أصواتٌ من غزّة

"س. ل."

24 عامًا، من سكان مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة، تحدث عن التعذيب الشديد والاغتصاب والانتهاكات الجنسية التي تعرّض لها خلال اعتقاله لدى إسرائيل لمدة سنة وعشرة أشهر

قبل الحرب التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023، كنت أعيش مع والديّ وخمسة من إخوتي وأخواتي في منزل صغير في مخيم جباليا للاجئين. نحن عائلة فقيرة وكان والدي يعيلنا بصعوبة في ظل الضائقة الاقتصادية والظروف القاسية التي عاشها جميع السكان هنا طوال سنوات عديدة بسبب الحصار. ورغم الصعوبات، كانت حياتنا مليئة بالرضا والمحبة والدفء العائلي. كانت أحلامنا بسيطة: أن نعيش بكرامة وأمان مثل سائر البشر. في منزلنا، كان الضحك يخفف من وطأة كل الصعوبات.

كنت شابًا أحلم بمستقبل أفضل، مثل أي شاب في سنّي. أحببت الجلوس مع أفراد عائلتي وأصدقائي وحاولت مساعدة والديّ قدر استطاعتي. عشنا ببساطة وأمل ولم نكن نعلم أن حياتنا ستتحول، خلال أيام قليلة، إلى كابوس دموي مليء بالقتل والخوف والجوع والإذلال.

منذ بداية الحرب، قصفت الطائرات الحربية منطقتنا بشكل مكثف ومتواصل. ومع ذلك، لم نغادر منزلنا رغم إطلاق النار والقصف. كنا نستيقظ على أصوات الانفجارات وننام على أصوات الصراخ والموت. لم يعد هناك مكان آمن. دُمّرت منازل فوق ساكنيها، وانتُشلت أشلاء من تحت الأنقاض، وكان الأطفال يصرخون من الخوف والجوع. عشنا كل لحظة وكأنها الأخيرة في حياتنا.

أمضينا ساعات طويلة داخل المنزل بلا كهرباء ولا ماء ولا طعام كافٍ. كنا نخشى حتى الاقتراب من النوافذ بسبب شدة القصف. لم تتوقف الطائرات عن التحليق في السماء وكان صوتها يرعبنا باستمرار. كنا خائفين إلى درجة أننا لم نعد نميز بين الليل والنهار. اقترب القصف منا كثيرًا وشعرنا بأن الموت يقترب منا في كل ثانية.

وعندها، دخل الجيش الإسرائيلي إلى شمال غزة وفرض حصارًا كاملًا على مخيم جباليا. في بداية كانون الأول 2023 أصبح الوضع مخيفًا للغاية: حاصرت الدبابات المنطقة وانتشر الجنود في الشوارع واستمر القصف من الطائرات بدون توقف. كنا محاصرين داخل المنزل، غير قادرين على الخروج أو الحركة، وسيطر الخوف علينا بالكامل.

في صباح يوم الخميس الموافق 7.12.23، حوالي الساعة 9:00 صباحًا، طوقت القوات الإسرائيلية بالكامل المنطقة التي كنا نعيش فيها، ولا سيما المنطقة القريبة من مدرسة أبو حسين. فُرض الحصار من جميع الجهات بواسطة الدبابات والطائرات والجنود. بقينا محاصَرين في المنزل ليومين كاملين من دون طعام أو ماء كافيين ودون القدرة على الخروج. كنا ننتظر الموت في كل لحظة. كانت أصوات إطلاق النار تأتي من كل اتجاه واستمر القصف بلا توقف. كانت أمي تبكي طوال الوقت وكان إخوتي وأخواتي في حالة رعب وانهيار نفسي شديد.

بعد يومين من الحصار، دخل الجنود إلى المنطقة في ساعات الصباح الباكر وأمروا جميع السكان بالخروج من منازلهم. عندما خرجنا، دفعوا الناس بعنف وصرخوا في وجوهنا وشتَمونا وأهانونا. فصل الجنود النساء والفتيات والأطفال عن الرجال والشبان. قالوا لنا إن النساء سينقلن إلى مستشفى كمال عدوان، أما نحن ـ الرجال والشبان ـ فأمرونا بالجلوس على الأرض.

بعد ذلك أجبرونا على خلع جميع ملابسنا بصورة مهينة ومذلة وأبقونا بملابس داخلية فقط. ولم يراعوا حتى كبار السن. كان الجنود يصرخون ويشتمون الجميع بألفاظ نابية ومهينة. في تلك اللحظة شعرت أن إنسانيتي تُداس وتُسحق تمامًا أمام الجميع. جلسنا شبه عراة في البرد القارس لساعات طويلة، فيما كان الجنود يوجهون أسلحتهم نحونا ويضحكون ويسخرون منا.

بقينا على الأرض حتى ساعات الظهر، ثم قيد الجنود أيدينا بأصفاد بلاستيكية وشدوها بقوة وعصبوا أعيننا بإحكام، ثم دفعونا وأهانونا أثناء تحميلنا على شاحنات كبيرة. وخلال كل ذلك كان الجنود يضربوننا.

سارت الشاحنات حتى وصلنا إلى منطقة "زيكيم" قرب البحر شمالَ قطاع غزة. أنزلونا من الشاحنات وأجلسونا مجددًا لساعات طويلة على الأرض في برد شديد ونحن شبه عراة ومقيدون ومعصوبو الأعين. كنت أرتجف من البرد والخوف والجوع. مُنعنا من الكلام أو الحركة. كنا نحو 50 شخصًا من أعمار مختلفة، وكل من حاول التحرك أو رفع رأسه كان يتعرض للضرب فورًا.

بعد ذلك حضر ضابط مع عدد كبير من الجنود وبدأوا بتسجيل بياناتنا الشخصية، واحدًا تلو الآخر. سجلوا أسماءنا وأرقام هوياتنا وأرقام هواتفنا، ثم التقطوا لنا صورًا بطريقة مهينة جدًا وقسمونا إلى مجموعات وأعطونا بطانيات خفيفة لم توفر حماية حقيقية من البرد.

ثم أعادوا تحميلنا على شاحنة أخرى ونقلونا إلى منطقة تضم عددًا كبيرًا من الكرفانات العسكرية. علمنا لاحقًا أننا كنا في منشأة احتجاز تُعرف باسم "سديه تيمان".

في "سديه تيمان" بدأت فترة قاسية للغاية من المعاناة والانتهاكات المتواصلة. منذ اللحظة التي وصلنا فيها، بينما كنا لا نزال مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين، بدأ الجنود بضربنا. ثم أجبرونا على ارتداء ملابس رمادية، وأرغمونا على المشي حفاة فوق الحجارة التي سببت لنا ألمًا شديدًا. كان الطقس شديد البرودة وكنت جائعًا ومنهكًا.

أدخلونا لاحقًا إلى مبانٍ بقينا فيها أيامًا طويلة وأيدينا مقيدة وأعيننا معصوبة. مُنعنا من النوم وكان الجنود يعاقبون ويضربون كل من يغفو. كان الطعام قليلًا ورديء الجودة وكان الوصول إلى الماء محدودًا جدًا. ولم يكن يُسمح لنا باستخدام المرحاض إلا نادرًا.

مرت علينا أيام في ذلك المكان شعرنا خلالها بأننا نموت ببطء.

بعد عدة أيام اقتادوني إلى التحقيق وهناك بدأت المرحلة الأشد فظاعة ووحشية من التعذيب والإذلال التي مررت بها في حياتي. عندما دخلت غرفة التحقيق، بدأ الجنود والضباط بالصراخ في وجهي وشتمي وإهانتي بألفاظ نابية ومهينة: "أمك زانية، يا ابن العاهرة [...] سننكحك أنت وأخواتك، يا ابن الزانية [...] يلا، يا ابن العاهرة، ابن الزانية".

أجبروني على خلع ملابسي بالكامل بطريقة مهينة جدًا، وبقيت عاريًا أمامهم. كان الهدف إذلالي نفسيًا وجسديًا. كانوا يضحكون ويسخرون مني. خلال التحقيق تعرضت لاعتداءات جنسية مهينة للغاية. كان الجنود يلمسون عمدًا أعضائي الحساسة ويضربونني فيها مرارًا وتكرارًا، بينما يشتمونني ويهددونني: "سوف ننكحك هنا، أبناء زانيات [...] سنلهو بك جميعًا ونغتصبك، يا ابن الزانية".

كما ضربوني بعنف على جميع أنحاء جسدي، وخاصة في المناطق الحساسة، حتى شعرت أن جسدي يتمزق من شدة الألم.

كذلك، قيدني الجنود في وضعية مؤلمة لساعات طويلة بينما كنت عاريًا تمامًا. قيدوا يديّ خلف ظهري ورفعوني بواسطة سلاسل وأنا عارٍ وأبقوني على هذه الحال لساعات طويلة. وبعد ذلك أنزلوني وأجلسوني على قضيب معدني مثبت في طاولة وأدخلوه في فتحة الشرج. ومن شدة الألم بدأت أصرخ بشكل هستيري وأتوسل إليهم أن ينزلوني عنه. قلت لهم: "رجاءً، كفى، إنني أموت، لا أتحمل أكثر، أشعر بأنني أموت، ارحموني. لم أفعل أي شيء". تكرر هذا الأمر عدة مرات، وخلالها كنت أنزف من فتحة الشرج. شعرت أن جسدي كله يتفكك من شدة الألم والتعذيب الجنسي. وخلال ذلك واصلوا ضربي مرارًا في أنحاء مختلفة من جسدي، وخاصة في المناطق الحساسة، بهدف إذلالي نفسيًا بطريقة قاسية.

من أشكال الإذلال التي تعرضت لها أنهم أجبروني على القيام بأفعال مهينة رغماً عني. أرغموني على الإمساك بعضوي التناسلي واللعب به تحت التهديدات والضربات، وبالإضافة إلى التهديدات التي تكررت بالاعتداء عليّ جنسيًا، هددوني أيضًا بقطع عضوي التناسلي بمنشار. كان الجنود يقولون لي: "أنت ابن زانية، ونحن نريد أن ننكحك. سوف نغتصبك مثل الكلب ونرميك". كانوا يواصلون التحرش بي ولمس جسدي بأيديهم وبالعصي والهراوات وهم يضحكون عليّ ويسخرون مني ويوجهون إليّ عبارات نابية ومهينة. شعرت بالعجز التام والخوف الشديد ولم أكن قادرًا على الدفاع عن نفسي أو حتى الحركة بسبب القيود والتعذيب المستمر.

خلال عمليات النقل بين مراكز التحقيق والسجون تعرضت أيضًا للضرب المبرح. كانوا يضربوننا ويشتموننا ويهينوننا باستمرار داخل الشاحنات وأثناء الصعود إليها والنزول منها. كما خضعنا مرارًا لعمليات تفتيش قسرية ونحن عراة هدفت إلى إذلالنا وتحطيمنا نفسيًا.

خلال فترة الاعتقال أطلقوا علينا الكلاب بينما كنا مقيدين وغير قادرين على الحركة بهدف بث الرعب في نفوسنا. كما تعرضت للصعق بالكهرباء وحُرمت من النوم لفترات طويلة وعانيت من العزل والانقطاع الكامل عن العالم الخارجي.

بعد ذلك نُقلت إلى سجن النقب، وهناك تنقلت بين الأقسام. كما احتُجزت في ظروف قاسية جدًا وعانيت من الجوع والبرد والضرب والإهانات اليومية. وبعد فترة نُقلت إلى سجن "عوفر"، حيث خضعت مجددًا للتحقيق والضرب والإذلال والتعذيب الجسدي والنفسي.

خلال فترة سجني تدهورت حالتي الصحية بشكل كبير. بدأت أعاني من تسارع ضربات القلب وآلام ومشاكل في الجهاز الهضمي. وإضافة إلى ذلك، عانيت من آلام متواصلة في فتحة الشرج وفي أجزاء مختلفة من جسدي بسبب التعذيب والضرب. لم أتلقَّ علاجًا طبيًا وزاد الإهمال الطبي من معاناتنا اليومية داخل السجن.

مرت الشهور والسنوات في السجن ببطء شديد وكان كل يوم يبدو كأنه فصل جديد من المعاناة. فقدت الإحساس بالحياة وعشت فقط على أمل أن أتحرر يومًا ما وأرى عائلتي من جديد. كنت أخشى أن أموت في السجن من دون أن أرى أفراد عائلتي أو أودعهم.

أُفرج عني أخيرًا في 13.10.25. عندما أخبروني أنني سأخرج، لم أصدق أن ذلك يحدث. شعرت وكأنني أحلم. وعندما التقيت أفراد عائلتي للمرة الأولى بعد كل تلك الفترة الطويلة، انهرت بالبكاء الشديد. كانت لحظة لا يمكن وصفها بالكلمات. ركض أفراد عائلتي نحوي واحتضنوني من دون أن يقولوا شيئًا. كانوا يلمسون وجهي مرارًا فقط ليتأكدوا أنني ما زلت حيًا وأقف أمامهم.

في اللحظات الأولى بعد الإفراج عني لم أستطع الكلام من شدة الصدمة والتوتر. كنت أخاف من الأماكن المفتوحة ومن وجود الناس حولي.

بعد الإفراج عني انتقلت للعيش مع عائلتي في خيمة، لكنني ما زلت أعيش مع تبعات التعذيب والإذلال والانتهاكات الخطيرة التي تعرضت لها في مراكز التحقيق والسجون. وبعد عام ونصف العام من الإفراج عني ما زلت أعاني من مشكلات صحية ونفسية متواصلة وأخضع لفحوصات متكررة بسبب الآلام والمضاعفات التي سببتها لي الضربات والتعذيب والاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها خلال الاعتقال. أعاني بشكل خاص من آلام لا تفارقني في فتحة الشرج. كما أعاني من اضطرابات نفسية شديدة ومن خوف دائم وصعوبات في النوم وكوابيس متكررة تعيدني مرارًا إلى تفاصيل ما مررت به خلال التحقيق.

لقد تركت الاعتداءات الجنسية والإهانات التي تعرضت لها جرحًا عميقًا لا يمكن وصفه ولا نسيانه. وما زلت أحاول مواجهة الصدمات التي غيّرت حياتي بالكامل وتركتني متألمًا ومحطمًا. أحمل آثار هذه التجارب القاسية في جسدي ونفسي وما زلت بحاجة إلى العلاج والدعم والمتابعة الطبية والنفسية المستمرة بسبب ما تعرضت له خلال فترة اعتقالي.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 25.5.26