كفاح الحسنات
4 شباط/فبراير 2026
(42 عامًا)، أم لسبعة، تحدثت عن إصابة زوجها وابنها في الأيام الأولى من الهجوم على القطاع، عن التهجير من منزلها في بلدة المغراقة وعن الجوع والمصاعب الخاصة التي تواججها اليوم النساء في مخيمات المهجرين:
قبل الحرب، كنت أسكن مع زوجي، إسحاق (42 عامًا) وأولادنا السبعة: محمد (20 عامًا)، حمزة (19 عامًا)، رؤى (17 عامًا)، مؤيد (16 عامًا)، سامر (13 عامًا)، أسعد (12 عامًا) وديما (5 أعوام) في بلدة المغراقة جنوبي غرب مدينة غزة، وكانت حياتي بسيطة جدًا.
في الصباح كنت أستيقظ، أصلي صلاة الفجر ثم أوقظ الأولاد وأحضّر لهم الفطور. بعد أن يذهبوا إلى المدرسة كنت أجلس لأشرب القهوة على صوت فيروز، ثم أبدأ بأعمال البيت. كان هذا طقسي الثابت. كنت أبدأ دائمًا بالحديقة، كنت أشعر كأن حديقتي تناديني منذ الصباح. كان فيها أشجار زيتون غرستها وريحان ونعناع وبعض أنواع الخضار التي زرعتها. كنت أربي الدجاج أيضًا وكنت أطعمها وأسقي الحديقة وأقتلع الأعشاب وأقوم بباقي أعمال الحديقة التي كانت تجعلني سعيدة جدًا.
بعد ذلك كنت أدخل البيت وأبدأ بأعمال البيت اليومية. كان لدينا ماء جارٍ طوال ساعات اليوم. كنا نحصل على الكهرباء بانتظام وفق جدول زمني. وعندما كانت تتوفر الكهرباء، كنت أخبز الخبز. كانت حولي جدران. كانت لي غرفة خاصة بي. كان لدي ملابس. كان لدي غسالة وكنت أنظف البيت بكل المعدات ومواد التنظيف التي كنت أحتاجها. عند الظهر، كان الأطفال يعودون من المدرسة وبعد أن يتناولوا طعامهم كنت أساعدهم في الواجبات المدرسية، ثم كنت أحضّر إبريقًا من الشاي وبعض الفشار ونجلس معًا، نتحدث ونقضي وقتًا معًا. في المساء كان زوجي يعود من العمل، نتناول طعام العشاء معًا ونشاهد مسلسلًا على التلفزيون وقبل النوم، كنا نتابع الأخبار على الشبكات.
كانت حياتي تسير كأنها في الجنة، ومنذ 7 تشرين الأول أصبحت في جحيم. في البداية سمعنا إطلاق نار ثم عاد أولادي من المدارس ركضًا وانقطعت الكهرباء. أنا وزوجي كنا متوترين جدًا وخفتُ من الأسوأ، لكني لم أستطع أن أتخيل إلى أي كابوس ستصل حياتنا. ليست هنالك كلمات تصف الخوف والجحيم الذي نعيشه.
بعد 3 أيام من بدء الحرب، في 10.10.23، زار زوجي، مع ابننا محمد، إخوتَه الذين كانوا يسكنون على بعد نحو 200 متر منا،. بينما كنت أصلي صلاة العصر كان قصف شديد وقصفت الطائرات في أماكن مختلفة وأنشأت "حزامًا ناريًا". كان يبدو كأنه زلزال. من شدة الخوف، قطعت الصلاة. رأيت الناس يركضون نحو المكان الذي قُصف وسمعتهم يقولون إن بيت عائلة الحسنات تعرض للهجوم. قلت للأولاد: "أبوكم تعرّض للقصف!" وركضت إلى هناك معهم، حافية القدمين وبملابس الصلاة.
ما رأيته عندما وصلت بدا كأنه من مشاهد يوم القيامة. بناية من 3 طوابق انهارت على الأرض، أشجار زيتون عمرها عشرات السنين اقتُلعت من مكانها وغبار في كل مكان. صُدمت وبدأت أصرخ كالمجنونة: "ماذا حدث؟! ماذا حدث؟! من قُتل ومن أُصيب؟!" وعندما بدأوا يُخرجون القتلى من تحت الركام ركضت وراءهم وسألت: "من مات؟ أين زوجي؟ أين ابني؟ أين أصهاري؟!". لكنّ أحدًا لم يُجبني.
ثم رأيتهم يُخرجون من تحت الركام أخوة زوجي: مرعي (38 عامًا) ومصعب (32 عامًا) ومحمد (28 عامًا) مع زوجته آية (7 عامًا)، وقد تزوجا قبل نحو 5 أشهر فقط، وعز الدين (26 عامًا). وقد قُتلوا، جميعًا. مع كل قتيل كانوا يخرجونه من الركام كان قلبي يُسحق من الألم. تزوجت صغيرة وكبرت إلى جانبإخوة زوجي الأصغر الذين كانوا أيتامًا من الأب، وكان زوجي يهتم بهم منذ كانوا صغارًا.
في تلك الأثناء، عرفتُ أنهم كانوا قد أنقذوا زوجي وهو مصاب ونقلوه إلى المستشفى، قبل أن أصل إلى هناك. كان لديه نزيف في الكبد وانقطعت أوتار في يديه وكانت لديه جروح في أماكن مختلفة من جسده. ُصيبابني محمد أ في رجليه بينما أصيب صهري مؤمن إصابة طفيفة. عدتُ إلى أطفالي ولم أستطع الذهاب إلى المستشفى في ذلك اليوم لأنني لم أرد أن أتركهم وحدهم في البيت. كانوا يبكون بشدة على أعمامهم وعلى والدهم. بقي حمزة مع أبيه وأخيه في المستشفى.
في صباح اليوم التالي قصفوا منزل جيراننا وتغطى كل شيء بالغبار. طلبت سيارة أجرة وأخذت الأولاد إلى مخيم النصيرات للاجئين لأن الوضع في المغراقة كان خطيرًا جدًا وكان الموت يلاحقنا والخوف يسيطر علينا. في النصيرات تركت الأولاد عند أقارب ومن هناك سافرت إلى مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح لأرى زوجي وابني.
عندما وصلت إلى المستشفى كان زوجي في العناية المكثفة. سألني عن إخوته واضطررت إلى إخباره بأن مرعي ومصعب ومحمد وزوجته وعز الدين قد قُتلوا. صُدم. سألني إن كانوا قد دُفنوا وعندما قلت له نعم بدأ يصرخ لأنه لم يودعهم ولم يستطع أن يراهم للمرة الأخيرة. كان ذلك مؤلمًا وقاسيًا جدًا.
منذ تلك اللحظة انقلبت حياتي ووجدت نفسي في دائرة من الجحيم: زوجي وابني مصابان في دير البلح وحمزة معهما، بينما بقية الأولاد في النصيرات والقصف في كل مكان. عاش ابني محمد صدمة بسبب قصف حصل في طفولته ومنذ ذلك الوقت لا يتكلم ويعاني من مشاكل نفسية. خلال فترة مكوثه في المستشفى بدأ يتبول على نفسه. كنت أذهب إلى المستشفى كل يوم وأعود إلى الأولاد في مكان مبيتنا. كانت المواصلات صعبة جدًا ولم تتوفر لدي وسيلة للتنقل دائمًا. لم يتوقف القصف وكان أولادي خائفين أكثر من قبل. بدأ الصغار أيضًا يتبولون.
في تلك المرحلة اضطررنا إلى مغادرة بيت أقاربنا وانتقلنا إلى مدرسة تحولت إلى مخيم للمهجرين في مخيم النصيرات. لم يكن لدينا شيء، ولا حتى ملابس للتبديل. تبرع لنا أقارب ببعض البطانيات والفرشات وكنا جميعًا، أنا وأولادي الخمسة الذين معي، ننام مكتظين على الفرشات داخل غرفة صف كانت ممتلئة بالمهجرين. أكثر ما كان يشغلني هو كيف أحصل على الطعام لأولادي ولزوجي وابنيَّ الموجودَين في المستشفى. كنت أنتظر كل يوم المساعدة التي كانوا يوزعونها في المدرسة، لكنها لم تكن تكفي.
تعبت جدًا من التنقل بين المستشفى والمدرسة ذهابًا وإيابًا وبدأت أقلل زياراتي إلى المستشفى. عندما كان الناس يسألونني عن صحة زوجي وابني محمد كنت أبكي ولا أستطيع الإجابة. لم تعد لدي قوة. اضطررت أيضًا إلى الوقوف ساعات في طوابير الحمّامات والماء وبدأت أعاني من نزيف ومن ضعف شديد. كنت أستيقظ عند الفجر فقط لأقف في الطابور من أجل ملء جالون صغير من الماء.
في أحد الأيام، عدتُ منهكة من زيارة المستشفى وعندما جلست قالت لي إحدى النساء في مخيم المهجرين: "الكرسي مليء بالدم"! على الفور، أخذتني ابنتي ونازحة مشيًا على الأقدام إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات. أجروا لي فحوصات دم واكتشفوا أن مستوى الهيموغلوبين لدي هو 5. قال لي الطبيب إن حياتي في خطر ويجب أن أجري عملية لإيقاف النزيف وأرسلوا سيارة إسعاف على وجه السرعة لإحضار وجبات دم من مستشفى شهداء الأقصى. أعطوني وجبات دم وقال الطبيب إنه إذا لم يتوقف النزيف فسيضطرون إلى استئصال الرحم. وهذا ما حدث بالفعل، حيث أجروا لي العملية في اليوم التالي وخرجت من المستشفى في اليوم نفسه، بسبب الاكتظاظ هناك. بعد العملية استمر النزيف وكنت أبحث في كل مكان عن قطع من القماش لأستخدمها بدل الفوط الصحية.
عدت إلى مخيم المهجرين على عربة يجرها حمار، لأنني لم أجد وسيلة نقل أخرى. عندما وصلت وجدت أولادي جائعين فبدأت أتجول بين المهجرين وأطلب أن يقرضوني خبزًا. هذا كان أكثر ما آلمني، ألا يكون لدي ما أطعم به أولادي.
كان الوضع في مخيم المهجرين مرعبًا والاكتظاظ فظيعًا. لقد عاني الأطفال كثيرًا من هذه الحال وكانت أيامًا مؤلمة جدًا، خاصة لنا نحن النساء. زادت حالتي الصحية من صعوبة استخدام المراحيض. فأنا أحتاج إلى الذهاب إلى المراحيض كثيرًا وفي كل مرة أشعر بالخجل لأن الجميع يرى ويعرف أنك ذاهبة إلى هناك. أقسم بالله أنه كانت هنالك فترة لم نتمكن فيها من الاستحمام ه ولم نبدّل ملابسنا. لم أكن أصدق أنني سأصل إلى هذا القاع، لكنني تمسكت بالحياة.
بعد شهرين، خرج زوجي من المستشفى وانضم إلينا في مخيم المهجرين. وبعد نحو شهرين خرج ابني محمد من المستشفى ونام مع أبيه، مثل كل الرجال، في ساحة المدرسة. أما نحن النساء والأطفال، فكنا ننام في غرف الصفوف في الطابق العلوي. كنت أنزل إليه في الصباح لأرى كيف حاله، أبدّل له الملابس وأرافقه إلى المراحيض.
في تلك الفترة اشتد الجوع. فرغت الأسواق من البضائع وكان زوجي يحتاج إلى غذاء صحي ليتعافى. لم يكن هناك غاز للطبخ. كنت أمشي مع أبنائي ونجمع أحذية قديمة وأشياء بلاستيكية لإشعال النار وتحضير القليل من الطعام. بسبب النار والدخان، بدأت أعاني من آلام قوية في الصدر بدرجة لا تُحتمل وما زالت مستمرة حتى اليوم.
في تلك الفترة نفد الطحين أيضًا. عندما كنت أتمكن من الحصول على طحين كنت أخبز للأطفال كمية قليلة جدًا من الخبز وأقسمها بينهم بالتساوي. كان أطفالي يبكون من شدة الجوع. فقط جزء من المهجرين كان يتلقى مساعدات وكان يغضبني أن التوزيع غير عادل. وكان هناك أيضًا من يسرق جزءًا من المساعدات التي لم تكن تكفي أصلًا. كنت أشتاق إلى كأس شاي مُحلىّ، أن أجلس وأشربه سوية مع زوجي والأولاد. من شدة جوعنا كان لنَفَسنا رائحة كريهة. كان أولادي يقولون: "نحن جائعون" وكان زوجي ينظر إلينا ويبكي.
لم يتبق لدي خيار. قلت لنفسي: "حتى لو متّ، يجب أن أعود إلى بيتي لأحضر طحينًا وملابس".كانت معي ساعة يد. أعطيتها لابنتي رؤى وقلت لها: "خذي الساعة. إذا متّ، فستبقى لك ذكرى مني". ذهبت إلى بيتنا في المغراقة مع ابني مؤيد. أطلقوا علينا الرصاص الحي كالمطر. قال لي مؤيد: "أمي، تعالي بنا نرجع، هذا خطر جدًا". لكنني أصررت على الذهاب. عندما وصلت إلى البيت وجدت بعض الملابس، كيس ملح وقليلًا من الأرز. كنت سعيدة لأنني وجدت بعض الطعام وأحذية لأولادي. لا يمكن وصف كم فرح أولادي عندما لبسوا أحذيتهم.
بعد ذلك أصدر الجيش الإسرائيلي أمرًا بإخلاء النصيرات. بكيت واحتضنت أطفالي. لم يكن لدينا إلى أين نذهب ولم يكن لدي مال لأدفع ثمن مواصلات إلى رفح. صعدنا على عربة تجرّها دابة ووصلنا إلى مدينة دير البلح. لم يكن لدي مال لشراء خيمة خاصة، فنصبنا خيمة مع بعض أقارب زوجي، لكنها كانت صغيرة جدًا وبالكاد تتسع للجميع. هكذا فقدت حتى خصوصيتي. كان أطفالنا جميعًا يتشاجرون طوال الوقت ونشأت مشاكل بيني وبين أقارب زوجي بسبب أبسط الأمور.
كانت المراحيض بعيدة جدًا واضطررت أنا وابنتي إلى المشي نصف ساعة للوصول إليها. بدأت أحبس نفسي فقط لأتجنب الذهاب إلى المرحاض، وهذا تسبب لي بمشاكل في التبول. عانيت أنا وابنتي أيضًا من نقص الفوط الصحية التي نفدت من الأسواق. لم أستطع حتى أن أجد ملابس لأقص منها قطع قماش، بدل الفوط.
في الشتاء، كان البرد شديدًا داخل الخيمة وعندما كان ينزل المطر كان يغمر الخيمة وتبتل ملابسنا وبطانياتنا. وقد ازرقت أقدامنا وتشققت أيدينا من البرد. لم يعد أطفالي الصغار يتحكمون بالتبول، بسبب البرد القارس.
بعد فترة، ارتجلنا لأنفسنا مرحاضًا قرب الخيمة. كان مرحاضًا بدائيًا، لكنني شعرت كأنني حصلت على فيلا مقارنة بعذاب المراحيض البعيدة والمشتركة مع بقية المهجرين.
بعد ذلك فتحوا نقاطًا لتوزيع المساعدات. كانت تلك من أصعب الأيام التي مررنا بها. كان ابني حمزة يذهب ليحضر المساعدة، رغم أنني منعته خوفًا على حياته، لكنه أصر وقال لي: "أنا ميت في كل الأحوال! نحن جائعون. نريد أن نأكل". كان يذهب ليلًا إلى "نتساريم"، يعرّض حياته للخطر ليجلب لنا قليلًا من الطحين وبعض المعلبات، وكنت أنا أجلس بملابس الصلاة وأصلي ولا أتخيل سوى أنهم سيأتون ليخبروني بأنه قُتل. عندما كان يعود سالمًا كنت أهجم عليه بالأحضان والقُبل.
في كل مرة كنت أسمع عن مجزرة في "نتساريم" كنت أرتدي ملابسي وأخرج إلى الشارع لأسأل الشبان الذين عادوا من نقاط المساعدة عن حمزة، أو أذهب لأبحث عنه بين القتلى في المستشفيات. لقد قُتل ابن أختي، عمّار الحُسني (24 عامًا) في نقطة توزيع المساعدات في "نتساريم". بعد أسبوع، قُتل عمّه معتصم الحُسني (38 عامًا) في "زيكيم" وترك وراءه أيتامًا، أطفالًا صغارًا. بعد 10 أيام قُتل زوج أختي بيسان (27 عامًا) في "زيكيم" ولم يُعثر على جثمانه. ذهبت بيسان لتبحث عنه بنفسها فوجدت أن كلابًا قد افترست جثمانه وسحبته. تعرّفت عليه من الحذاء. استدعت سيارة إسعاف قامت بنقل بقايا الجثمان إلى مستشفى الشفاء.
لا أعرف كيف نجحنا في اجتياز فترة الجوع الشديد. كنت هيكلًا من العظم، بالكاد أقف على قدميّ ولا أفهم كيف أن العالم تفرّج علينا فقط ونحن نموت جوعًا! قبل الحرب كان وزني 85 كيلوغرامًا واليوم لا أزن سوى نحو 55 كيلوغرامًا.
بعد ذلك عدنا إلى مخيم النصيرات لنكون قريبين من بلدتنا المغراقة. نحن هنا حتى اليوم، نعيش في خيمة وما زلنا نعيش معاناة لا تنتهي. أول ما أفعله في الصباح هو إشعال النار. أجمع مع أطفالي أوراقًا وقطع خشب لتغذيتها وتحضير الطعام وأقف في طابور التكية. نتقاسم هناك عدة طوابير لنحصل على كمية ضئيلة من الطعام. وللحصول على جالون ماء للشرب، ننتظر ساعات طويلة صهاريج المياه تحت الشمس الحارقة وفي البرد الشديد. وأحيانًا ننتظر لكننا في النهاية لا نحصل على شيء لأن هناك عددًا كبيرًا جدًا من المهجرين يحاولون الحصول على قليل من الطعام والماء.
في إحدى المرات، كانت ابنتي رؤى تنتظر الطعام. وعندما جاء دورها كان الطعام قد نفد، فانفجرت بالبكاء. سألها المسؤول هناك: "لماذا تبكين؟"، فقالت له: "لأنني لم أستطع أن آخذ طعامًا" فأعطاها من الطعام الذي خصصه لبيته. عندما أخبرتني رؤى بذلك، بكيت كثيرًا. حتى اليوم، أبكي كلما تذكرت تلك الحادثة. كنت أشعر بالخجل دائمًا في طابور انتظار المياه وفي طابور التكية صار أطفالي مثلي. القلب موجوع.
منعت ابني حمزة من الوقوف في طابور الخبز في المخبز لأن الشجارات كانت تندلع هناك باستمرار وفضّلت أن أقف أنا بنفسي. كنت أخرج الساعة 2:00 ليلًا لأقف في طابور الخبز مع نساء أخريات رغم أن التوزيع لم يكن يبدأ إلا في الساعة 6:00 صباحًا. حتى أحصل في نهاية الأمر على رزمة الخبز، كنت أختنق من الازدحام. في أحد الأيام، كانت هنالك أعداد كبيرة من المهجرين وتدافعٌ شديد. شعرت بأن شابًا ينتظر ليخطف مني رزمة الخبز. احتضنت الرزمة بقوة ودفعت نفسي بقوة وبصعوبة إلى خارج الحشد. خرجت مختنقة ومن دون غطاء رأس. كان يومًا صعبًا جدًا بالنسبة لي، شعرت أنني سأموت. كل هذا قاسيًا، لكن لم يكن لدي خيار آخر سوى الاهتمام بحاجات أطفالي.
اليوم، أنا أسمي غزة "مدينة الحزن". أتمنى الموت لأن العيش في غزة صعب جدًا. أقسم بالله أنني ذات مرة، خلال فترة التجويع، دعوت الله أن أُقتَل أنا وأطفالي. هذا أفضل من أن نعيش هذا الذل.
منذ بدأت الحرب، أغسل الملابس يدويًا وهذا يتعبني ويستنزفني. يداي تؤلمانني وأحيانًا لا أستطيع خلع ملابسي بنفسي لأنني لا أقدر على رفع يدي وتضطر ابنتي رؤى إلى مساعدتي. الطبخ على النار أيضًا أضر بصحتي وتسبب لي بمشاكل في التنفس وفي النظر. من يراني يظنني امرأة كبيرة في السن رغم أنني في الـ 42 من عمري فقط. كل شعري صار أبيض من القلق والضغط النفسي الشديد. كما تضرر سمعي أيضًا بسبب كل الانفجارات الضخمة التي سمعناها طوال الحرب. أنا لا أسمع إلا إذا كان الشخص قريبًا مني جدًا.
إضافة إلى ذلك، منذ بدأنا نعيش في الخيام أُصبنا جميعًا بالجرب والقمل. نستحم من دون صابون لأن الصابون غير متوفر للاستحمام. عانى أطفالي من الطفح والبثور التي تركت ندوبًا على أجسادهم. الخيمة من قماش ولا توفر فأية خصوصية. لا نستطيع أنا وابنتي تبديل الملابس إلا عندما يخرج الجميع منها ونبقى طوال اليوم بملابس الصلاة، التي هي ملابس خارجية. الخيمة أيضًا مليئة بالنمل ونعاني من لدغاته ولدغات حشرات أخرى. أنام بملابس الصلاة التي بدأت تتمزق. أشعر أنني قبيحة وغير مرتبة. حتى الحذاء الذي أنتعله غير متطابق لأنني لا أملك حذاء آخر.
لا توجد علاقة زوجية بيني وبين زوجي، تقريبًا، ولا حتى علاقة مودة. منذ بدء الحرب لم نقل لبعضنا كلمة طيبة. هذه الحرب والحياة في الخيمة دمرت كل زاوية جيدة في حياتي. أنا بلا بيت الآن، تائهة، أتنقل من خيمة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر، أركض من تكية إلى أخرى ومن طابور إلى آخر. إلى متى سيستمر هذا الألم الذي يرافقنا؟ إلى متى سنعيش على هذا الحال؟
* سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 4.2.26