إخلاص الكفارنة
26 كانون الثاني/يناير 2026
(34 عامًا)، أمّ لستّة، من سكّان بيت حانون، روت كيف تحمّلت وحدها عبء مسؤوليّات الأسرة إثرَ إصابة زوجها البالغة بسبب القصف، وعن النزوح والحياة في خيمة، وخاصة انعدام الخصوصيّة:
لنا، أنا وزوجي راجي الكفارنة (36 عاماً)، ستّة أولاد: غزل (17 عاماً)، راما (16 عاماً)، بتول (15 عاماً)، محمد (13 عاماً)، مازن (11 عاماً) وأيلول (8 سنوات). قبل الحرب كنّا نقيم في بيت حانون. كان زوجي يعمل في مجال الهواتف والحواسيب وكان له مدخول ثابت أتاح لنا أن نعيش في رفاهية. كان لنا منزل جميل وواسع مساحته 200 متر مربّع. بيت حقيقيّ، له جدران ونوافذ. كانت لنا غرفة نومنا الخاصّة وغرفتان للأولاد - واحدة للبنات وواحدة للبنين. كانت تصلنا الكهرباء والماء بشكل منتظم وكان لدينا كلّ ما نحتاجه من الأدوات الكهربائيّة. كنت أشعر كأنّني ملكة في هذا المنزل. كان أهلي يأتون لزيارتنا دائماً وكان أولادنا متفوّقين في دراستهم وكنت فخورة بهم. كنّا ننعم بالرّاحة وهدأة البال.
تلاشى هذا كلّه عندما اندلعت الحرب في 7 تشرين الأول. منذ اليوم الأوّل اضطررنا إلى الفرار من المنزل بسبب قصف بيت حانون. أخذنا معنا فقط القليل من الملابس والبطّانيّات الخفيفة، لأنّنا اعتقدنا أنّنا سنعود سريعاً. ذهبنا إلى مدرسة في مخيّم جباليا للّاجئين تمّ تحويلها إلى مركز لإيواء المهجرين. المشهد الذي تجلّى لنا عند وصولنا كان مروّعاً - جُموع غفيرة من المهجرين، جميعهم يبكون ويصرخون، والجوّ يملأه الخوف. أقمنا في إحدى غرف الصفوف مع عائلات أخرى.
بعد يومين، في 9.10.23، خرج زوجي إلى السّوق في مخيّم جباليا للّاجئين لكي يشتري خبزاً. أثناء وُجوده هُناك قصف الجيش الإسرائيليّ المنطقة وسقط شهداء وجرحى كثيرون. هاتفني أحد أقاربي وقال لي "زوجك استشهد". خرجت مع أولادي مُسرعة ومشاعري تعصف بي إلى المستشفى الإندونيسيّ. طوال الطريق كنت أدعو الله أن يكون زوجي جريحاً لا قتيلاً، أن أجده وقد قُطعت يده أو أيّ شيء سوى أن أفقده. غير أنّنا حين وصلنا كان زوجي قد وُضع في ثلّاجة في غرفة الموتى في المستشفى.
احتضنّاه وصرنا نتقدّم لنودّعه. حين احتضنته ابنتي راما وهي تبكي سمعتها تصرخ فجأة "ماما! ماما! بابا يتنفّس! بابا عايش". نادينا الأطبّاء فنقلوه بسُرعة إلى قسم العناية المكثّفة. كانت إصابته خطيرة: كسر في الجمجمة، نزيف في الدّماغ وشظايا في أنحاء مختلفة من جسمه. لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين تبيّن لي أنّ زوجي على قيد الحياة، أنّني لم أبق وحيدة.
نُقل راجي لاحقاً إلى مستشفى الشفاء. كانت حالته صعبة وجسمه قد تشوّه إلى حدٍّ أخافني. كنت أقول "هذا ليس زوجي الذي أعرفه". وهو في المستشفى بقيت أنا مع أولادي في مركز الإيواء في المدرسة، في مخيّم جباليا للّاجئين. الوضع هناك يعصى على الوصف. اكتظاظ شديد في غرف الصفوف، مراحيض قذرة. عدوى القمل التي أصابت أولادي لأنهم كانوا ينامون في الصفّ نفسه مع أناس كثيرين، أولاد وبنات، نساء ورجاء، الجميع جنباً إلى جنب. طيلة تلك الفترة كنت أظلّ خائفة على نفسي وعلى بناتي. لم أتركهنّ لحظة واحدة، حتى أنّني كنت أذهب معهنّ إلى المراحيض وأنتظرهنّ عند الباب.
بعد شهر تقريباً في المستشفى، قال الأطبّاء إنّهم لا يستطيعون تقديم العلاج المُناسب لراجي وأنّه يجب نقله لاستكمال العلاج في مستشفى ناصر في خان يونس، في جنوب القطاع. في 20.11.23 قرّرنا الانتقال إلى الجنوب عبر حاجز "نتسريم". لم يسمح الجيش الإسرائيليّ بمُرور سيّارات الإسعاف فخرجنا سيراً على الأقدام رغم وضع زوجي الصّعب. خرجنا من مستشفى الشفاء عند السّاعة 5:00 تقريباً، ووصلنا إلى "نتسريم" الساعة 15:00، لأنّ راجي كان يحتاج إلى استراحات كثيرة على الطريق.
عندما وصلنا إلى الحاجز، انتظرنا في الطابور مع حُشود هائلة من المهجرين. وقف راجي مع ابنتنا بتول ووقفت أنا وبقيّة الأولاد خلفهما، على مسافة نحو 10 أمتار منهُما. سمعنا إطلاق رصاص ومنعونا من النظر إلى أيّ من الجهات. اختفى راجي وبتول عن ناظريّ بسُرعة. تقدّمت ظنًا مني أنّني سألتقيهما بعد اجتياز الحاجز.
عندما اجتزنا الحاجز رأيت بتول في الجانب الآخر. كانت تبكي. قالت لي إنّ الجنود في الحاجز أمروا اباها أن يخلع ملابسه ويتقدّم نحوهم، ثمّ أخذوه. بقيتُ عند الحاجز أنتظر زوجي، لكنّ شابّاً نصحني أن أغادر المكان لأنّ اللّيل قد حلّ. غادرنا على عربة يجرّها حمار أقلّتنا إلى مدينة رفح. بكيت كثيراً في الطريق، لأنّني لم أصل في حياتي من قبل إلى جنوب القطاع ولا يوجد لي معارف هناك. لم أعرف إلى أين أذهب. كنت أنا وأولادي وحدنا فقط.
عندما وصلنا إلى رفح التقينا عائلة في الشارع أشفقت على حالي وحال أولادي فأخذونا إلى منزلهم. كانت السّاعة 21:00. عند منتصف اللّيل رنّ هاتف زوجي، وكان قد أبقاه مع بتول أثناء انتظارهما في طابور الحاجز، وإذ بالمتّصل زوجي نفسُه. عندما سمعت صوته لم أصدّق وكنت سعيدة جدّاً أنّه بخير. سألني أين أنا فأجبته أنّني في رفح. تبين أنه مشى حتى وصل إلى مشارف مدينة رفح. تحدّث معه شابّ من العائلة التي تستضيفنا ثمّ ذهب ليلتقيه في المكان الذي وصل إليه ويأتي به إلينا. كان راجي مُنهكاً جدّاً وقال لي إنّ جنوداً ضربوه على رأسه وبطنه. في صباح اليوم التالي ذهبت مع راجي إلى مستشفى ناصر لكي يخضع لفحوصات هُناك. كان مُنهكاً من تعب الطريق ومن ضربات الجنود وقد أبقوه في المستشفى مدّة أسبوعين.
بقينا عند تلك العائلة مدّة أسبوعين وبعد تسريح راجي من المستشفى، وكانت حالته لا تزال صعبة، تبرّع لنا أهل الخير بخيمة في مقرّ وكالة الغوث في خان يونس. بعد أن ساعدنا بعض الشبّان على نصب الخيمة هُناك أقمنا فيها لنحو شهر. كانت تلك الفترة مُتعبة جدّاً لي لأنّ عبء مسؤوليّات العائلة وقع كلّه على عاتقي، بسبب وضع زوجي. ثمّ بدأت المجاعة. لم أعرف كيف أتدبّر إطعام أولادي. حين تركنا منزلنا لم نأخذ معنا شيئاً ولم يكن معي من المال حتى شاقل واحد. كان كلّ شيء يُباع بالملعقة: ملح، خميرة، سكّر وما إلى ذلك، وكان سعر كلّ ملعقة 10 شواقل تقريباً.
كانت أختي وصال (36 عاماً) تجلب لنا طعاماً وبعض المال أحياناً، وكانت قد وصلت مع عائلتها إلى مخيّم المهجرين نفسه. وأحياناً كنّا نحصل على الطعام من متبرّعين أو من عائلات أخرى من المهجرين. كان الذهاب إلى المراحيض منوطًا بمعاناة كبيرة لأنّها كانت في مكان بعيد جدّاً، وبعد وُصولنا كان علينا أن نقف في طوابير طويلة في انتظار الدخول. وعندما كان زوجي يحتاج إلى قضاء حاجته كنت أرافقه وأمسك بيده ونمشي مدّة ساعة لأنّه كان يمشي بصُعوبة بالغة. وكان ابني مازن يُعاني من فرط نشاط الغدّة الدرقيّة. هو في الـ11 من عمره، لكن لشدّة هزاله يبدو كأنّه في سنّ الخامسة. كنت أتعذّب كلّما طلب طعاماً ولم يكن لديّ ما أقدّمه له. من شدّة الجوع كان بمن الصعب جدًا عليه الوقوف على رجليه.
لديّ ستّة أولاد وكلّما احتاج أحدهم إلى قضاء حاجته كنت أرافقه إلى المراحيض، لأنّني كنت أخشى عليهم من التجوّل وحدهم في المخيّم. لم أسمح لبناتي أن يتجوّلن في أنحاء المخيّم الذي يعجّ بالغرباء. أنا لا أميل إلى مخالطة الناس بسهولة ولم أنشئ أيّة علاقات في هذا المخيّم، خاصّة مع الرجال.
كلّما احتجنا إلى الماء كنت أخرج أنا لأجلبه. وكانت رعاية الأولاد ومُراقبتهم أيضًا من مسؤوليّاتي، لأنّ زوجي كان مُنهكًا تماماً ولم يكن ييقدر على فعل شيء. كنت أضطرّ إلى ارتداء غطاء الرأس في اللّيل والنهار، لأنّه لا فصل بين الدّاخل والخارج في الخيمة.
عندما اشتدّ الخطر وكان الجيش الإسرائيليّ على وشك اجتياح خان يونس، اقترضت مبلغ 200 شاقل تقريباً واستأجرت عربة تجرّها بهيمة. حمّلت الخيمة وبقيّة متاعنا على العربة وذهبنا إلى رفح. عندما وصلنا إلى مخيّم المهجرين هناك ساعدني بعض الشبّان على نصب الخيمة من جديد. مكثنا في رفح أربعة أشهر.
كان الوضع هُناك أصعب من ذي قبل لأنّ فصل الشتاء قد بدأ وكان الجو بارداً وماطراً جدّاً. كان البرد يخترق خيمتنا الممزّقة ونحن لا نملك سوى بطّانيّات قليلة. كان الأولاد ينامون بيني وبين زوجي لكي يستدفئوا قليلاً.
كانت المراحيض بعيدة والذهاب إلى هُناك مع الأولاد في اللّيالي كان أشبه بكابوس بالنسبة إليّ. كنت أرافقهم إلى هناك في اللّيلي، في البرد القارس، وأنتظر معهم في الطابور. كنت أمشي وأبكي على ما جرى لنا، على كل الظلم. أصبح عبء مسؤوليّات الأسرة ثقيلاً عليّ، وفوق هذا كلّه أصبح زوجي يُعاني الآن من فقدان الذاكرة تدريجيّاً، جرّاء الإصابة. إنّه ينسى أشياء كثيرة.
حتى في داخل الخيمة، لا توجد ذرّة من الخصوصيّة، لأنّ الخيام متلاصقة. أكاد أهمس همساً حين أتحدّث مع زوجي وأولادي. أذهب لملء الماء مرّتين في اليوم، مع ولديّ محمد ومازن. اضطررتُ إلى التعوّد على الوقوف في طابور التكيّة. في البداية كنت أخجل من الذهاب إلى هُناك لكنّني لم أكن أملك خياراً آخر فتعوّدت. لا أستطيع ترك أولادي جائعين ولا أسمح لنفسي أن تقف بناتي في طابور التكيّة بينما أنا جالسة في الخيمة.
بعد اجتياح الجيش الإسرائيليّ لمدينة رفح نزحنا مُجدّداً، ذهبنا هذه المرّة إلى مدينة دير البلح وما زلنا فيها حتى الآن. ومجدّداً ساعدني بعض الشبّان في نصب الخيمة، كما حفروا بئراً قرب الخيمة لنستخدمه كمرحاض. في أثناء ذلك كنت حزينة على زوجي. تألّمت لأجله لأنّ وضعه الصحّي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم ولا يستطيع مساعدتي في تدابير النزوح ونصب الخيمة كبقيّة الأزواج.
عندما تكون بناتي في فترة الحيض نعاني معاناة شديدة بسبب نقص الفوط الصحّية، فهي إمّا غير متوفّرة في السّوق وإمّا تُباع بأسعار باهظة. اضطُررت إلى قصّ ملابس قديمة واستخدامها عوضاً عن الفوط الصحّية. كان من الصّعب على بناتي أن يتقبّلن ذلك. في البداية كنّ يرفضن ولكن هنّ أيضاً لا يملكن خياراً آخر. كما نعاني أيضاً من الأمراض الجلديّة والالتهابات.
أحياناً يُخيّل إليّ أنّني سأبقى في هذه الخيمة طيلة حياتي وعذابي يزداد يوماً بعد يوم.
قلبي يتحسّر على أولادي لأنّهم لم يذهبوا إلى مدارسهم منذ سنتين. كانوا تلاميذ متفوّقين. ابنتي الكُبرى على وشك إنهاء المرحلة الثانويّة ولا تملك وسيلة للدّراسة - لا مكان، لا كتُب، لا أقلام ولا دفاتر. هي لا تعرف حتى المنهاج الدراسيّ الحاليّ ولا تعرف كيف ستتقدّم لامتحانات التوجيهي في ظروفنا هذه. ابنتي الصّغرى يجب أن تكون في الصفّ الثاني ولا تعرف القراءة والكتابة بعد. لا تعرف حتى الحروف أو الأرقام. أحاول أن أعلّمها لكنّني لا أقدر على ذلك. رغم أنّني حاولت جاهدة التكيّف مع الظروف وتنظيم حياة مستقرّة نسبيّاً لأسرتي، لكنّني لا أنجح في ذلك.
لقد غيّرت الحرب حياتنا كثيراً وفي نواحٍ عديدة - طعامنا، لباسنا، روتين حياتنا… أقضي معظم وقتي أمام النار، سواء لكي أعدّ الطعام للأولاد أو لكي أسخّن الماء للاستحمام وغسل الملابس يدويّاً. أعاني من آلام في أعصاب اليدين ممّا يصعّب عليّ حمل الأشياء وغسل الملابس بيديّ. أصبت بمرض الرّبو بسبب النار والدّخان وتدهورت حالتي الصحّية عموماً فأنا أعاني من السكّري وارتفاع ضغط الدّم وهشاشة العظام.
أكثر ما يؤلمني هو عجزي عن تلبية احتياجات أولادي. بناتي يطلبن ملابس جديدة وأنا لا أقدر على شرائها لهنّ، رغم أنّني أتمنّى أن أراهنّ ترتدين ملابس جميلة ومرتّبة. أبنائي يطلبون أحذية وأنا لا أقدر أن أوفّرها لهُم. طوال الوقت يركضون ويمشون حُفاة. بهذا الحال يذهبون إلى التكيّة ويقفون في طابور الماء. وهُم يُعانون باستمرار من آلام وجُروح في أقدامهم.
لكنّ المُشكلة الأكبر، والتي غيّرت حياتي وأثرت سلبيّاً على حالتي النفسيّة، هي بُعدي عن أهلي. كنت متعلّقة بهم جدّاً وكنت أحدّثهم عن كلّ ما يتعلّق بحياتي، والآن أصبحت بلا سند يشاركني مصاعب الحياة ومتاعبها. أنا وحيدة وأشعر بضغط نفسيّ ثقيل. أشتاق إلى صوت والديّ وصوت أخواتي، إلى لسّعادة التي كنت أشعر بها عندما كانوا إلى جانبي. لم يعودوا معي وأشتاق إليهم كثيراً.
نجد صعوبات في كلّ شيء. أنا ما زلت شابّة ولا أقدر على مُجابهة جميع هذه المصاعب وحدي. أصبحتُ عصبيّة المزاج لا صبرَ لي حتى على أولادي. أحياناً أتمنّى أن تكون لي خيمة كبيرة تتوفّر فيها زاوية خاصّة لي ولزوجي. أحتاج إلى خصوصيّتي. لا أستطيع حتى أن أبكي أمام أطفالي، لأنّني عندئذٍ سوف أنهار. أحاول قدْر الإمكان أن أبدو قويّة من أجلهم ومن أجلي ولأجل زوجي. أتمنّى البقاء وحدي ولو ليوم واحد، أن أكون مع نفسي في مكان بعيد أستطيع فيه أن أصرخ بأعلى الصّوت وأن أبكي على هذه الحياة الفظيعة التي فُرضت عليّ.
* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 26.1.26