"أ. ح."
15 آب/أغسطس 2024
(30 عامًا)، أم لأربعة، من سكان دير البلح، تحدثت عن فقدان معظم أفراد عائلتها جرّاء القصف وعن المذبحة في مخيم المهجّرين في مدرسة خديجة في تموز 2024، والتي نجت منها مع عائلتها، بأعجوبة:
أنا متزوجة وأم لأربعة أولاد، أعمارهم ثماني وست وأربع سنوات ورضيع يبلغ من العمر ثلاثة أشهر، من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. في بداية الحرب كنت حاملًا في الشهر الثاني. كانت الغارات وعمليات القصف من حولنا طوال الوقت وكنت خائفة جدًا على نفسي وعلى زوجي وأطفالي، وكذلك على والدي وعلى جميع أفراد الأسرة.
في 20.10.23 هدد الجيش الإسرائيلي بقصف المبنى الذي كنا نسكن فيه، لذلك خرجنا جميعًا من المنزل وقضينا الليلة في الشارع. لم يتم قصف المبنى الخاص بنا في النهاية، لكنني كنت خائفة من العودة إلى المنزل. في تلك الليلة قصفت طائرات الجيش الإسرائيلي منزل والديّ فقُتلا، لكنني لم أعرف شيئًا حتى الصباح، لأن زوجي كان خائفًا من إخباري. في الصباح قالت لي حماتي إن الجيش قصف أرضًا زراعية بالقرب من منزل والديّ، وهناك إصابات. ذهبت معي إلى مستشفى شهداء الأقصى وهناك التقيت بأعمامي وأخوالي فصُدمتُ عندما بدأوا يعزونني بوفاة أبي وأمي.
بدأت أصرخ، خاصة بعد أن علمت أن 11 من أفراد عائلتي قتلوا: والدي (58 عامًا) وأمي (52 عامًا) وأخي المتزوج (29 عامًا) وزوجته (25 عامًا) وكانت في شهرها السادس من الحمل، وطفلاهما البالغان (5 و4 سنوات) وكذلك آخرون من إخوتي وأخواتي الذين تتراوح (أعمارهم: 20 و18 و17 و14 عامًا) وابنة أخي (6 سنوات). صرخت وبكيت في ذلك الصباح، وحتى يومنا هذا لا أستوعب أنهم جميعًا قتلوا حقًا، هكذا ببساطة، دون سبب. من عائلتي، بقينا على قيد الحياة أختان وثلاثة إخوة.
في نهاية عام 2023، قصفوا بالقرب من منزلنا فاضطررنا إلى المغادرة. أصبحنا مهجرين في مدرسة السيدة خديجة التي كانت تستخدم كمخيم للمهجرين وكمستشفى ميداني. كانت حياتنا هناك صعبة للغاية. في مخيمات المهجرين لا توجد إمكانية للحفاظ على النظافة لأنه لا توجد مياه كافية ولا مواد تنظيف، وحتى عندما يكون من الممكن الحصول عليها تكون أسعارها باهظة. تعيش عدة عائلات معًا في غرفة واحد. كنا نعيش على الأطعمة المعلبة وعلى الحصص التي وزعتها منظمات الإغاثة على المهجرين في المدرسة.
أصيب اثنان من أطفالي (8 و4 سنوات) بالتهاب الكبد الوبائي أ. لم يتمكنوا من تقديم أي علاج لهما وقالوا لنا فقط أن نعطيهما أطعمة حلوة. لكن كان من الصعب جدًا الحصول على مثل هذه الأطعمة. المدينة بأكملها ملوثة ومليئة بالحشرات. مياه الصرف الصحي تتدفق في الشوارع وكذلك مياه الشرب والطعام ملوثان. أصيب أطفالي بحساسية ومشاكل جلدية وأنا أحاول توفير لهم المراهم لعلاجها.
قضيت فترة حملي بأكملها بعيدًا عن منزلي. في بداية شهر أيار، أنجبت ابني في مستشفى العودة في مخيم النصيرات للاجئين، ومن هناك عدت به إلى مدرسة خديجة، بدلًا من العودة إلى المنزل كما كنت أحلم.
يوم السبت الموافق 27.7.24، كنت أغسل ملابسنا في ساحة المدرسة. جاءني ابني (6 سنوات) وطلب الذهاب لشراء مشروب بارد، لكنني رفضت لأنني كنت أخشى أن يتجول بمفرده. بعد الساعة 11 صباحًا بقليل، سمعت صوتًا قويًا من القصف. تطايرت الحجارة وشظايا المباني والزجاج في كل اتجاه حولي وسمعت صراخ النساء والأطفال. أمسكت بيد ابني وركضت نحو الغرفة حيث كان بقية أطفالي. وجدتهم بصحة جيدة وسالمين، الحمد لله. احتضنت إحدى النساء طفلي الرضيع. أصيبت بحجر في كتفها، ونجا ابني من الإصابة بفضلها وبفضل رحمة الله.
أخذت طفلي الرضيع وأمسكت بأطفالي الثلاثة وبدأنا نركض نحو بوابة المدرسة، مع بقية المهجرين. هربنا جميعًا ونجونا. كانت أهوال ذلك اليوم أشبه بمشاهد يوم القيامة. كانت المدرسة موقعًا للخراب - دمار وحجارة وزجاج في كل مكان. في طريقنا للخروج، دسنا جثثًا، بعضها محترقة وأجزاء من الجثث ودسنا على جرحى ينزفون وقد بترت أطرافهم. كان هناك دم وجثث في كل مكان.
هربنا من هناك وركضنا في الشوارع حتى وصلنا إلى منزل عمتي. وصلنا مذعورين وباكين، لم أصدق أنني تمكنت من إخراج أطفالي أحياء من هذه المجزرة. لا أجد كلمات للتعبير عما مررنا به في ذلك اليوم. منذ المذبحة، لم يتمكن أطفالي من النوم جيدًا. إنهم يبكون ويصرخون طوال الوقت. إنهم يستعيدون ما مروا به ويقولون لي: "لقد دسنا على أجزاء من الجثث وعلى الجثث وعلى الدماء!". أطفالي في حالة نفسية صعبة، من القصف ومن النزوح من مكان إلى آخر ومن المذابح التي رأوها. يرتجف جسد طفلي الرضيع من الخوف في كل مرة يكون هناك قصف أو يُسمَع صوت. كما يشعر بقية أطفالي أيضًا بالرعب الشديد من أي ضوضاء أو صوت عالٍ.
لم نجد بعد مكانًا نقيم فيه. يقيم زوجي مع عائلته في خيمة وأقيم أنا مع الأطفال في منازل الأقارب وأغير المنزل كل أسبوع أو عشرة أيام. لا يوجد مكان آمن للذهاب إليه، فجميع مخيمات المهجرين ممتلئة تمامًا. لا توجد أيضًا مساحة خالية لننصب خيمة فيها. أتجول من منزل إلى آخر. ليس لديّ أسرة تقريبًا، فقد قُتل كثيرون من أفراد عائلتي. أنا أعيش حياة منفصلة. ليس لدي مكان إقامة ثابت. لا يوجد أمن ولا توجد حياة في قطاع غزة. نحن محاطون بالموت.
أنا غير قادرة على تحمل كل ما حدث لي. أعيش في كابوس. كل ما أريده هو أن تنتهي الحرب ونعود للعيش بلا خوف. منذ اندلاع الحرب، لا كهرباء ولا ماء ولا أمن. الأمراض تنتشر في كل مكان. لا يوجد مال لشراء ما نحتاجه. الأسعار في السماء. اللحوم والخضروات والفواكه تباع بأسعار خيالية. لا أستطيع الحصول على حليب وحفاضات لطفلي الرضيع. أنا مدمَّرة نفسيًا. لم تتبق لدي طاقة. ليس لدي سوى القلق والخوف والضغط الخانق في صدري من كثرة القلق على مصير زوجي وأطفالي. أخشى أن أفقد أحدهم. لقد فقدت أعز ما أملك، أمي وأبي وإخوتي وأخواتي. كل ما أتمناه هو اليوم الذي تنتهي فيه الحرب وأصلّي ألا أفقد بعد الآن أي شخص من أحبائي.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 15.8.24