أصواتٌ من غزّة

عبد الله حمدان

(35 عاماً)، أب لخمسة، من سكّان بيت حانون، تحدّث عن فقدان ابنته هديل (9 سنوات) عندما غمرت المياه خيمة عائلته في حيّ النصر في غزة:

الصورة
هديل حمدان. صورة قدمتها العائلة مشكورة
هديل حمدان. صورة قدمتها العائلة مشكورة

أنا وزوجتي أنوار (28 عاماً) أنجبنا خمسة أولاد: هديل (9 سنوات)، ماريا (7 سنوات)، حمزة (6 سنوات)، علاء (3 سنوات) وبيان (شهران). وُلدت هديل وهي تعاني متلازمة وراثيّة تحدّ من نموّها الجسديّ والنفسي. حتى اندلاع الحرب، كنّا نقيم في بلدة بيت حانون في شمال قطاع غزة، أمّا اليوم فنسكن في حيّ النصر في غرب مدينة غزة.

في بداية الحرب نزحت مع عائلتي من منزلنا في بيت حانون إلى مخيّم للمهجرين أقيم في مدرسة في منطقة أبراج الشيخ زايد، في بيت لاهيا. في ذلك اليوم خرجنا من البيت تحت النار، حين كانت الطائرات والمدفعيّة تقصف المنطقة. قُصفت منازل في المدينة وانهارت فوق رؤوس ساكنيها. مكثنا في هذه المدرسة مدّة شهرين. كان القصف والدّمار في كلّ مكان وسقط مئات الجرحى والقتلى.

في اليوم الذي بدأت فيه الدبّابات تتقدّم نحو المدرسة التي كنّا فيها، انتقلنا إلى مدرسة أخرى في غرب مدينة غزة تم تحويلها إلى مخيّم للمهجرين. شعرت أنّنا سنكون أكثر أمناً في مدارس وكالة الغوث (الأونروا). ذهبنا سيراً على الأقدام لأنه لم تكن هنالك مُواصلات. تركنا وراءنا ملابسنا والبطّانيّات والطعام وبقيّة المتاع الذي حملناه معنا حين خرجنا من منزلنا. لقد استهدفنا الجيش الإسرائيليّ بالقصف الشديد والرّصاص الحيّ حتى أثناء فرارنا.

الصورة
هديل حمدان في العربة التي نقلها فيها والداها خلال رحلات النزوح. صورة قدمتها العائلة مشكورة
هديل حمدان في العربة التي نقلها فيها والداها خلال رحلات النزوح. صورة قدمتها العائلة مشكورة

عانينا أنا وزوجتي وأولادنا كثيراً في مخيمات المهجرين في المدارس، وخاصّة بسبب الاكتظاظ الشديد، وبسبب انتشار الأمراض. المدارس بُنيت للتعليم وليست مناسبة لاستيعاب أعداد هائلة من المهجرين، والمباني أيضاً ليست مهيّأة لمثل هذا الأمر.

بعد مرور شهرين على نزوحنا إلى غرب مدينة غزّة بدأ التوغّل البرّي في المنطقة فنزحنا مرّة أخرى. في هذه المرّة ذهبنا إلى مخيّم جباليا للّاجئين، وهناك أيضاً عانينا من القصف والقتل من حولنا، من الجوع، النزوح والواقع المأساويّ الذي ساد في شمال قطاع غزّة.

حاولت طوال الوقت أن أحمي زوجتي وأولادي، ولهذا السبب كنّا ننتقل من مكان إلى آخر. في كلّ مرّة كنّا ننزح بدون الفرشات والبطّانيّات وبدون ملابس سوى التي علينا؛ وفي كلّ مرّة كنّا نقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام. وكلّما اشتدّ القصف أو اجتاح الجيش الإسرائيليّ المكان كنّا نضطرّ للفرار مجدّداً. بذلت قُصارى جُهدي لكي أحمي أولادي. لم أسمح لهم أن يتجوّلوا في الشوارع أو أن يخرجوا من نطاق مخيّم المهجرين الذي كنا نقيم فيه.

في بداية العام 2025، عندما أعلن وقف إطلاق النار الأوّل، عُدنا إلى منزلنا في بيت حانون. بعد نحو شهرين، حملت زوجتي. كان وضعنا في المنزل قاسيًا.، لأن البيت قد تعرّض للقصف ودُمّرت أجزاء منه. قمت بترميم إحدى الغرف بقدْر ما استطعت وغطّيت الفتحات بقماش شوادر وقطع نايلون. لكنّ الرّياح اقتلعت الأغطية وتسرّبت مياه الأمطار من خلال الفتحات والشقوق التي في السّقف. كنّا في فصل الشتاء وكان الطقس باردًا ولم تكن لدينا ملابس دافئة أو بطّانيّات كافية. كما أننا لم نشعر بأنّنا آمنون - كنت خائفاً طوال الوقت أن ينهار السّقف علينا. إضافة إلى ذلك، استهدف الجيش الإسرائيليّ بيت حانون بنيران كثيفة دون توقّف. في تلك الفترة، قُتل ثمانية أشخاص داخل خيامهم أو منازلهم، جرّاء إطلاق النار العشوائيّ.

لاحقاً، في آذار 2025، تجددت الحرب ممّا اضطرّنا إلى النزوح إلى غرب مدينة غزّة وسكنّا هناك في خيمة. مشينا على الأقدام من بيت حانون حتى جباليا وكنا نجر هديل في عربة طول الطريق. بعد وصولنا إلى جباليا، صعدنا إلى حافلة أوصلتنا إلى غرب مدينة غزة.

حينذاك بدأت فترة المجاعة وقد واجهت أوضاعاً صعبة للغاية. اضطررت إلى المخاطرة بحياتي والذهاب إلى نقاط توزيع المُساعدات في شمال القطاع، في جنوبه ووسطه فقط لأجلب القليل من الطعام لعائلتي. عرّضت حياتي للخطر لكي أحصّل لهم أقل من القليل. في إحدى المرات أصبتُ في ساقي اليمنى من نيران الجنود. وما زلت حتى اليوم أعاني ومقيّدًا في المشي.

كانت الظروف في مدينة غزة صعبة وقاسية. قصف في كلّ مكان، تفجيرات بواسطة "روبوتات" ومناشير يلقيها الجيش من الجوّ يأمرنا فيها أن نخلي المكان ونغادر إلى جنوب القطاع. في 8.9.25، قرّرت وزوجتي أن ننزح إلى بلدة الزوايدة في وسط قطاع غزة. كانت في الشهر الثامن من حملها، متعبة ومنهكة.

عندما أعلن وقف إطلاق النار في بداية تشرين الأوّل 2025، عُدنا إلى مدينة غزّة. بعد نحو أسبوعين، ولدت زوجتي طفلتنا بيان. فرحنا كثيراً بولادتها وبوقف إطلاق النار وبأنّنا قد اجتزنا الحرب دون إصابة أيّ من أفراد عائلتنا. ولكن كنّا لا نزال خائفين من استئناف الحرب.

أقمت خيمتنا مجدّداً في حيّ النصر، في غرب مدينة غزة. كانت الخيمة قد أصبحت قديمة وبالية. حاولت الحصول على خيمة جديدة لأنّ الشتاء كان على الأبواب وليس لدينا ما يكفي من البطّانيّات والفرشات، لكن دون جدوى. كنّا ننام سبعة أشخاص على ثلاث فرشات ونتغطّى بأربع بطّانيّات، ولم تكن لدينا ملابس دافئة تحمينا من البرد. في الأيّام العاصفة حيث المطر غزير والبرد شديد كنت أظلّ مستيقظاً طوال اللّيل لأحرس الخيمة، خشية أن تقتلعها الرّياح أو تدخل إليها مياه الأمطار. لكنّني لم أستطع أن أواجه الأمطار والرّياح والبرد بنجاح، إذ لم تتوفر لديّ الوسائل المناسبة.

في 11.12.25 شهدت المنطقة عاصفة قويّة. في ذلك اليوم بذلت كلّ جُهدي لكي أمنع دخول المياه إلى الخيمة وساعدتني زوجتي حيث ظلّت مُمسكة بخيمتنا المتهالكة لكي لا تنهدم فوق رؤوس أطفالنا. عندما ذهبنا للنوم في تلك اللّيلة، نامت ابنتي هديل في طرف الخيمة ونام بقيّة الأولاد إلى جانبها، وأنا وزوجتي إلى جانبهم. قُبيل الفجر، عند السّاعة 3:00، هطلت أمطار غزيرة فصحونا أنا وزوجتي بسبب ضجّتها. فجأة دخلت مياه الأمطار إلى الخيمة وأغرقت كلّ شيء - البطّانيّات، الملابس، الفرشات، كلّ شيء. وتبللت هديل كلّها تمامًا.

ركضت نحو هديل وحملتها وراحت زوجتي تحمل أطفالنا الآخرين وتنقلهم إلى خارج الخيمة الغارقة. كان جسد هديل بارداً جدّاً وأزرق، حتى شفتاها كانتا زرقاوين. كان أولادنا الآخرون يرتجفون من البرد ولا يقدرون على المشي، كانت أجسادهم باردة كأنّها كتل من الثلج.

كنت أحمل هديل وأحاول أن أدفئ جسدها وأن أوقظها، لكن دون فائدة. صرخت بكل قوتي "هديل! هديل!" وركضت بها لا أدري إلى أين أذهب. كانت تلك لحظة صعبة للغاية. كنت مصدوماً، أحتضن هديل خائفاً أن تموت من البرد. أخذت زوجتي بقيّة أولادنا إلى خيمة الجيران. استدعى الجيران سيّارة إسعاف لكنّها تأخرت. وعندما وصلت بعد نصف ساعة كانت هديل قد فارقت الحياة.

سافرت مع هديل إلى مستشفى الشفاء وعندما فحصها الأطبّاء وجدوا أنّها بدون نبض. حين أبلغني الأطباء بأنّ هديل قد توفّيت انتابتني الصّدمة. لم أستطع أن أستوعب المأساة التي حلّت بنا ولم أقدر على قول أيّ كلام سوى "إنّا لله وإنّا إليه راجعون". بعد ذلك هاتفت زوجتي وقلت لها إنّ هديل قد فارقت الحياة، لكنّها لم تصدّقني. عندما كرّرت القول "لقد فقدنا هديل" بكت زوجتي بكاءً هستيريّاً.

بقيت عند هديل في المستشفى. وفي الصباح - بعد أن جهّزوها للدّفن، غسلوها ولفّوها بالكفن - حملتها وعُدت إلى زوجتي في خيمة جيراننا في حيّ النصر. ودّعت زوجتي والأولاد وإخوتي هديل بالبكاء والصّراخ. كانت لحظات الوداع صعبة جدّاً. لم أتخيّل يوماً أن أفقد أحداً من أولادي.

بعد دفن هديل عُدت إلى الخيمة كسير القلب. كنت وسط عاصفة من المشاعر - حُزن، خُذلان وقهر شديد. ولكن عوضاً عن أن أجلس حداداً على ابنتي كان عليّ الانشغال بإصلاح خيمتنا. أنا وزوجتي نتحدّث عن هديل طوال الوقت، نتذكّر كيف كانت تلعب معنا ومع إخوتها. الآن ألعاب هديل في الخيمة وهديل في عالم آخر.

ما زالت زوجتي تحت وقع الصّدمة، تبكي طوال اليوم، وأنا أحاول قدْر المُستطاع أن أواسيها وأدعمها. أدعو الله ألا تغرق خيمتنا مرّة أخرى. كلّ ما أتمنّاه هو ألا نفقد ولداً آخر من أولادنا. بعد سنتين من النزوح المتكرّر أصبحت هذه الخيمة غير صالحة للسّكن حتى لو كان الجوّ صافياً ولطيفاً. إنّها بالية وممزّقة ولا تحمينا من أيّ شيء.

أدعو الله أن يصبّرنا على فراق ابنتنا هديل، أن يخلّصنا من عذاباتنا ويضع حدّاً للمآسي التي ما زالت تلمّ بنا منذ بداية الحرب، أن يحفظ لي أولادي وأن يتغمّد ابنتي هديل برحمته.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 17.12.25