أصواتٌ من غزّة

إسراء عزيزة (النزلي)

(30 عامًا)، أم لثلاثة، من سكان مدينة غزة، تتحدث عن مشاق التهجير، عن أبناء عائلتها الذين أصيبوا في القصفـ عن الجوع وعن صعوبة توفير الغذاء لأولادها

الصورة
ابن إسراء الأصغر، سامي. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
ابن إسراء الأصغر، سامي. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

عندما اندلعت الحرب، لم أفهم حقًا ما الذي كان يحدث. كنت في منزلنا الذي كان بالنسبة لنا مكانًا آمنًا وهادئًا، مع زوجي مصطفى النزلي (35 عامًا)، وأطفالنا الثلاثة: شام (9 سنوات) وتالين (5 سنوات) وسامي، الذي كان رضيعًا آنذاك ويبلغ اليوم 3 سنوات. ثم فجأة، تغيّرت حياتنا بالكامل، من حياة يسودها الأمان إلى حياة مليئة بالخوف والرعب والنزوح.

في بداية الحرب نزحنا من منزلنا إلى مركز تابع للأونروا في حي النصر غرب مدينة غزة. لم نحمل معنا سوى بعض المستلزمات الأساسية للأطفال، مثل الملابس والبطانيات. وبعد خمسة أيام فقط من مغادرتنا المنزل، قصفه الجيش ودمّره بالكامل.

خلال وجودنا في مركز الأونروا، وصلت الدبابات إلى المكان وحاصره الجيش لمدة ثلاثة أيام، ولم يتم إجلاؤنا إلا بعد أن حضر الصليب الأحمر ونقلنا من هناك. كانت أيامًا بالغة الصعوبة. كنا نحو 30 شخصًا ولم يكن لدينا ما يكفي من الماء أو الطعام، واضطررت إلى توزيع الكمية القليلة المتوفرة بين الجميع. كان سامي رضيعًا وبدأ حليب الأطفال والحفاضات ينفدان.

الصورة
في طابور توزيع المياه. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
في طابور توزيع المياه. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

بعد ذلك نزحنا إلى شارع الصحابة في مدينة غزة، حيث استأجرنا مخزنًا وأقمنا فيه عدة أيام. كانت الغارات في كل مكان وكان الوضع شديد الخطورة. كنا وحدنا، بعيدين عن عائلاتنا التي تفرقت. كان بعض أفراد عائلتنا قد نزحوا إلى خان يونس، ولذلك قررنا بعد عدة أيام أن ننزح نحن أيضًا إلى الجنوب. مشينا نحو ثلاثة كيلومترات حتى حاجز "نتساريم". كنت أحمل سامي بين ذراعي، بينما كان زوجي يحمل البنتين. وصلنا إلى مدخل مخيم النصيرات منهكين تمامًا، ولم نكن نعرف إلى أين نذهب. اتصلت بعائلتي، فجاء أخي وأخذني مع الأطفال إلى منزله. أما زوجي فواصل طريقه إلى رفح حيث كانت عائلته. بقيت أنا والأطفال في خان يونس نحو عشرة أيام، ثم انضممنا إلى زوجي في رفح.

لاحقًا نزح أفراد عائلتي مرة أخرى، إلى منطقة المواصي في خان يونس أولًا، ثم إلى دير البلح. وخلال نزوحهم، بينما كانوا في الطريق، قصف الجيش الإسرائيلي مسجدًا في المنطقة، فأُصيب عدد كبير من أفراد عائلتي. أُصيب والدي، معين عزيزة (64 عامًا) في ساقه اليسرى واضطر الأطباء إلى بتر جزء منها. وأصيبت والدتي، سميرة عزيزة (54 عامًا)، بشظايا في ساقها اليمنى. كما أُصيب أخي عبد الرحمن (21 عامًا) في ساقه اليسرى واضطر الأطباء إلى بترها. وأصيب أخي حسام بكسور في يده وساقه وخضع لعملية زرع بلاتين. وأصيب ابن أخي جمال (13 عامًا) في ساقه اليمنى واضطر الأطباء إلى بترها. كما أُصيبت شقيقتاي براء (23 عامًا) وميساء (36 عامًا) في أيديهما. قبل عامين سافروا جميعًا إلى قطر لاستكمال العلاج.

الصورة
طبخ على الموقد. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
طبخ على الموقد. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

إضافة إلى ذلك، قُتل عمي نهاد عزيزة (54 عامًا،) ومعظم أفراد أسرته في قصف استهدفهم أثناء نزوحهم في الزوايدة شمال دير البلح. ولم ينجُ سوى ابنيه بهاء وعلاء وطفليّ علاء، روانزة (5 سنوات) وناهد (7 سنوات). وقد سافر الطفلان إلى مصر مع عمهما بهاء لأن والدهما كان يعاني من حالة نفسية صعبة جدًا.

منذ ذلك الحين، أصبحت حياتي مليئة بالفقدان والألم، ومنذ سفر والديّ وإخوتي إلى قطر أضيف إلى ذلك شعور قاسٍ بالوحدة. من الصعب عليّ أن أعيش في القطاع من دونهم.

بعد فترة في رفح نزحنا إلى دير البلح، حيث عشنا في خيمة لمدة تقارب سنة وعشرة أشهر. كانت فترة شديدة القسوة. كنت أنا والأطفال نقضي يومنا كله في البحث عن "التكايا" للحصول على الطعام، ثم عن الماء. كانت ابنتنا الكبرى شام تسير مسافات طويلة لجلب الماء، وكنا نتناوب على الوقوف في الطوابير.

أكبر الصعوبات كانت ظروف النظافة السيئة في المخيم: مراحيض بلا ماء واكتظاظ شديد وأمراض وحشرات وبراغيث. وقد أصيب ابني سامي بعدوى بكتيرية وعانى من جروح والتهابات.

أما زوجي فلم يكن قادرًا على القيام بالكثير. فمنذ فقداننا المنزل دخل في أزمة نفسية حادة وكان يمضي معظم وقته نائمًا داخل الخيمة. كما كان يعاني من تسارع نبضات القلب. لقد أثرت فيه كثيرًا حقيقة أنه لم يعد قادرًا على إعالة أسرته ورؤيته لي وللأطفال نقف يوميًا في طوابير الطعام والماء ونعاني الجوع والحرمان.

بعد وقف إطلاق النار في كانون الثاني 2025 عدنا إلى شمال القطاع، إلى منزل عائلتي الذي كان قد تعرض للقصف هو الآخر. قمنا بترميم غرفة واحدة فيه كي نتمكن من العيش هناك مع عائلة زوجي. لكن بعد ذلك بدأت فترة من النقص الحاد في الغذاء. لم نكن نستطيع الحصول على أي شيء تقريبًا: لا خبز ولا دقيق ولا مواد غذائية أساسية. أحيانًا، كنت أمضي ساعات طويلة بحثًا عن الطعام وأتمكن من الحصول على القليل من الدقيق أو بعض العدس في بعض الأحيان. استدنت المال من الأصدقاء لشراء الطعام. وخلال تلك الفترة توفي والد زوجي بسبب الجوع.

أتذكر يومًا خاطرت فيه وذهبت إلى مراكز المساعدات في شمال القطاع، وكل ما تمكنت من الحصول عليه كان ثلاثة كيلوغرامات من الدقيق. كانت أيامًا قاسية جدًا لا أحب أن أتذكرها.

بعد وقف إطلاق النار الحالي الذي أُعلن في تشرين الأول 2025 تحسن الوضع قليلًا، لكنني ما زلت أتحمل عبء إعالة الأسرة ورعايتها. أخرج يوميًا لجلب مياه الشرب والبحث عن التكايا التي يمكن أن نحصل منها على الطعام والوقوف في تلك الطوابير البائسة. كما أنني أذهب إلى مراكز توزيع المساعدات التابعة للمنظمات الإنسانية للحصول على طرود غذائية. إضافة إلى ذلك، أعتني بحماتي سلوى النزلي (64 عامًا) التي تعاني من أمراض مزمنة تشمل ارتفاع ضغط الدم والسكري ومشكلات في الظهر، وأنا المسؤولة عن توفير أدويتها.

في بداية وقف إطلاق النار الحالي كان هناك نحو أربعة مطابخ تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في غرب مدينة غزة، في منطقة الكرامة والمنطقة الساحلية ومنطقة أبراج الفيروز. كنت أذهب يوميًا إلى أحدها للحصول على الطعام لي ولأطفالي وبقية أفراد الأسرة. كنت أصل إلى أحد تلك المطابخ قرابة الساعة 11:00 صباحًا، وأقف في الطابور حتى أحصل على الطعام ثم أعود إلى المنزل. كان برنامج الأغذية العالمي يوفر لنا العدس والفاصولياء وأحيانًا الأرز وقطعة أو قطعتين من اللحم، لكن الكميات لم تكن تكفي لإشباعنا.

لكن قبل نحو شهر قلّص برنامج الأغذية العالمي عدد مطابخه في شمال القطاع ولم يبقَ اليوم سوى مطبخ واحد في منطقة الكرامة. وأصبحت الطوابير هناك طويلة ومزدحمة والطعام لا يكفي الجميع. كما شعرت بعدم الارتياح حين اضطررت إلى الوقوف وسط الازدحام مع الرجال والشبان. وفي النهاية لم أعد قادرة على الذهاب إلى هناك، ولم يعد لديّ وسيلة للحصول على الطعام لأطفالي.

اضطررت إلى البحث عن تكية أخرى في غرب مدينة غزة. وفي النهاية وجدت تكية الشيف فاتن المدهون، ومنذ ذلك الحين أذهب إليها يوميًا. هناك أيضًا طوابير طويلة من النازحين واكتظاظ شديد، لكن الحمد لله أتمكن كل يوم من الحصول على طبق طعام. هذه التكية متنوعة ونظيفة وتقدم أطعمة شعبية مثل المفتول والسماقية والرومانية، وأحيانًا تقدم للأطفال حلويات من الأرز والحليب. وهي لا تتبع لبرنامج الأغذية العالمي، بل تتبع لجمعية "تكية غزة الخيرية". وبسبب العدد الكبير من النازحين الذين يقصدونها، فإن كمية الطعام التي نحصل عليها لا تكفي حقًا، لكن فاتن تحاول تعويض الأطفال بإعداد بعض الحلويات لهم كي يعودوا إلى منازلهم وفي أيديهم شيء حلو على الأقل.

الوضع الاقتصادي الصعب يجبرني على الاعتماد على التكية، لأن مكونات إعداد وجبة منزلية واحدة تكلف هنا أكثر من 100 شيكل. وليس لدي أي إمكانية لشراء الخضروات أو اللحم من السوق. كما أن غاز الطهي يكاد يكون غير متوفر إلا بكميات صغيرة جدًا، وحتى الحطب اللازم لإشعال النار باهظ الثمن وغير متاح بسهولة. ولهذه الأسباب كلها أصبحت التكية هي خيارنا الوحيد للحصول على الطعام، وأنا والأطفال مضطرون للجوء إليها يوميًا. وكل ما أرجوه هو أن تستمر هذه التكية في العمل كما هي الآن وألا نتضرر مرة أخرى من إغلاقها، كما حدث مع مطابخ برنامج الأغذية العالمي في شمال القطاع.

* سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 7.6.26