أصواتٌ من غزّة

فاطمة الكرد

(35 عامًا)، مطلقة وأم لأربعة، من سكان جباليا:

أنا أم لأربعة أولاد: صبحي غريب (20 عامًا) وقمر (18 عامًا) ورزق (17 عامًا) وسيدرا (10 أعوام). نحن نازحون ونعيش حاليًا في خيمة في مدينة دير البلح.

اضطررنا أنا وأولادي على النزوح منذ بداية الحرب من جباليا بسبب القصف العنيف على البلدة. أخذنا معنا بعض الملابس فقط وتركنا خلفنا كل ما نملك.

وصلنا إلى دير البلح وأقمنا في منزل أقارب لنا لمدة نحو ثلاثة أشهر. كانت ثلاثة أشهر من الخوف والمعاناة. كانت الحرب قاسية ووحشية وكان القصف في كل مكان وبشدة هائلة. كنت خائفة جدًا من أن أفقد أحد أولادي وكنت أخاف على نفسي أيضًا. خلال تلك الفترة اختفت الكثير من المواد الغذائية ومنتجات النظافة من الأسواق ولم أستطع توفير حتى أبسط الاحتياجات الأساسية لأولادي.

بعد ثلاثة أشهر نزحنا مرة أخرى، وهذه المرة إلى مدينة رفح، بعدما هدد الجيش بقصف مبانٍ قريبة من المنزل الذي كنا نقيم فيه. انتقلنا إلى العيش لدى أقارب آخرين وبقينا في رفح أربعة أشهر، كانت هي الأخرى صعبة جدًا.

ثم نزحنا مرة أخرى وعدنا إلى دير البلح. هذه المرة عشنا في خيمة داخل مخيم أُقيم في ساحة مستشفى شهداء الأقصى. في آب 2024، تضررت خيمتنا عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية خيامًا في ساحة المستشفى. اشتعلت النيران في خيام المخيم وكانت هناك جثث وأشلاء في كل مكان. المشاهد التي رأيتها أنا وأولادي كانت قاسية للغاية.

عانينا كثيرًا في ذلك المخيم. كانت المراحيض مشتركة بين جميع المهجرين واضطررت أنا والأولاد إلى الانتظار وقتًا طويلًا في الطوابير حتى نتمكن من استخدامها. كانت الخيام متلاصقة ولم تكن هناك أية خصوصية.

في بداية عام 2025 دخل أول وقف لإطلاق النار حيز التنفيذ. عدت مع عائلتي إلى جباليا وبقينا هناك نحو شهرين. شعرنا بشيء من الارتياح عندما توقف القصف والهجمات، لكن الحرب تجددت بعد ذلك وكانت أشد قسوة ووحشية. نزحنا مجددًا، أنا وأولادي، إلى دير البلح.

كان هذا النزوح صعبًا بشكل خاص. لم أكن أعرف إلى أين سنذهب ولا كيف سنصل. لم تكن هناك وسائل نقل تقريبًا ولم أتمكن من العثور على من ينقلنا إلى وسط القطاع هربًا من الموت. هربنا في ظروف بالغة الصعوبة، تحت إطلاق النار، وخاصة من طائرات الكوادكوبتر التي رافقتنا طوال الطريق. عندما وصلنا إلى دير البلح كنت منهكة ولم أكن أعرف إلى أين أتجه. تجولنا حتى وجدت منطقة يقيم فيها نازحون وأقمت فيها خيمتي البالية.

بقينا هناك في ظروف إنسانية قاسية حتى دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول 2025. ظننت أنني نجوت من هذه الحرب الوحشية وأنها انتهت وأن الحياة في غزة ستعود كما كانت. لكنني اكتشفت عندها أن الحرب لم تنتهِ حقًا. القصف مستمر في كل مكان ولا يمكن الهروب من الضجيج وهناك قتلى وجرحى في كل مكان. دُمّر منزل عائلتي في جباليا بالكامل وتم إعلان المنطقة التي كنا نعيش فيها منطقة عسكرية مغلقة. أدركت أننا سنواصل العيش في خيمة.

ثم جاء الشتاء وكان كارثة بالنسبة لنا. في كل مرة كانت تهطل فيها الأمطار كانت خيمتنا تغرق ولم أكن أستطيع فعل شيء. مضت تسعة أشهر حتى الآن ونحن نعيش هنا في الخيمة، والمعاناة مستمرة.

لكن أسوأ ما نواجهه الآن هو هجمات الجرذان والقوارض. لا يمكن تخيل عدد الجرذان والفئران والقوارض التي تعيش معنا داخل الخيام. إنها موجودة هنا ليلًا ونهارًا، بأعداد هائلة وأحجام مختلفة. أبقى مستيقظة طوال الليل أحاول طردها أو قتلها داخل الخيمة.

قبل يومين استيقظت على صراخ ابنتي سيدرا، التي قالت إن فأرًا عضّ أصابع قدميها. كانت تصرخ من الخوف وتبكي كثيرًا.

حتى ابنتي قمر، التي تدرس في الصف الثاني عشر، تعاني كثيرًا من هذا الوضع. كل يوم ننقل كتبها ودفاترها من مكان إلى آخر حتى لا تأكلها الجرذان. تحفر القوارض تحت جوانب الخيمة وتختبئ هناك، ثم تخرج إلى داخلها. أخشى حتى أن تقرض الخيمة نفسها، لأنها مصنوعة من النايلون والقماش المشمع.

في الليل تحيط بنا أسراب من الجرذان والقوارض. بحسب تقديرات سمعناها، يوجد اليوم في قطاع غزة نحو أربعة ملايين جرذ، أي أكثر من عدد السكان. تدخل الجرذان إلى خيمتنا دون أي عائق. أجدها أحيانًا تقرض الخبز أو الطعام الموجود لدينا داخل الخيمة فأسرع إلى رمي الطعام في القمامة خوفًا من أن نُصاب بالأمراض.

بصراحة، لم أعد أعرف كيف يمكن التخلص منها. حاولت نثر السم، لكن ذلك لم يفد. أشعر أنها تزداد تكاثرًا فقط، بسبب أكوام النفايات المحيطة بالخيام ومياه الصرف الصحي وأيضًا لأن المهجرين يرمون بقايا الطعام قرب الخيام مباشرة.

نحن نعيش في كارثة بيئية هائلة ولا نعرف كيف نتعامل معها. حتى السلطات هنا لم تضع أي خطة لمواجهة الجرذان والقوارض التي تهدد حياتنا يوميًا.

قبل نحو أسبوع سمعت في الليل صوتًا تحت القماش المشمع للخيمة. أشعلت ضوء الهاتف ورفعت الغطاء، فرأيت جرذًا ضخمًا بحجم قطة. أطفأت الضوء فورًا وبدأت أصرخ وأهرب. خرجنا جميعًا وخفنا أنا وأولادي من العودة إلى الخيمة. الجرذان ضخمة ونحن نخشى أن تهاجمنا.

أشعر أن القوارض تعيش معنا فعلًا ولا يمكن التخلص منها. وإضافة إلى ذلك، بدأت الأفاعي تظهر هنا أيضًا. إنها كارثة أخرى حلّت بنا ولا حل لها.

الآن نحن على أبواب الصيف. تحولت الخيمة إلى فرن ملتهب، كما انتشر الذباب والبعوض. في الليل يلسعنا البعوض المنتشر بكثرة والذي أصبح حجمه كبيرًا بشكل غير معتاد، وفي الصباح نستيقظ منذ السادسة بسبب لسعات الذباب، الذي ينتشر هنا بأعداد هائلة أيضًا. هذه اللسعات تسبب لنا الحساسية والتورم في أجسادنا.

أحاول بكل الطرق الحفاظ على نظافة الخيمة، لكن الذباب والبعوض لا يتركاننا، لا ليلًا ولا نهارًا.

الخيمة مثل القبر. لقد أصبحت مأوى للقوارض والحشرات. أنا أكرهها، لكن ليس لدينا أي مكان آخر نذهب إليه.

 *سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 14.5.26

اقرأوا المزيد