رنا قرموط
18 أيار/مايو 2026
(22 عامًا)، من سكان مخيم جباليا للاجئين:
أنا متزوجة من علاء قرموط (27 عامًا) وأم لطفلة عمرها تسعة أشهر. قبل الحرب كنا نعيش، أنا وعلاء، في شارع العلاوين في بلدة جباليا البلد، قرب المسجد العمري، في مبنى مكون من طابقين يعود لعائلته. رغم الضيق وصعوبة الحياة في قطاع غزة، كنا سعيدين بما لدينا وكنا نشعر بالأمان. كان زوجي يعمل في أي عمل يجده ليعيلنا: مرة في البناء، ومرة في تحميل البضائع ونقلها، وأحيانًا في تعبئة مياه الشرب أو في أعمال القصارة والبلاط. لم يكن يرفض أي عمل مهما كان شاقًا، فقط لكي يضمن لنا لقمة العيش.
استمرت حياتنا على هذا الحال حتى انشقت الأرض تحت أقدامنا في 7.10.23. في ذلك اليوم تحولت حياتنا إلى جحيم لا نهائي. منذ الأيام الأولى للحرب كانت الغارات تهز الأرض تحت أقدامنا والصواريخ تتساقط على البيوت والمساجد والشوارع والمدارس في منطقتنا. كنا نسمع الانفجارات من كل جانب ونرى الناس يهربون من بيوتهم المدمرة تحت القصف وإطلاق النار.
بعد نحو أسبوع بدأ الجيش بإلقاء مناشير من الطائرات تأمرنا بإخلاء المنطقة. لم يكن لدينا مكان نذهب إليه، لذلك بقينا في البداية في البيت رغم الخوف، حتى اشتد القصف ورأينا الموت بأعيننا.
حين وصل القصف إلى كل مكان من حولنا، اضطررنا أخيرًا إلى الهرب تحت النار. خرجنا من البيت ونحن نرتجف من الخوف. أخذنا معنا بعض الملابس والبطانيات وتوجهنا إلى مدرسة النجب في جباليا البلد، والتي تحولت إلى مركز لإيواء المهجرين.
بقينا هناك خمسة أيام فقط، لكنها بدت لنا كأنها سنوات من الرعب. اقترب الجيش أكثر فأكثر حتى اجتاح جميع أنحاء مخيم جباليا ووصل إلى المدرسة أيضًا. حاصرونا بالدبابات وبإطلاق النار وطائرات الكوادكوبتر التي لم تتوقف عن التحليق فوق رؤوسنا وإطلاق النار وبث الرعب في قلوب الأطفال والنساء.
بقينا يومين بلا طعام وعشنا جوعًا وخوفًا شديدين وكأننا في قلب الجحيم. لم نكن نعرف إنْ كنا سنخرج أحياء أم سنموت في أية لحظة. اعتقل الجيش الإسرائيلي بعض الرجال والشبان وأمرنا نحن النساء بالتوجه نحو غرب غزة. ومن هناك بدأت رحلة التهجير القاتلة التي ما زلت أعيشها حتى اليوم.
تنقلنا من مكان إلى آخر داخل قطاع غزة. عشنا في خيام أقيمت بين أسوار الجامعة الإسلامية، وبعد عدة أشهر انتقلنا إلى مخيم الشاطئ. وبعد انسحاب الجيش عدنا إلى مدرسة النجب في جباليا. طوال تلك الأشهر لم نكن نعرف ما الذي ينتظرنا وما الذي سيحدث لنا. كنا نهرب من الموت كل يوم، من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق، ونحن نحمل ما تبقى لنا من بطانيات وملابس لنستر أنفسنا. عشنا الجوع والإهانة والخوف والبرد والمرض، ورأينا الموت في كل مكان حولنا.
ثم جاء يوم 20.1.25، يوم إعلان وقف إطلاق النار. بكينا يومها من شدة الفرح وظننا أن معاناتنا انتهت أخيرًا. وازدادت فرحتنا حين اكتشفت أنني في الشهر الأول من الحمل. شعرنا أننا استعدنا حياتنا من جديد. عدنا إلى بيتنا في جباليا البلد بعد أشهر طويلة من النزوح والإذلال. حمدنا الله حين وجدنا البيت ما زال قائمًا رغم الدمار المحيط به. حاولنا أن نجمع شتات حياتنا من جديد، وبدأ زوجي يبحث مرة أخرى عن أي عمل يمكن أن يؤمن لنا لقمة العيش، حتى وجد عملًا في توزيع مياه الشرب.
لكننا لم نكد نشعر بالأمان حتى عادت الحرب في 18.3.25 وعاد معها الموت والجوع والقصف والمجازر. بدأت الطائرات تقصف الناس يوميًا. في تلك الفترة كنت قد دخلت الشهر الثالث من الحمل، وكنت أعاني من جوع شديد. بسبب سوء التغذية، التي لم تشمل مواد مغذية مثل البيض واللحوم، وعدم قدرتي على الحصول على مكملات غذائية، كدت أفقد الجنين الذي في رحمي. عشنا جوعًا لم نعرف له مثيلًا من قبل.
ازداد الوضع سوءًا عندما بدأ الجيش الإسرائيلي يطالبنا مجددًا بإخلاء بيوتنا في مخيم جباليا البلد، ثم اجتاح مناطق الشمال والشرق من جديد. في بداية أيار 2025 هربنا إلى غرب مدينة غزة وعشنا في خيمة في منطقة أنصار. عشنا هناك أيامًا من الخوف والرعب لا يمكن وصفها. كانت الأبراج تُقصف من حولنا والقذائف تسقط قرب الخيام وكانت مخيمات المهجرين تُخلى بالقوة تمهيدًا لقصفها ونقل سكانها جنوبًا.
في بداية تموز اضطررنا للنزوح مرة أخرى، وهذه المرة إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، حيث حللنا ضيوفًا لدى أقارب مهجرين في كلية الدعوة. وهناك عانينا أكثر أيضًا: لم يكن هناك طعام كافٍ، ولا مياه صالحة للشرب، ولا أي ظروف حياة إنسانية. في 17.8.25 أنجبت طفلتي الصغيرة. عشنا هناك كمهجرين في معاناة مستمرة وقلق لا يتوقف على مصيرنا، دون أي شعور بالاستقرار. وكان علاء يكافح يوميًا ليؤمن لنا لقمة الخبز.
بقينا على هذا الحال حتى 10.10.25 حين أُعلن وقف إطلاق النار مجددًا. فرحنا كثيرًا وحمدنا الله لأننا اعتقدنا أننا سنعود أخيرًا إلى بيتنا. لكن عندما عدنا إلى جباليا لم نجد شيئًا. كل شيء دُمّر بالكامل وتحولت البيوت إلى أنقاض واختفت الشوارع.
وقفنا نبكي وسط الركام، من دون أن نعرف إلى أين سنذهب وأين سنعيش. وبعد معاناة طويلة وجدنا مكانًا في مخيم للمهجرين اسمه "حلاوة"، كان مخصصًا لأصحاب البيوت المدمرة. نعيش هنا في خيمة بالية وممزقة كانت بالكاد تؤوينا. عاد زوجي للبحث عن أي عمل ممكن، لكنه لم يتمكن من توفير أبسط احتياجاتنا، وخاصة لطفلتنا الجديدة. عانينا من الفقر والجوع ونقص الغذاء ولم نستطع العثور على ما يكفي من حليب الأطفال لها. كيف يمكن لطفلة مسكينة أن تكبر في مثل هذه الظروف، بينما نُمنَع حتى من توفير حليب الأطفال وطعام الرضع؟ حتى الحفاضات اختفت من الأسواق.
انتهت الحرب على الورق فقط، لكن معاناتنا لم تتوقف لحظة. حتى في مخيم حلاوة لم ننجُ من إطلاق النار اليومي من القناصة والرافعات العسكرية التي كانت موجهة نحونا.
لكن إلى جانب الجوع، فإن ما يقتلنا أيضًا هو القوارض والجرذان والحشرات التي انتشرت بشكل مرعب في مخيمات المهجرين. امتلأت الخيام بالجرذان والديدان والحشرات التي تعيش بين الركام والرمال وأكوام القمامة. في الليل كانت الجرذان تدخل إلى الخيمة وتأكل كل ما تجده. لقد قضت على ما تبقى لدينا من طعام ودقيق ولم نتمكن حتى من حمايته. حاولنا نصب الفخاخ لها، لكن أعدادها كانت تتزايد باستمرار وكانت تتحرك بين الخيام.
أعيش في خوف حقيقي على طفلتي الصغيرة. أخشى أن تقترب منها الجرذان وهي نائمة. لم أعد أستطيع النوم، أبقى مستيقظة معظم الليل لأحرسها من الجرذان والأمراض والأوبئة التي تنشرها. وهي تقرض حتى الخيمة نفسها، بينما يمنع الجيش إدخال الخيام والأغطية ومستلزمات الحياة الأساسية.
قبل نحو أسبوعين، غفوت لفترة قصيرة ثم استيقظت على صوت طفلتي تبكي بكاء هستيريًا. عندما حملتها اكتشفت أن الجرذان عضّت كفّ قدمها وهي نائمة. في تلك اللحظة شعرت أن روحي قد غادرت جسدي مني من شدة الخوف. بدأت أصرخ وأبكي وأركض بها أنا وزوجي بين نقاط الخدمات الطبية بحثًا عن دواء أو مادة تعقيم ضد الالتهاب والتسمم، لكن الجيش يمنع حتى إدخال الأدوية ومواد التعقيم إلى القطاع. بقيت أبكي وطفلتي بين ذراعي، أخشى أن ينتشر المرض في جسدها الصغير بينما أنا عاجزة ولا أستطيع إنقاذها.
منذ ذلك اليوم وأنا أعيش في رعب دائم. لا تمر ليلة من دون بكاء وخوف. أخشى أن تعود الجرذان وتأكل وجه طفلتي أو جسدها وهي نائمة. أخاف أن أنام وأفزع من كل حركة داخل الخيمة. يقف زوجي عاجزًا أمام هذا الواقع القاسي. لا يستطيع أن يوفر لنا بيتًا أو طعامًا أو حتى خيمة جديدة تحمينا.
حتى الآن لا توجد أي حلول، وما زلنا نعاني من انتشار الجرذان والقوارض والأمراض في مخيم المهجرين. أعالج إصابة طفلتي بما أستطيع، بوسائل بدائية، وأصارع الأمراض التي تحيط بنا من كل جانب وتهددها وتهددنا جميعًا. ما زلنا نعيش هنا حياة خوف وإذلال وعجز داخل خيمة ممزقة، بين الجوع والحصار.
هذه الحرب لا تتمثل في القصف وإطلاق النار فقط. إنها حرب تجويع وإخضاع وترك أجساد أطفالنا فريسة للقوارض المفترسة والأمراض. لم يبقَ لنا سوى أن ندعو الله أن تنجو طفلتي الصغيرة من الموت البطيء الذي نعيشه هنا في كل لحظة.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 18.5.26