أصواتٌ من غزّة

 تحدث في قطاع غزة كارثة إنسانيّة لم تسبّبها الطبيعة وإنّما كلّها من صُنع الإنسان. هذه نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيل المعلَنة التي تواصل إملاء شكل الحياة اليومية لسكّان القطاع. بوُسع إسرائيل أن تغيّر سياستها وتحسّن جدّيًّا جودة حياة السكّان؛ وبوُسعها أن تواصل تطبيق هذه السياسة القاسية وغير المبرّة، التي تحكم على مليونَي شخص بالفقر المدقع وحياة لا تليق ببشر. في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون، يصف عدد من سكان القطاع ظروف حياتهم، الأحلام التي لن يستطيعوا تحقيقها، المشاكل الطبية التي لا تتوفر لديهم إمكانية لمعالجتها، الانقطاع المتواصل عن أبناء العائلة الواحدة والأصدقاء الذين ظلوا خارج القطاع والضائقة غير المحتملة جرّاء سَجنهم في داخل القطاع، من دون أي أمل في التغيير. لقراءة المزيد >>

لقد تلاشت كلّ أحلامي. استشهدت شقيقتاي وقُصف منزلي. ملابس العُرس ومصاغي الذهبيّ بقيت كلّها تحت الأنقاض. لم يُبق لي الجيش الإسرائيليّ شيئاً. سلب منّي كلّ ما هو جميل في حياتي. كلّنا نعيش الآن في بؤس فظيع. أنا أبكي شقيقتيّ طوال الوقت وأبكي بسبب الوضع وانعدام الأمل.
في 17.11.23 خرجنا من المنزل عند السّاعة 7:30 صباحاً وغادرنا سيراً على الأقدام. في السّاعة 8:30 وصلنا إلى حاجز "نتسريم" وهناك أمرنا الجنود أن نرفع بطاقات هويّاتنا ونسير ببُطء دون أن نلتفت يميناً أو يساراً. من كثرة الناس هناك ربطت أيدي أولادي بكوفيّة لكي لا يضيعوا منّي. المعاملة في الحاجز كانت مُهينة. أجبرنا الجنود على الوقوف طيلة ساعات دون حراك ودون أن يسمحوا لنا بالجلوس. فقط عند السّاعة 13:30 سمحوا لنا بالتحرّك فخرجنا من البوّابة الإلكترونيّة عند مدخل الحاجز العسكريّ.
الاتصال مع والدتي وأخي اللّذين بقيا في مخيّم الشاطئ للّاجئين كان شبه منقطع تماماً لأنّ شبكة الاتصالات كانت بالكاد تعمل. وقد أقلقني ذلك كثيراً جدّاً. تمكّنت من التحدّث مع كليهما هاتفيّاً مرّة واحدة فقط - بعد عشرات المحاولات - وكنت أسمع في الخلفيّة أصوات قصف مخيّم الشاطئ بوضوح، وفعلاً خفت أن يحدث لهما سوء. رجوتُهما أن يخرجا من هناك كيلا يُقتلا هناك. لكنّ والدتي قالت إنّها لا تستطيع المشي وظلّت تكرّر "اللّي كاتبُه ألله بيصير". 
كنت معتقلاً في هذه الظروف مدّة 23 يوماً. كانت تلك من أصعب أيّام حياتي، خاصّة في سجن "عوفر". لقد أشبعونا إهانات وضرباً وصراخاً وشتائم وتوبيخاً، وعانيت الجوع والعطش وقلّة النوم. كنت خائفاً طوال الوقت. خفت على نفسي وعلى عائلتي في غزّة. خفت على زوجتي وأولادنا وعلى إخوتي وعائلاتهم، وخاصّة بعد أن قال لي المحقّق أنّهم قصفوا عائلتي. اعتقدت أنّهم ماتوا جميعاً. كنت في حالة من عدم اليقين كل الوقت وكان ذلك صعباً جدّاً.  
أعمل طبيباً عموميّاً في المستشفى الإندونيسيّ في شمال قطاع غزّة [[… في يوم الأحد، 15.10.23، كنت أبيت في منزلي وفي الصّباح جاءت سيّارة إسعاف لتقلّني إلى المستشفى، لأنّ الوصول إلى هناك بوسيلة أخرى كان محفوفاً بالأخطار. قبل أن أخرج من المنزل دخلت إلى غرفة طفليّ، وكانا لا يزالان نائمين، ونظرت إليهما دون أن أوقظهما. كانت هذه المرّة الأخيرة التي أرى فيها ابني ابن التاسعة وهو حيّ
اتصلت على الفور بصهري أحمد الذي ذهب لشراء شاحن فقال إن القصف قريب جداً لكنه لم يعرف أين بالضبط لأن كل المنطقة كانت ممتلئة بالغبار والدخان. بعد ذلك بدقائق قليلة فهمنا أن البناية التي نختبئ فيها هي التي تعرضت للقصف. ركضنا إلى هناك فوجدنا البيت مدمراً تماماً. كنت مصدوماً. كان المشهد مرعباً. كان هناك الكثير من الناس. حاولنا رفع الأنقاض للبحث عن أشخاص دُفنوا تحتها. نقلنا الأشخاص الذين لم يصابوا إلى مدرسة رابعة العدوية، غربي رفح.   

عامر دبور 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

نحن الآن في مستشفى الشفاء. قبل بضعة أيّام قصف الجيش الإسرائيلي السّاحة وأسفر عن ذلك قتلى وجرحى. لاحقاً أصابوا أيضاً الألواح الشمسيّة خاصّة المستشفى كما أصابوا قسم الجراحة. من حول المستشفى حدث إطلاق نار مكثّف أسفر عن إصابة نازحين. في أعقاب ذلك فرّ قسم من النازحين من المستشفى. جثث الشهداء لم تُدفن. بقيت في السّاحة لأنّه من الخطير الوصول إليها.

بشير رزق 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2023

قبل ثلاثة أيام، قررنا الانتقال إلى مدرسة صلاح الدين في حي الرمال. في المدرسة كان الاكتظاظ شديداً جداً وكان الكثير جداً من الناس، لم يكن هنالك حتى مكان نجلس فيه فجلسنا على الأرض. كان الوضع صعباً جداً. وقفنا في الطوابير للحصول على أي شيء وللدخول إلى الحمامات ولملء الماء أو للحصول على الغذاء. وفي 10.11.23 تعرضت المدرسة للقصف فقررنا الرحيل من هناك. انتقلنا إلى بناية جمعية الشبان المسيحيين. يوجد معنا هنا حوالي مائتي شخص آخرين أيضاً. هنا أيضاً توجد طوابير للحمامات والمراحيض ولا يتوفر ما يكفي من الغذاء والماء.
كانت تسير أمامي سيّارة ميتسوبيشي على بُعد نحو مائة متر أصيبت بقذيفة وانحرفت إلى اليمين. توقّفتُ خلفها ورأيتُ رجلًا يخرج منها. نزلتُ من سيّارتي وركضتُ نحوهم. رأيتُ في داخل السيّارة مصابين، كما رأيتُ رجلًا وامرأة مقتولَين. [...] أوصلتهم إلى مستشفى شهداء الأقصى. في الطريق فقدت المرأة والبنت وعيهما...
المدرسة والساحة ممتلئتان بالناس. يمرض الأطفال هنا لأنّه من المستحيل الحفاظ على النظافة الجسديّة وربّما بسبب رداءة نوعية المياه التي نشتريها هنا. يعاني الكثير من الأشخاص من آلام في المعدة ومن الإسهال.
أحضرنا معنا أربعة قضبان حديديّة غرسناها في الأرض ومددنا عليها بطانيّات. نحن ستّة أفراد هنا، وأخت زوجتي موجودة معنا أيضًا، في خيمة مساحتها نحو ثلاثة أمتار مربّعة. لم يكن لدينا أيّ شيء نفرشه على الأرض فذهبتُ إلى السوق وبالكاد تمكّنتُ من شراء بعض البطانيّات. فرشناها على الأرض ونمنا عليها.
في يوم السبت الموافق 14.10.23 تركنا بيتنا في مدينة غزّة وسافرنا إلى مركز الأونروا في خان يونس. نحن الآن نحو 40 ألف شخص هنا. لا يوجد ركن لا يوجد فيه ناس. البعض موجود في مخازن والبعض الآخر في خيام نصبوها في الساحة. نصبتُ أنا وأفراد عائلتي خيمة من البطانيّات ولكنّها مفتوحة من الجوانب. لا توجد هنا خصوصيّة. 

أبو عوض 23 تشرين الأول/أكتوبر 2023

منذ يوم الجمعة الأخير ونحن موجودون هنا، في مركز الأونروا في خان يونس. أنا أنام في الساحة وزوجتي وبناتي ينمن في إحدى الغرف. بعضنا لديه فرشات والبعض الآخر لديه بطانيّات فقط يضعها على الأرض. هناك الكثير من الناس هنا في الساحة لأنّه لا يوجد مكان للجميع في الغرف. إذا تغيّر الطقس وأصبح الجوّ باردًا وممطرًا، لا أعرف أين سنذهب. 
في رفح خرجتُ في الصباح لشراء خبز. كان هناك بعض المخابز وكان هناك طابور طويل في كلّ منها. انتقلتُ من مخبز إلى مخبز حتّى وجدت أقصر طابور، 80-90 شخصًا. وقفتُ هناك من الساعة العاشرة صباحًا حتّى الساعة الثالثة بعد الظهر حتّى تمكّنتُ من شراء رزمة مكوّنة من 30-40 رغيفًا صغيرًا. عدتُ منهكًا أجرّ قدميّ جرًّا بعد خمس ساعات من الوقوف المرعب في الطابور بينما كنّا نسمع أصوات القصف حولنا. منذ ذلك الحين يتكرّر هذا الأمر كلّ يوم.
تمّ توزيع الطعام والماء علينا لأوّل مرّة بعد نحو ثلاثة أيّام. نحن نقف في طوابير طويلة كلّ يوم للحصول على رغيفين صغيرين ونصف علبة من اللحوم المعلّبة وبعض الماء في اليوم. 
لقد فقدتُ في هذه الحرب، حتى الآن، أكثر من 16 شخصاً من أقاربي ـ أعمام وأبناء أعمام. أنا مصدومة وغير قادرة على البكاء، إطلاقاً. أشعر بأنني مشلولة عاطفياً. أحاول أن أتظاهر بالتماسك أمام أفراد عائلتي، لكن الأمر صعب جداً. ليست لدينا أدنى فكرة متى سينتهي هذا وماذا سيكون مصيرنا. قد تكون هذه أيامنا الأخيرة.  
في اليوم التالي عدتُ إلى الحيّ للتحقّق ممّا حدث لبيتنا. كان من الصعب الوصول بسبب الدمار. الشوارع كانت مسدودة وكان مدخل البناية مسدودًا بالأنقاض. دخلتُ إلى الشقّة ووجدتُ ضررًا بالغًا. وقفتُ هناك لحظة وتملّكني الأسى على البيت الذي كان لنا. لكنّني لم أستطع البقاء طويلًا لأنّني خفتُ أن يكون هناك قصف آخر. التقيتُ بجيراني الذين جاءوا هم أيضًا لرؤية ما حدث لمنزلهم. كان الجميع مصدومين ومفجوعين على الشقق التي تحوّلت إلى أنقاض. وقفنا في الشوارع بين الأنقاض وشممنا رائحة دخان النيران. 
في الحوانيت هناك نقص في المواد الغذائيّة بعد أن وصلت أعداد كبيرة من الناس من شمال قطاع غزّة إلى هنا. لهذا السّبب، ولأنّ الثلاجة لا تعمل ولا يمكن الحفاظ على الطعام، نحن نتناول حاليّاً وجبة واحدة في اليوم.  اليوم، اتّصلنا منذ الصّباح مع مزوّدي المياه لكنّهم قالوا لنا إنّه لا يمكنهم تزويدنا بالمياه نظراً لعدم استطاعتهم تشغيل محطّات التحلية. بعد قليل سوف ينفد لدينا الغاز أيضاً. بقي القليل فقط في حاوية الغاز وهناك ثلاث حاويات فارغة. مزوّد الغاز قال لنا إنّه لا يوجد غاز في الحانوت. أنا لا أعرف ماذا سأفعل إذا نفد الغاز، لأنّ الكهرباء مقطوعة ولن نستطيع أن نطبخ.  
عندما يصبح الجوع غير محتمَل نذهب إلى جيراننا ونطلب منهم طعامًا. إذا تناولنا وجبة إفطار فلا نأكل طيلة اليوم بعد ذلك. عديّ يبقى جائعًا لأنّ مطبخنا فارغ بكلّ بساطة. لا يوجد طعام. أحلم باليوم الذي أستطيع فيه تقديم وجبات عاديّة لأسرتي. أن نتناول وجبتين على الأقلّ في اليوم. نحن أيضًا لا نملك المال لشراء الحفّاظات، لذا فأنا أطلبها من الأصدقاء الذين لديهم.