أصواتٌ من غزّة

ألماظة السّلطان

(46 عاماً)، أمّ لخمسة، من سكّان بيت لاهيا، تتحدّث عن مشقّات النزوح، عن صُعوبات الحياة في مخيّمات المهجرين والسّكن في خيمة، عن فقدان شقيقتها جرّاء القصف وعن المصاعب التي تواجهُها النساء في قطاع غزة اليوم

قبل الحرب كنت أقيم في حيّ السلطان في بيت لاهيا مع زوجي زياد (51 عاماً) وأولادنا الخمسة: نور (19 عاماً)، قيس (18 عاماً)، آية (14 عاماً)، نسمة (12 عاماً) وبلال (9 سنوات). كان زياد يعمل مُزارعاً في أراضي العائلة وكنت أنا موظّفة أقوم بأعمال مكتبية في بلديّة جباليا ومؤسّسات أخرى، مثل "منظمة الغوث الإسلاميّ" ومنظمة "Save the Children".

في العام 2003 تمّ تشخيص ورم في ثديي ثمّ خضعت لعمليّة استئصال الورم، الذي تبيّن أنّه حميد والحمد لله. أخضع للمتابعة الطبيّة مرّة كلّ ستّة اشهُر، ولكن منذ أن اندلعت الحرب أهملت المتابعة ولم أخضع لأيّ فحص.. 

الصورة
ألماظة السلطان قرب أنقاض منزلها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السلطان قرب أنقاض منزلها. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

زوجي مريض بالسرطان منذ العام 2007. في العام 2008 أجريت له في مصر عمليّة استئصال ورم سرطانيّ من الغدّة الدرقيّة، في منطقة الحلْق. إضافة إلى ذلك، يُعاني زوجي من إصابة قديمة في رجله اليسرى جرّاء رقائق بلاتين اخترقت رجله في حادث تعرض له في العام 2012. رغم المشاكل الصحّية كانت حياتنا جيّدة. كنت أنهض في الصباح وأتناول وجبة الفطور مع اولادي قبل خروجهم إلى مدارسهم، ولدى عودتهم كنّا نتناول وجبة الغداء معاً ثمّ أتفرّغ لمُساعدتهم في دروسهم. في ساعات المساء كنّا نسهر معاً ونتناول الطعام معاً في جوّ عائليّ ملؤه السّعادة والفرح. عندما كان أهلي يأتون لزيارتنا كانوا يشعرون كأنّهم في نُزهة أو رحلة استجمام.

الصورة
منزل ألماظة السّلطان قبل تدميره في الغارات على غزّة. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
منزل ألماظة السّلطان قبل تدميره في الغارات على غزّة. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

كان منزلنا مؤلّفاً من طابقين وحوله أرض واسعة فيها أشجار زيتون وتين وكرْمة، إضافة إلى الخضروات. كانت فيه غرفة خاصّة لي ولزوجي، غرفة خاصّة لكلّ ولد من أولادنا، غرفة صالون وحمّامان. في الماضي قُصف منزلنا مرّتين - في حرب العام 2014 حيث تهدّم جزئيّاً وقمنا بترميمه، وفي حرب العام 2021 حيث تهدّم تماماً وكان علينا أن نقوم ببنائه من جديد. أنجزنا بناء البيت الجديد وسكنّا فيه قبل اندلاع حرب 7 تشرين الأول 2023 بأربعة أشهُر، هذه الحرب التي جعلتنا مشرّدين بلا مأوى.

في صباح يوم 7 تشرين الأوّل، حين كان أولادي يستعدّون للخروج إلى مدارسهم، سمعتُ دويّ انفجارات لكنّني لم أعر الأمر اهتماماً. خرج الأولاد إلى مدارسهم لكنّهم عادوا بعد وقت قصير، مذعورين من شدّة الانفجارات. أدركت أنّنا على أبواب حرب أخرى فغادرنا المنزل بعد مضيّ ساعة تقريباً، لأنّنا نقيم في منطقة خطرة في شمال غرب قطاع غزّة ومُحاطون بأراضٍ زراعيّة. حزمنا حقائبنا، أخذنا بطّانيّات وفرشتين وخرجنا من المنزل تاركين وراءنا حياتنا الحُلوة.

الصورة
نظرة من شُرفة منزل ألماظة السّلطان قبل تدميره. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
نظرة من شُرفة منزل ألماظة السّلطان قبل تدميره. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

نزحنا إلى مدرسة قرب مستشفى الشفاء ومكثنا فيها قرابة شهر ونصف الشهر. كانت في المدرسة حُشود غفيرة من المهجرين وازدحام مُريع. أقمنا في غرفة صفّ واسعة مع إخوة زوجي وعائلاتهم، نحو 30 شخصاً ولم تفصل بين العائلات سوى قواطع علّقناها في داخل الغرفة. لم تكن لدينا أية ذرّة من الخصوصيّة ممّا اضطرّني وبناتي إلى ارتداء ملابس الصّلاة في اللّيل والنهار. في داخل الغرفة، كانت لدينا زاوية "مرحاض" كنّا نقضي حاجتنا غفيها، في دلو أو أكياس، وكانت مشتركة للجميع. كنّا نشعل النار أنا وبناتي على درج المدرسة لكي نطهو طعامنا وكنت أذهب مع أولادي كي نجلب الماء من مكان قريب.

في تشرين الثاني 2023، بعد أن اجتاح الجيش الإسرائيليّ منطقة مستشفى الشفاء، أخذ يتقدّم قليلاً كلّ يوم باتجاه المدرسة، من اتّجاهات مُختلفة، حتى وصل إلينا. هدمت الدبّابات سور المدرسة ومنعونا في البداية من مُغادرة المكان، ثمّ فصلوا النساء عن الرجال. جمّعونا، نحن النساء في جهة واحدة وأمرونا بأن نُغادر إلى جنوب القطاع، وجمّعوا الرّجال في الجهة الأخرى، اعتقلوا بعضًا منهُم وتركوا الآخرين. عندما خرجنا من غرفة الصفّ لم آخذ معي سوى ملابسنا. لم نغادر، أنا وأولادي، إلى الجنوب كما أمرونا، بل ذهبنا إلى بلدة جباليا. وعندما انضمّ إلينا زوجي استأجرنا في جباليا مخزناً كان يُستخدم، قبل ذلك، حظيرة للأغنام. قمنا بترميمه ثمّ فرشنا الأرضيّة بالرّمل وأنشأنا مرحاضاً بدائيّاً. بقينا هناك سنة ونصف السّنة.

الصورة
زياد، زوج ألماظة، وابنهما بلال في ساحة منزلهما قبل تدميره. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
زياد، زوج ألماظة، وابنهما بلال في ساحة منزلهما قبل تدميره. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

عشنا هناك فترة المجاعة المُريعة في نهاية العام 2023. أحيانًا، كنّا نظلّ بدون طعام لأيام، حتى خمسة أيّام متتالية. وأحياناً أخرى كنّا نأكل الخبيزة ونباتات أخرى نجمعها أنا وزوجي من الأراضي الزراعيّة في المنطقة. ذهب زوجي وابني قيس ليجلبا من الطعام الذي كانت ترميه الطائرات لكنّهما بالكاد كانا يحصلان على علبتيّ فول وعلبتي تونة وبعض المنتجات الغذائيّة.

في تلك الفترة بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الطحين 120 شاقلاً تقريباً فكنت أضطر إلى طحن العلَف وغذاء الحيوانات والطيور وأعجنه وأخبزه. كانت الكمية قليلة فلم تكن حصّة كلّ فرد منّا سوى قطعة خُبز صغيرة - في معظم الأحيان كنت أطعم حصّتي لابني الصغير بلال. أحياناً كان هذا الخبز هو طعامنا الوحيد طيلة أيّام. كان الجوع ينهش أجسادنا لدرجة أنّنا ذهبنا، رغم الخطر، لنجلب بعض الطحين من مركز لتوزيع المُساعدات في دوّار النابلسي، أنا وابني قيس وشقيقتي زوزو (43 عاماً)، وهي مطلّقة وتسكن بمفردها في جباليا. في إحدى المرّات تمكّنت من الحصول على كيس من الطحين سعته 25 كيلوغراماً، حملته على ظهري ومشيت عائدة إلى المخزن طوال ساعتين، وفي الطريق ساعدني قيس وزوزو. كانت فرحتنا كبيرة في ذلك اليوم.

الصورة
نور السّلطان، ابنة ألماظة، في المدرسة التي تمّ تحويلها إلى مخيم للمهجّرين. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
نور السّلطان، ابنة ألماظة، في المدرسة التي تمّ تحويلها إلى مخيم للمهجّرين. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

في تلك الفترة أيضاً قمت بقصّ شعري وشعر بناتي لعدم وُجود موادّ تنظيف أو شامبو. كان القمل يتكاثر في شعرنا من قلّة النظافة. توفّرت في السّوق كميات قليلة من مواد التنظيف والصابون ومواد تنظيف الجسم، وكانت تُباع بأسعار خياليّة لا نقدر عليها. أحياناً كان زوجي يذهب إلى المنازل التي تعرّضت للقصف ويبحث هناك عن طعام، صابون ومواد تنظيف، فإذا عاد ومعه بقايا قطع صابون كنّا نستحمّ كما ينبغي، ليس بقليل من الماء فقط. آنذاك، كنّا جميعاً نشعر وكأنّنا وُلدنا من جديد.

ثمة أمرٌ آخر سبّب لنا مُعاناة كبيرة هو أنّه لم تكن لدينا ملابس داخليّة احتياطيّة. كانت لكلّ واحد منّا قطعة واحدة أو اثنتان، نغسلها ونعيد ارتداءها. اضطررت إلى اقتراض بعض الملابس الداخليّة من شقيقتي، إذ كان لديها قبل الحرب دكّان للملابس النسائيّة، بما في ذلك الملابس الداخليّة. كما عانيت كثيراً من نقص الفوط الصحّية. قصصت قطع القماش لي ولبناتي واستخدمناها عِوضاً عن الفوط الصحّية، لكنّها سبّبت لنا التهابات وطفحاً جلديّاً كان يتفاقم بسبب نقص المنتجات لتنظيف الجسم.

إضافة إلى ذلك، اضطررت منذ اندلاع الحرب إلى إشعال النار يوميّاً من أجل الطهي وتسخين المياه. اسودّت يداي ووجهي بسبب السّخام الذي لا يزول تماماً، كما أنّني أسعل طوال الوقت بسبب الدّخان. كما اسودّت أيضاً الأواني التي كنت أستخدمها.

الصورة
نسمة، ابنة ألماظة السّلطان، في ساحة منزلهما قبل تدميره. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
نسمة، ابنة ألماظة السّلطان، في ساحة منزلهما قبل تدميره. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

في هذه الحرب اللّعينة فقدنا الخصوصيّة. المخزن الذي نسكن فيه هو غرفة واحدة ننام فيها جميعنا. حاولت خلق حيّز خاصّ نوعاً ما، حيث وضعت حاجزاً لتبديل ملابسنا وراءه. أمّا الخصوصيّة التي نحتاج إليها أنا وزوجي فمعدومة تماماً، وهذا يسبّب توتّراً في علاقتنا. أصبحنا لا نتبادل الحديث بيننا وبتّ أشعر كأنّه ابني أو أخي وليس زوجي.

بعد أن انتهت فترة المجاعة الشديدة، تقريباً في بداية حزيران 2024، أخذت صحّتي تتحسّن. نظرت إلى الأولاد من حولي، أولادي وأولاد المهجرين الآخرين، واستأت من حالهم إذ لم يتعلّموا في المدارس منذ أكثر من سنة. أنا أحبّ الأولاد كثيراً وأحبّ أن أعمل معهم، ولذلك قلت لنفسي: لمَ لا أعلّمهم بنفسي؟ عرضت فكرتي على شقيقتي زوزو وذهبنا معاً إلى عدّة مدارس بطلب أن يوفّروا لنا غرفة صفّ واحدة أو اثنتين لنعلّم فيها الأولاد.

رفض المسؤولون في المدارس الفكرة، بسبب الاكتظاظ الشديد في المباني وغرف الصفوف التي تؤوي المهجرين. لذلك استأجرت وشقيقتي قطعة أرض قريبة من البلدة، دفعنا بدل الإيجار من مدّخرات شقيقتي ونصبنا خيمة كبيرة ليتعلّم فيها الأولاد. من ثمّ باشرنا في تعليم الأولاد، كما نظمنا فعاليات للترفيه والدعم النفسيّ. نجح المشروع لدرجة أنّ عدد الأولاد المُشاركين بلغ نحو 500، تعمل معهم 15 معلّمة متطوّعة. ولأنّ الخيمة لا تتّسع لأكثر من 500، اضطررت إلى رفض طلبات الأهالي الذين أرادوا تسجيل أولادهم، ممّا خيّب أملهم كثيراً لشدّة ما كانوا يرغبون في الانضمام إلى المشروع. قام مدرّسون وممثلون عن وزارة التربية والتعليم بزيارة المشروع وثمّنوا الفكرة عالياً. بعد ستّة أشهُر افتُتحت مراكز تعليميّة مُشابهة، ممّا خفّف الاكتظاظ والضغط عندنا.

الصورة
ألماظة السّلطان في المركز التعليميّ الذي أقامته. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السّلطان في المركز التعليميّ الذي أقامته. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

كان التعليم يجري عندنا في ثلاث فترات - واحدة في الصباح واثنتين بعد الظهر. عندما حصلنا على دعم ماليّ من مبادرين ومؤسّسات مختلفة قمنا بشراء طاولات وكَراسٍ.

كان الأولاد في غاية السّعادة. كانوا يتعلّمون في الصفّ / الخيمة ومن حولنا تُسمع أصوات الانفجارات والصّواريخ المُرعبة. في مثل تلك اللّحظات كان الأولاد يسدّون آذانهم بأيديهم، لكنّهم لم يغادروا المكان. أحياناً، عندما كان الخطر يشتدّ، كنّا نضطرّ إلى إغلاق المركز ليوم أو يومين ثمّ نستأنف التعليم كالعادة. أنا لم أيأس!

الصورة
ألماظة السّلطان في المركز التعليميّ الذي أقامته. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السّلطان في المركز التعليميّ الذي أقامته. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

في أحد الاجتياحات، هدم جنود الجيش الإسرائيليّ الخيمة التي أقمتها لكي نعلّم فيها الأولاد. هدموها تماماً.

الصورة
 (إلى اليسار) زوزو شقيقت ألماظة السّلطان  قبل استشهادها. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
(إلى اليسار) زوزو شقيقت ألماظة السّلطان قبل استشهادها. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

في العام 2024، عندما اجتاح الجيش الإسرائيليّ جباليا، نزحت شقيقتي زوزو إلى منطقتنا وأقامت معنا في المخزن. كانت تذهب من حين لآخر إلى دكّان الملابس خاصّتها، مع ابني قيس، وتجلب من هناك ملابس لبيعها في السّوق. كنت أحذّرهما من خطر إطلاق النيران وأحاول ثنيهما عن الذهاب إلى الدكّان الذي كان في الطابق الأرضيّ من منزلها في بلدة جباليا. لكنّ زوزو كانت تقول لي "ألله يحمينا".

في 12.10.24، كانت زوزو عندي في المخزن. بعد أن تناولنا طعام الغداء معًا، طلبتْ من قيس أن يُرافقها إلى الدكّان لجلب ملابس من هناك. حاولت إقناعها أن لا تذهب. قلت لها: "اسمعي كم هُو مُرعب صوت الصّواريخ!"، لكنّها لم تقل لي سوى "باي باي" وخرجت. في تلك المرّة، لم يذهب قيس معها.

بعد وُصولها إلى الدكّان بوقت قصير، تعرض منزلها - بناية من ثلاث طوابق - للقصف فانهارَ عليها.

عندما سمعت عن القصف شعرت فوراً بأنّ زوزو قد أصيبت. ركضت إلى هُناك بسُرعة فوجدت البناية مهدّمة فوق شقيقتي بينما كانوا في الشارع يقومون بإخلاء مُصابين إلى المستشفى، حاولت إخراج جثّة شقيقتي ولم أنجح في ذلك. وقفت هناك أبكي وأصرخ وأناديها.

بعد ذلك حلّقت فوقنا طائرات "كوادكوبتر" وأخذت تطلق النار علينا فاضطررت إلى الفرار وترْك شقيقتي تحت الأنقاض. فوق حُزني على فُقدانها، آلمني جدّاً أنّ جثتها بقيت مدفونة تحت الأنقاض.

الصورة
ألماظة السّلطان (إلى اليسار) مع شقيقتها زوزو قبل استشهادها. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السّلطان (إلى اليسار) مع شقيقتها زوزو قبل استشهادها. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

انتظرت أربعة أشهُر، إلى أن انسحب الجيش الإسرائيليّ، لكي أستطيع إخراج جثّة شقيقتي. بعد وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2024، دفعت مبلغ 2,000 شاقل لشابّ كي يقوم بإخراج الجثة. عندما رأيت كيف أصبح وضعها بكيت وصرخت. بعد ذلك دفنتها في مقبرة جباليا.

عندما استؤنفت الحرب في آذار 2025، عانينا مرة أخرى من تجويع شديد وكان الوضع صعباً جدّاً. رغم الخطر، صمدت في المكان ولم أغادر. في تلك الفترة صار ابني قيس يذهب لوحده إلى مراكز توزيع المُساعدات في رفح. لم يُوافق على أن أرافقه، وزوجي لا يستطيع مُرافقته بسبب مرضه والإصابة في رجله. حين ذهب قيس إلى رفح في المرّة الأولى، خرج في الصباح الباكر دون أن يُخبرني وأمضى اللّيلة هناك. عندما اكتشفت أنّه خرج من المنزل خمّنت أنّه ذهب إلى هناك ليجلب بعض المؤن وقلقت عليه جدّاً. عاد قيس لكنه لم يجلب معه شيئاً. في المرّة الثانية تمكّن من الحصول على قليل من الطحين وبعض المعلّبات.

فيما بعد صار يذهب أيضاً إلى المنطقة التي تدخل منها شاحنات الإغاثة في منطقة "زيكيم" لكي يجلب لنا بعض الطعام. كنت أخاف عليه كثيراً وكنت أمنعه من الذهاب أحياناً وأسمح له أحياناً أخرى، لأنّ الجوع الذي كاد يقهرنا تغلّب على المخاوف. هكذا استطعنا عبور فترة التجويع تلك.

الصورة
ألماظة السّلطان مع بعض أولادها وشقيقتها زوزو خلال النزوح. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السّلطان مع بعض أولادها وشقيقتها زوزو خلال النزوح. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

في 11.6.25 اشتدّ القصف ولم يبق في الحيّ سوى نحن وأربع عائلات أخرى، بضمنها عائلة علّوش التي كانت لديها منظومة للطاقة الشمسيّة لشحن الهواتف. ذهب زوجي إلى هُناك مع ابني قيس لكي يشحنا الهواتف، وفي تلك الأثناء قام الجيش الإسرائيليّ بقصف منزل عائلة علّوش - بناية من ثلاثة طوابق تهدّمت واستُشهد نحو 16 شخصاً.

تمّ إخراج زوجي وقيس ابني من بين الأنقاض وهما مصابان. أصيب زوجي في رأسه وأذنيه واحتاج إلى 50 غرزة لتقطيب جُروحه، إضافة إلى إصابة في ظهره. ما زال يجد صعوبة في المشي حتى اليوم. وأصيب قيس بجُروح في رأسه احتاجت لتقطيب، كما اخترقت شظايا رجليه.

بعد إصابة زوجي وابني غادرنا المكان وانتقلنا إلى غرب مدينة غزّة، وقد تلقّيا العلاج في مستشفى الكويت الميدانيّ، في منطقة السّرايا. وصلنا إلى منطقة الميناء ولم تكن لدينا خيمة. كانت الخيمة تُباع بسعر 1,500 شاقل تقريباً، ولم أكن أملك هذا المبلغ. عندما نزحنا من المخزن لم نأخذ معنا شيئاً سوى بعض الملابس. أصبحنا لا نملك شيئاً ولا مكان نأوي إليه. هاتفت صديقاً لنا فاشترى لي خيمة. نصبنا الخيمة ولكن لم تكن لدينا بطّانيّات ولا فرشات. كنّا ننام ولا شيء تحتنا أو فوقنا.

بعد مضيّ نحو شهر، حين اشتدّ القصف مرّة أخرى، نزحت مع زوجي والأولاد إلى وسط مدينة غزّة. مشينا حتى وصلنا إلى مخيّم النصيرات للّاجئين. طلبنا من جارٍ لنا، نزح هو الآخر إلى المنطقة نفسها في وسيلة نقل، أن ينقل فيها خيمتنا. نصبنا الخيمة مجدّداً على رصيف وأقمنا فيها طوال أربعة أشهُر.

عندما أعلن وقف إطلاق النار في تشرين الأوّل 2025، قرّرنا العودة إلى شمال القطاع. وفي 1.11.25 انتقلنا إلى منطقة شاطئ البحر وأقمنا خيمة وما زلنا في المكان منذ ذلك الحين. الوضع هنا صعب جدّاً ونحن لا نملك أيّة نقود. الخيمة ليست مكاناً صالحاً للسكن ولا توفّر بُنية معقولة لحياة لائقة، وكلّنا نعاني من انعدام الخصوصيّة.

كذلك، نعاني من البعوض ونحاول طوال اللّيل طرده عنّا، لكن عبثاً حتى أننا نكاد لا ننام. في الصّباح أيضاً نستيقظ بسبب جحافل الذباب والبعوض في داخل الخيمة. الحشرات تحوّل حياتنا إلى جحيم.

لقد طمست هذه الحرب الفروق بين الوظائف التقليديّة للنساء والرّجال. كلّنا نقف في طابور توزيع المياه وفي طابور توزيع الطعام أمام التكيّة، كلّنا نتجوّل باحثين عن حطب وقطع أخشاب لإشعال النار ونأتي إلى مراكز توزيع المُساعدات لنجلب بعض الطعام من أجل أولادنا. نحن، النساء، نشعل النار كلّ يوم لتسخين المياه وطهي الطعام. في ظلّ الحرب تتحمّل النساء أعباء أثقل بكثير ممّا تحمّلن في الماضي، ويقُمنَ بمهمّات كانت تُعتبر في الماضي حكرًا على الرّجال.

نحن الآن في شهر رمضان الكريم. أنا أحب هذا الشهر كثيراً. انهض كلّ يوم لأصلّي وأدعو الله أن يسهّل لنا سبُل رزقنا. يمضي علينا رمضان في الخيمة لا في المنزل الذي كان يلمّنا كعائلة ونستضيف فيه الأقارب على مائدة الإفطار في أجواء احتفاليّة.

الصورة
ألماظة السّلطان مع والدتها واثنين من أولادها في منطقة سكنها الحاليّة على شاطئ بحر غزّة. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السّلطان مع والدتها واثنين من أولادها في منطقة سكنها الحاليّة على شاطئ بحر غزّة. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

بخصوص المشروع التعليميّ الذي أقمته - بعد أن صار يأتي أولاد المنطقة إلى خيمتنا ويطلبون أن أعلّمهم كما كنت أفعل في السّابق، ورغم قلّة الإمكانيّات، أرسلت إلى عدد من المعلّمات أخبرهنّ أنّني أريد استئناف المشروع التعليميّ وقد سُررت جدّاً حين وافقن على التطوّع. جهّزتُ مكانًا بديلًا وصار الأولاد يأتون ويُحضِرون معهم سجّادات للجلوس عليها، لعدم توفر كراسٍ وطاولات. أستخدم لوحًا تعليميًا كنت أستخدمه في الخيمة السّابقة التي هدمها الجيش الإسرائيليّ وانتشلته من بين أنقاضها.

يتعلّم عندنا اليوم 180 طالباً موزّعين على فترتين، صباحيّة ومسائيّة. بعض الطلّاب يأتون كمُستمعين للدروس فقط، لأنّه أهاليهم لا يملكون القدرة على شراء القرطاسيّة لهم. أنا مستمرّة في المشروع رغم قلّة الإمكانيّات، لأنّنا إذا لم ندعم هؤلاء الأطفال ونستثمر في تعليمهم فلن يكون لهُم أيّ مستقبل. الفتيان والفتيات أيضاً بحاجة إلى هذا الدّعم. حتى ابني بلال، وهو في التاسعة من عُمره، لا يستطيع القراءة والكتابة. أبناء هذا الجيل يعيشون واقعاً كئيباً وينتظرهم مستقبل مُظلم إذا لم يحظوا بفرصة حقيقيّة للتعلّم والتطوّر.

كامرأة متزوّجة، أتمنّى أن تكون لي ولزوجي غرفة خاصّة بنا، أو خيمة خاصّة بنا على الأقلّ. اليوم أنا عالقة داخل الخيمة العائليّة، حزينة، ومشغولة بالتفكير دون توقف بكيفيّة توفير الوجبة التالية لعائلتي. زوجي مريض، ولا شيء ممّا أتمنّاه هو في متناول اليد. أشتاق، أكثر ما أشتاق، إلى بيتي ـ أن أراه وأن أعيش فيه. لو تمكنّا من بناء ولو غرفة واحدة فقط، فسيمنحني هذا شعورًا بأنّ لي بيتًا خاصًا بي.

أنا أعيش الآن في قلق دائم خشية تجدّد الحرب وبالتالي إمكانيّة أن أفقد شخصًا آخر من عائلتي. لكن أخشى ما أخشاه هو أن تعود المجاعة. عمليّاً، لا أشعر بأن هنالك وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار. نحن ما زلنا نسكن في هذه الخيمة البائسة وما زال الخوف يلازمننا إلى كلّ مكان. نسمع من حين لآخر دويّ انفجارات وفي اللّيالي لا نتمكن من النوم بسبب القصف. التحسّن الوحيد الذي شعرت به حتى الآن كان في مجال إدخال المُساعدات والغذاء.

أتوجّه إلى نساء العالم وأقول لهنّ: نحن، نساء قطاع غزّة، عانينا كثيراً في الحرب لكنّنا تحمّلنا وصمدنا. اعتمدنا على أنفسنا، تحملنا المسؤوليّات وأصبحنا متساويات مع الرّجال في كلّ مجالات الحياة اليوميّة وكلّ المواقف التي واكان علينا مواجهتها.

الصورة
ألماظة السّلطان في المركز التعليميّ الذي أقامته. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة
ألماظة السّلطان في المركز التعليميّ الذي أقامته. صورة قدّمتها الشاهدة مشكورة

لكنّنا مُهمّشات. يبدو أن لا أحد يعرف عنّا شيئاً. هذا ندائي إليكنّ - قفن معنا وإلى جانبنا. لقد حُرِمنا من كلّ مقوّمات الحياة. فقدنا منازلنا، فقدنا حرّيتنا وفقدنا خصوصيّتنا. حياتنا التي نعرفها انهارت.

لقد تعبنا كثيراً من هذه الحرب. فقدنا تقريباً كلّ ما كان لدينا. لا تتوفّر لنا الآن أيّ من ضرورات الحياة. حدِّثوا عنّا. اسألنَ عنّا واهتمِمن اً بمّا مررنا به ولا نزال نمرّ به في هذه الحرب اللّعينة. صوتكنّ قد يمنحنا القوّة والأمل

سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 25.2.26

 

للمزيد: التشبّث بحياةٍ ليست حياة: نساء فلسطينيّات تحت وطأة الإبادة الجماعيّة في قطاع غزة، 8 آذار 2026