وأقول لهم إنّ ظهري يؤلمني وطلبتُ أن لا يرفعوني. لكنّ الجيران والأقارب رفعوني ووضعوني قرب المنزل. عندها فقط أدركتُ أنّ المنزل تعرّض للقصف ودُمِّر بالكامل، وكان الدخان يتصاعد منه. كان الوقت ظهرًا، لكنّني اعتقدتُ أنّني في الليل بفعل الدخان الأسود الذي أحاط بكلّ شيء.

الصورة
حسن النويري، والد علي. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
حسن النويري، والد علي. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

سألتُ عن ابني وزوجتي وعائلتي، لكن لم يجبني أحد. أدخلوني إلى سيّارة الإسعاف وبقيتُ طوال الوقت أسأل عن ابني وزوجتي. وصلتُ إلى مستشفى العودة في مخيّم النصيرات للاجئين. كان هناك طبيب، هو زميل لي. سألتُه عن عائلتي، فسألني: "كيف حالك أنت؟ إنّهم بخير، لا تقلق". عندما فحصني قلتُ له إنّ ظهري يؤلمني كثيرًا جدًّا. وقلتُ له أيضًا إنّ إحساسي برجلَيّ ضعيف، وأنا لا أستطيع التحرّك من منطقة السرّة إلى الأسفل.

نقلوني إلى مستشفى شهداء الأقصى، وفي الطريق فقدتُ الوعي وأنا في سيّارة الإسعاف. عندما وصلتُ إلى المستشفى سألتُ عن عائلتي، وظلّ الجميع يخبرونني بأنّهم بخير. أجروا لي صور C.T وصور MRI، واتّضح أنّ هناك كسرًا في الفقرة القطنيّة الأولى [في أسفل الظهر]، وضغطًا قويًّا جدًّا على الحبل الشوكيّ. وتطلّب ذلك إجراء عمليّة جراحيّة عاجلة. أخبرني الأطبّاء بأنّني لن أتمكّن من الوقوف على رِجلَيّ مرّة أخرى بسبب خطورة الإصابة، وبأنّ المعدّات اللازمة للعمليّة الجراحيّة غير متوفّرة في مستشفى شهداء الأقصى.

اتّصلوا بمستشفى الشفاء في غزّة، لكن قالوا لهم هناك إنّ لديهم عددًا كبيرًا جدًّا من الجرحى ولن يتمكّنوا من استقبالي. اعتذروا لأنّ لديهم الكثير من الجرحى. اتّصلوا بالمستشفى الأوروبيّ شرق خانيونس، وقالوا إنّ بإمكانهم استقبالي. أخذوني إلى هناك بسيّارة إسعاف وكنتُ طوال الطريق أسأل المرافِق عن عائلتي، فأجابني: "لا أعرف" أو "ربّما كانوا جرحى". ودعوتُ لهم أن يكونوا معافين وسالمين.

عندما وصلنا إلى المستشفى الأوروبي قيّموا حالتي وأدخلوني لإجراء عمليّة جراحيّة طارئة استمرّت من 2 إلى 3 ساعات. قوّموا لي عظامي المكسورة، وخفّفوا الضغط عن عمودي الفقريّ، وأصلحوا الفقرات.

استيقظتُ في اليوم التالي فقط. كان ابن عمّي هناك. كلّما كنتُ أسأله عن عائلتي كان يتهرّب. وفي النهاية، بعد أن ذكرتُهم واحدًا تلو الآخر، اعترف بأنّهم قُتلوا. أمّي وأبي، أخي أحمد وعائلته، زوجتي وابني. فقط أختي آية نجت. جُرحتْ وأصيبت بحروق من الدرجة الثانية والثالثة في وسط جسدها. كنتُ مصدومًا وانفجرتُ في البكاء.

الصورة
شقيق علي وزوجته، أحمد وميسون النويري. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
شقيق علي وزوجته، أحمد وميسون النويري. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

لم يُتَح لي حتّى توديع أفراد عائلتي. قيل لي إنّ جثّة أخي أحمد مقطّعة، وإنّ جثّة والدي عُثِر عليها خارج المبنى تمامًا. وعثروا على زوجتي بثوب الصلاة الخاصّ بها.

رقدتُ في المستشفى الأوروبيّ لمدّة شهر ونصف الشهر، وتلقّيت علاجات طبيعيّة. كانت أختي آية أيضًا ترقد في المستشفى الأوروبيّ، وكانت برفقتها هناك عمّتي هيام (52 عامًا) وأختي آلاء. عانيتُ من التهابات ومضاعفات في الجرح وقالوا إنّني سأضطرّ إلى السفر لتلقي العلاج خارج القطاع.

أعطوني إحالة لتلقّي العلاج في تركيّا وانتظرتُ 43 يومًا للحصول على تصريح للسفر. تلقّيتُ الموافقة في 10.12.23 وفي اليوم التالي غادرتُ مع عمّتي هيام. بتنا ليلة واحدة في مدينة العريش ثمّ توجّهنا من هناك مباشرة إلى المطار ثمّ إلى تركيّا على متن طائرة عسكريّة مليئة بالجرحى ومرافقيهم.

وصلنا إلى مستشفى بيلكنت الحكوميّ في أنقرة. عندما وصلتُ قيّموا حالتي ثمّ حوّلوني إلى مستشفى آخر لإعادة التأهيل ولتلقّي علاجات طبيعيّة. تلقّيتُ العلاج هناك لمدّة ثلاثة أشهر تقريبًا. خرجتُ من هناك على عكّازين مع جهاز مثبّت على رِجلي اليسرى. تحسّنت رِجلي اليمنى كثيرًا وأصبحتُ أمشي عليها بشكل عاديّ تقريبًا، لكنّي لا أستطيع تحريك رِجلي اليسرى من الركبة إلى الأسفل.

الصورة
من اليمين إلى اليسار: حسن علي (3 سنوات)، حسن أحمد (4 سنوات) والمعتصم بالله (5 سنوات). الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
من اليمين إلى اليسار: حسن علي (3 سنوات)، حسن أحمد (4 سنوات) والمعتصم بالله (5 سنوات). الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

أنا الآن في فندق يقيم فيه معظم جرحى غزّة ومرافقوهم. منذ أسبوعين تمّ إيقاف علاجاتي الطبيعيّة وأخبرني الأطبّاء بأنّ رِجلي اليسرى ستبقى على ما هي عليه الآن. مع ذلك، آمل أن تتحسّن رِجلي وأن أتمكّن من المشي عليها. لكنّ الأمل ضئيل حقًّا.

أستطيع أن أتحرّك قليلًا. أقضي معظم وقتي في الفندق. أنا أبحث الآن عن عمل هنا، في مجالي كطبيب عظام، وأحاول التكيّف مع وضعي. أريد أن أعود إلى عملي كطبيب عظام.

في بعض الأحيان أغرق في الاكتئاب. لقد فقدتُ الجميع - والدَيَّ، زوجتي وابني، أخي وعائلته. فقدتُ وظيفتي أيضًا. تدمّرت حياتي. كنتُ أعيش حياة جميلة وسعيدة مع زوجتي. لا أستطيع التعوّد على الحياة بدونها.

عندما حملتْ زوجتي تمنّيتُ أن يكون لدينا بنت. قيل لي إنّه بعد مقتلها حاول الأطبّاء إنقاذ الجنين. كان لدينا بنت بالفعل، لكن بعد أن أخرجوها لم تبق على قيد الحياة سوى ساعة واحدة.

سلبتني إسرائيل كلّ شيء جميل كان لديّ في حياتي. أخذت أغلى مَن لديّ. كنّا عائلة عاديّة. كان أبي رجلًا مسنًّا يعمل مدرّسًا. وكانت أمّي ربّة بيت. نحن جميعًا مدنيّون. لم يكن أحد منّا مسلّحًا أو منتميًا إلى فصائل المقاومة. إسرائيل قتلتنا بدم بارد. لم يتّصل بنا أحد من الجيش ويأمرنا بالإخلاء. لم يتمّ حتّى إطلاق صاروخ تحذيريّ. ما هي الجريمة التي ارتكبناها؟ فقدتُ عائلتي كلّها باستثناء أختيّ آية وآلاء. كلّ شيء مؤلم جدًّا. كان أخي أحمد شخصًا مقرّبًا جدًّا منّي، وقد فقدتُه مع عائلته بأكملها. لم يبقَ منهم أحد.

في بداية شهر آذار خرجت أختي آية أيضًا لتلقّي العلاج في مصر، ورافقتْها أختي آلاء وأخذت معها ابنها الصغير. آية بخير وتخضع لعمليّات في الجراحة التجميلية هناك.

ماذا بقي أن أقول؟ أسأل الله فقط أن يمنحني القوّة لتحمّل شقاء هذا الفقدان الجلل وأن تتعافى أختي آية.

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، في 21.9.24

أسماء القتلى في منزل عائلة علي النويري:

  • زوجة علي، إيناس الحاج يوسف (29 عامًا)، طبيبة في قسم الطوارئ في مستشفى شهداء الأقصى، حامل في الشهر الخامس
  • ابنهما، حسن النويري (3 سنوات)
  • والده، حسن أحمد النويري (59 عامًا)
  • والدته مريم النويري (54 عامًا)
  • أخوه أحمد حسن النويري (30 عامًا)، ممرّض
  • زوجة أحمد، ميسون محمّد النويري (29 عامًا)، طبيبة أسنان
  • ابنهما، المعتصم بالله (5 سنوات)
  • ابنهما، حسن (4 سنوات)