غادة أبو طبيخ
23 تشرين الثاني/نوفمبر 2023
48 عاماً، أمّ لستّة، تحدّثت في إفادة أدلت بها في 23.11.23 عن فرارها من القصف الإسرائيلي وعن حياتها في مركز إيواء النازحين واستشهاد أمّها وشقيقها
كنت أقيم مع زوجي واثنين من أولادنا الستّة في شقة في الطابق السابع من أبراج الكرامة في شمالي غرب مدينة. في 7.10.23، في السّاعة 22:00 جرى قصف المنطقة بشدّة حيث ملأ الرّمل والغبار المنزل. اختبأنا في غرفة خلفيّة كانت آمنة نسبيّاً لأنّها ليست في الجهة المقابلة للقصف. في ذلك الوقت كان عندنا أبناء سِلفي: عبد (29 عاماً) ومحمد (20 عاماً). وقد اختبأنا جميعاً في تلك الغرفة وبقينا فيها مدّة يومين. في اليوم التالي اشتدّ القصف أكثر في جميع الاتجاهات حول بنايتنا. فهمنا أنه حتى لو اختبأنا في تلك الغرفة فلن نكون آمنين فقرّرنا المغادرة.
أصبحت معتادة، من تجاربي في الحروب السّابقة، على ضرورة ترك منزلنا مؤقتاً والبحث عن ملاذ آمن هرباً من القصف الإسرائيليّ. في 9.10.23 غادرنا المنزل وانتقلنا إلى مخيّم الشاطئ القريب منّا حيث كان يسكن أقارب لنا. ومكثنا لديهم مدّة أسبوع لدى - أنا وزوجي وأولادنا الستّة.
والدتي حياة (أبو لاشين) أبو طبيخ (67 عاماً) وشقيقي إبراهيم أبو طبيخ (42 عاماً) وأولاده السبعة كانوا يسكنون، هم أيضاً، في منطقة الكرامة شمالي غرب غزّة. بعد أسبوع على بدء الحرب انتقلوا هُم أيضاً إلى مخيّم الشاطئ للّاجئين، إلى منزل شقيقتي دعاء (37 عاماً). التقيت بهما مرّتين أثناء مكوثنا في المخيّم.
في مخيّم الشاطئ أيضاً كان الوضع خطيراً جدّاً. كان القصف هناك متواصلاً كل الوقت. وفي مرحلة ما، قصف الإسرائيليّون مسجداً يقع بجوار المكان الذي كنّا فيه. بعد مُداولات كثيرة بيننا، وبعد أن طالب الجيش الإسرائيليّ الجميع بالانتقال جنوباً، إلى الجهة الأخرى من وادي غزّة، قرّرنا أسرتي ووالدتي وأسرة أخي إبراهيم النزوح إلى منطقة خان يونس، حيث كانت تُعتبر آنذاك آمنة نسبيّاً.
في نهاية المطاف تراجع كلّ من والدتي وأخي عن قرارهما. لم نجد سيّارة ولم تتوفّر مواصلات عامّة فقال كلاهما أنّهما لا يستطيعان قطع كلّ هذه المسافة سيراً على الأقدام. حاولت إقناعهما بأنّ الوضع بات خطيراً جدَاً وأنّ أهالي مخيّم الشاطئ يخافون الآن على حياتهم والجميع مُجبرون على الرّحيل. لكنّهما لم يوافقا.
في 15.10.23 خرجت مع زوجي وأولادنا من مخيّم الشاطئ في الساعة 9:00 صباحاً. كانت خطتنا أن نصل إلى شارع صلاح الدين ونتابع من هناك إلى خان يونس. عندما وصلنا إلى دوّار عسقولة، بعد 4 ساعات من المشي، جلسنا لنستريح. لحسن حظّنا وجدنا سيّارة تقلّنا بقيّة الطريق. عند السّاعة 16:00 وصلنا إلى مركز إيواء النازحين الذي يقع قرب مدرسة تابعة لوكالة الغوث في خان يونس. كان هناك آلاف الأشخاص مكتظّين في مساحة ضيّقة. صدمتني أعداد النازحين ولم أدرِ ماذا أفعل.
أخذنا نبحث عن زاوية نستقرّ فيها حتى وجدنا مصطبة باطون قرب درج. أحضر لنا شخص ما عدداً من البطّانيّات من داخل مركز "الأونروا" في المدرسة. لكن عندئذٍ جاء أحد المسؤولين وقال لزوجي وأبنائي إنّ هذا المكان مخصّص للنساء والأطفال فقط، ووجّههُم إلى موقع آخر مخصّص للرّجال. كان ذلك هو الترتيب بالنسبة للعائلات التي لا تملك خياماً خاصّة للمكوث فيها. بات زوجي والأبناء طيلة أيّام ثلاثة على الأرض، بدون فرشات وبطّانيّات، ثم جاء أصدقاء لنا وجلبوا معهم بعض الموادّ لنبني منها خيمة لأسرتنا. كانت خيمة خفيفة جدّاً، تطير مع كلّ نسمة هواء. بعد أن نصبنا الخيمة حصلنا على بطّانيّات لزوجي وأبنائي أيضاً.
كان الوضع داخل مركز إيواء النازحين كارثيّاً. لا ماء يصلح للشرب ولا وسائل نظافة عموميّة أو شخصيّة. كان الجميع يشربون من بئر ماء داخل المركز دون معرفة ما إذا كانت صالحة للشرب أم لا. الدّخول إلى المرحاض يحتاج إلى الوقوف في الطابور من ساعة إلى ساعتين. لم نذق طعم الخبز طيلة أسبوع. الحمد لله أنّ بعض أهل الخير كانوا هناك يوزّعون كراتين فيها معلّبات، ولكن بدون خبز. بعد مضيّ أسبوع جاء إلى مركز الإيواء أشخاص وأعطونا نقوداً لنشتري بها طعاماً. خرجت مع أولادي إلى المخبز. كان هناك طابور طويل جدّاً. بعد أن وقفنا في الطابور مدّة ساعتين قُصف مبنىً يقع خلف المخبز فأخذت أولادي وهربنا من هناك دون أن نشتري الخبز.
كان أولادي مرضى طوال الوقت حيث عانوا من نزلات البرد والتهابات معويّة حادّة بسبب تردّي شروط النظافة الصحيّة. لم تتوفّر أدوية في عيادة مركز الإيواء، سوى مسكّنات للألم فقط. حتى الصيدليّات في الخارج لم تتوفّر فيها أدوية.
الاتصال مع والدتي وأخي اللّذين بقيا في مخيّم الشاطئ للّاجئين كان شبه منقطع تماماً لأنّ شبكة الاتصالات كانت بالكاد تعمل. وقد أقلقني ذلك كثيراً جدّاً. تمكّنت من التحدّث مع كليهما هاتفيّاً مرّة واحدة فقط - بعد عشرات المحاولات - وكنت أسمع في الخلفيّة أصوات قصف مخيّم الشاطئ بوضوح، وفعلاً خفت أن يحدث لهما سوء. رجوتُهما أن يخرجا من هناك كيلا يُقتلا هناك. لكنّ والدتي قالت إنّها لا تستطيع المشي وظلّت تكرّر "اللّي كاتبُه ألله بيصير".
بعد قصف المزيد من المنازل في مخيّم الشاطئ أدرك الاثنان أنّه لا يمكنهما البقاء فانتقلا إلى مدرسة وكالة الغوث، قرب المخيّم، على أمل أنّها أكثر أمناً. ولكنّ القصف اشتدّ في محيط المدرسة أيضاً. وفي 4.11.23 قرّرت والدتي ومعها أخي وأسرته وأختي عائشة (32 عاماً) وزوجها وأولادهما الرّحيل. حشروا أنفسهم جميعاً في سيّارة واحدة أقلّتهم إلى مستشفى الشفاء وهناك وجدوا سيّارات أخرى كانت تنقل النازحين إلى مركز الإيواء هنا في خان يونس.
في اليوم نفسه اتّصل زوجي بعائشة للاطمئنان على سلامة أمّي وأخي إبراهيم. أثناء حديثه، لاحظتُ أن عينيه قد احمرّتا وأن صوته قد اختنق ولم يعد يقوى على الكلام. سألته "ماذا جرى؟!" وأخذت أصرخ "ماذا جرى؟! قلْ لي، ما الذي حدث!". عندئذٍ قال لي بصوت مخنوق: "لقد استُشهد أخوك وأمّك".
شعرتُ بأنّ روحي تغادر جسدي. أصابني ما يشبه الانهيار العصبيّ وفقدت القدرة على الرؤية والتركيز. أخذت أصرخ "يا ألله! لماذا أخذت أمّي وأخيّ؟! لمَ يموتان ويتركاني وحيدة! لقد انكسر ظهري برحيلهما. أنا لا أستطيع العيش بدونهما!".
لاحقاً حدّثتني عائشة أنّه أثناء سفرهم جنوباً وحين كانت السيّارة بين مدينة الزهراء ومخيّم النصيرات للّاجئين أطلقت قذائف نحو الشارع فأصابت شظاياها والدتي وأخي وابنة أخي سجود (16 عاماً) الذين كانوا يجلسون في المقعد الأماميّ بجانب السّائق؛ كما أصابت الشظايا أحمد ابن أخي (15 عاماً) في عنقه، وكان يجلس في المقعد الخلفيّ. والدتي وأخي استُشهدا على الفور وتمّ إخلاؤهما في سيّارة إسعاف. أمّا الجرحى فقد تمّ إخلاؤهم في سيّارات مدنيّة. كانت زوجة أخي قد فقدت أمّها وأربعة من إخوتها في قصف مخيّم الشاطئ، والآن فقدت زوجها أيضاً.
بقيّة أفراد أسرتَيّ شقيقي وشقيقتي عائشة الذين نجوا من القصف تمكّنوا من الوصول إلى دير البلح، إلى منزل شقيقتي غدير (45 عاماً). كانت لي ستّ أخوات وأخ واحد وها قد استُشهد وفقدته. كذلك فقدتُ أمّي التي كانت تخاف علينا كثيراً وتحاول دائماً حمايتنا من أيّ مكروه. لم نتمكّن بالطبع من توديعهما فقد تمّ دفنهما فوراً كما هي العادة مع الشهداء. ولكثرة ضحايا المجازر كان يتمّ دفنهم على الفور دون انتظار حضور جميع أفراد العائلة مراسم الدفن. ليتني استطعت تقبيل أمّي وأخي قبل دفنهما. ليتني استطعتُ احتضانهما!
أحمد ابن أخي (15 عاماً) نُقل للعلاج في مستشفىً في الإمارات العربيّة المتحدة، لأنّ إصابته خطيرة. أمّا ابنة أخي سجود التي كانت تجلس إلى جانب والدها فما زالت ترقد للعلاج في مستشفىً في دير البلح وتعاني من كسور وتهتّك في عظام الذراع.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد
* إفادة ذو الفقار سويرجو حول قصف الشارع والذي قُتلت من جرّائه والدة غادة أبو طبيخ وشقيقها