سامي عوض الله بكر
17 كانون الثاني/يناير 2024
45 عاماً، أب لخمسة، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تحدّث عن استشهاد ابنه وابن شقيقه جرّاء القصف وإصابة أفراد آخرين من الأسرة:
كنت أقيم في مخيّم جباليا للّاجئين - أنا وزوجتي وأولادنا الخمسة: الشهيد أدهم (19 عاماً) وسمير (15 عاماً) وآية (22 عاماً) ورغد (20 عاماً) وزينة (3 سنوات) ووالدتي آمنة (78 عاماً). بدأ القصف في منطقتنا منذ أوّل أيّام الحرب لكنّه لم يكن قريباً ولذلك لم نغادر. كان معنا في المنزل زوجة أخي أمال (60 عاماً) وأولادهما: ذياب (40 عاماً) وحمزة (35 عاماً) وسعاد (28 عاماً).
في 28.10.23 وصل القصف حتى مسافة بضعة أمتار من منزلنا. هُدم حيّ بأكمله وقُتل 25 شخصاً من عدّة عائلات - أبو ناموس، أبو صفيّة، النجّار، سلمان وأبو عايدَه. وقد لحقت بمنزلنا أضرار جزئيّة: تضرّرت جدران ونوافذ وأبواب ولكن لم نغادر لأنّه لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه. بعد مرور أسبوع أو عشرة أيّام اشتدّ القصف فقرّرنا أن نغادر. ذهبت النساء والأطفال إلى منزل أخي في المخيّم إذ كان لا يزال قائماً بأكمله، على الأقل، أمّا نحن الرّجال فقد ذهبنا إلى مستشفى كمال عدوان. ولكن هناك أيضاً اشتدّ القصف وكان في المكان اكتظاظ شديد فقرّرنا العودة. بقينا في المنزل يومين ثمّ انتقلنا إلى منزل شقيقتي سميرة بكر (45 عاماً) ويبعد عن منزلنا نحو 50 متراً. بعد مضيّ يومين عُدنا مجدّداً إلى منزلنا وعادت النساء والأطفال أيضاً.
في 15.11.23، عندما كنت مع ابني سمير في الشارع قُصف منزل مجاور واخترقت بعض الشظايا عينه. أخذته فوراً إلى مستشفى العيون في مدينة غزّة حيث أخرجوا الشظايا من عينه وأوقفوا النزيف. لكنّ نظر سمير في عينه التي أصيبت تضرّر كثيراً. رقد سمير قيد العلاج بضعة أيّام وبقي شقيقه أدهم إلى جانبه، ثمّ حين غادر المستشفى رافقه أدهم وعادا سيراً على الأقدام من المستشفى في حيّ النصر إلى منزلنا في مخيّم جباليا. لم يكن لديه حذاء فمشى حافياً. بعد تسريح سمير من المستشفى كانت تأتي إلى منزلنا ممرّضة من سكّان المخيّم وتغيّر له الضمادات.
في 19.11.23، نحو السّاعة 21:00، استُهدف منزلنا بقصف مدفعيّ ووقعت عليّ جدران الصّالون فيما كنت أتابع نشرة الأخبار. هربت مع كلّ أفراد الأسرة إلى بيت الدّرج وبقينا هناك مدّة ساعة إلى أن توقّف القصف، ثمّ عُدنا إلى المنزل. غير أنّ القصف تجدّد بعد مضيّ بضع دقائق وأصابت قذيفة سقف المنزل. سمعنا صُراخاً من منزل الجيران فذهب أدهم وذياب ابن عمّه لكي يُساعدا هناك. جمعت كلّ من بقي من أفراد الأسرة وانتقلنا إلى منزل جيران لنا يبعدون عنّا مسافة 100 متر تقريباً. استمرّ القصف واشتدّ أكثر فخشيت على أدهم وذياب وخرجت أبحث عنهما، لكنّني أصبت في الطريق بنيران أطلقتها طائرة استطلاع إسرائيليّة. سمعت أدهم وذياب يصرُخان مُستنجدين ولكن لأنّ القصف كان شديداً لم أستطع الوصول إليهما، رغم أنّهما كانا على بُعد نحو خمسة أمتار.
بمشقّة بالغة تمكّنت من العودة إلى المنزل الذي مكثتْ بقيّة أسرتي. عندما دخلتُ بالضّبط سقطت قذيفة عند مدخل المنزل. اختبأنا جميعاً في بيت الدّرج بضع ساعات وطوال ذلك الوقت كانت يدي تنزف.
نحو السّاعة 6:00 صباحاً ذهبتُ سيراً على الأقدام إلى مستشفى كمال عدوان. كان هناك جرحى كثيرون وجثث قتلى فانتظرت عدّة ساعات حتى أسعفوني. كان ينبغي أن أخضع لعمليّة جراحيّة في يدي لأن عصباً انقطع فيها. طيلة ذلك الوقت لم أكن أعرف ماذا جرى لأدهم وذياب، إلى أن جاء صديق لأدهم وأخبرني بأنّهما قُتلا وأنّ جثتيهما عند مدخل المستشفى. خرجت إلى هناك فوراً وصُدمت عندما رأيت الجثتين. في تلك الأثناء علمت أيضاً أنّ ابنتي زينة أصيبت بشظايا في رأسها وأنّها ترقد في قسم العناية المكثّفة في المستشفى نفسه. كذلك أصيبت ابنتاي آية ورغد بشظايا في الرّجلين. وقُتل جرّاء القصف أيضاً جارُنا حسام حويلة (37 عاماً).
جاءت كلّ العائلة إلى المستشفى لكي تُلقي نظرة وداع على أدهم وذياب. كانت تلك لحظات صعبة. أنا وأشقّائي حمّلنا الجثمانين على عربة يجرّها حمار وسرنا لندفنهما في مقبرة الفالوجة، في المخيّم. كان القصف مستمرّاً أثناء دفنهما.
خضعت زينة لعمليّة جراحيّة لإخراج الشظايا واستقرّت حالتها، وعندما كانت ترقد للعلاج بقينا جميعاً في المستشفى. ثمّ قالوا إنّها تحتاج إلى صورة CT وهذه لا يمكن إجراؤها هناك فسعيت لإجراء تنسيق لنقلها بواسطة الصّليب الأحمر. انتقلت زوجتي مع زينة وبقيّة أولادنا جنوباً إلى مستشفى ناصر لمعالجة زينة وآية ورغد وسمير هناك.
بقيت أنا في مستشفى كمال عدوان وبقيت والدتي في منزل شقيقيّ سمير وصابر في مخيّم جباليا للّاجئين. طيلة ذلك الوقت كنت مطّلعاً على وضع بناتي، وفي تلك الأثناء استقرّ وضع زينة.
في 29.11.23 قرّرت الانتقال إلى جنوب قطاع غزّة. انتقلت معي امرأة مسنّة توفّي زوجها في مستشفى كمال عدوان وأرادت الانضمام إلى أسرتها في مخيّم النصيرات للّاجئين.
سافرنا في سيّارة من المستشفى إلى دوّار الكويت. كلّفتني هذه السّفرة 300 ش.ج. في دوّار الكويت صعدنا على عجلة يجرّها حمار أخذتنا إلى حاجز "نتسريم". استمرّت تلك السّفرة نصف ساعة.
عندما وصلنا إلى الحاجز لم أرَ هناك أناساً آخرين. كانت جرّافة تحفر وتعمل في الأرض. ناداني الجنود وسألوني إلى أين أنا ذاهب فأجبتهم. أشاروا إلى الطريق التي ينبغي أن أسلكها فذهبنا أنا والسيدة من هناك سيراً على الأقدام حتى صادفنا سيّارة. سافرت السيدة إلى أقاربها وسافرت أنا إلى خان يونس، إلى المستشفى. هناك التقيت زوجتي والأولاد وفرحت كثيراً لرؤيتهم سالمين.
أنا هنا في خان يونس منذ شهر ونصف، أقيم لدى أصدقاء لي. وما زالت زوجتي والأولاد في المستشفى. الوضع صعب جدّاً. لا يوجد معنا أيّ مبلغ من المال ولا يوجد لدينا طعام. الأسعار جُنونيّة. سمير لا يتلقّى أيّ علاج لعينيه لعدم توفّر الإمكانيّة هنا، وهو لا يُبصر بها الآن. أحاول طوال الوقت أن أجد طريقة لأخرجه إلى مصر ليتلقّى العلاج هناك لعلّهم يُنقذون عينه، ولكن لا أعلم هل سأنجح في ذلك.
* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 17.1.24