أصواتٌ من غزّة

محمد عبيد

(41 عامًا)، أب لخمسة، من سكان حي الشجاعية في مدينة غزة:

كنت أنا وزوجتي وأولادا الخمسة: ديما (15 عامًا) وبراء (13 عامًا) وميرا (10 أعوام) وبهاء (6 أعوام) وسند (عامان)، نعيش قبل الحرب في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

درست السكرتارية، لكن منذ اندلاع الحرب لم أتمكن من العثور على عمل. نزحنا من المنزل منذ اليوم الأول للحرب لأننا كنا نسكن قرب الحدود، شرق حي الشجاعية.

تنقلنا بالنزوح داخل مدينة غزة نحو خمس مرات، ثم نزحنا في النهاية جنوبًا إلى مخيم السلام قرب الكلية التقنية في شمال دير البلح.

يعيش في المخيم اليوم نحو 150 عائلة. هذا العدد يرتفع وينخفض بحسب الوضع الأمني في قطاع غزة.

لا توجد هنا بنية تحتية أساسية. المياه التي نستخدمها للاستحمام وغسل الملابس والأواني نضطر إلى تصريفها عبر قنوات حفرناها بين الخيام. هذه القنوات تسببت في انتشار الحشرات والبعوض وظهور أمراض جلدية لدى الكبار والأطفال.

ولا يوجد هنا حل منظم للصرف الصحي أيضًا. فقد حفرت كل عائلة حفرة بعمق نحو مترين قرب خيمتها، تُصرف إليها مياه المجاري. المشكلة أن الحفرة تمتلئ كل ثلاثة أشهر تقريبًا، بحسب حجم العائلة. وعندما تمتلئ حفرة الصرف، يجب انتظار وصول شاحنة لشفط المياه العادمة، بتمويل من منظمات الإغاثة.

لكن شاحنات الصرف تتأخر كثيرًا، لأيام أحيانًا، بسبب عدم وجود عدد كافٍ منها لخدمة جميع مناطق النازحين. في مثل هذه الحالات تفيض المجاري وتسري في القنوات بين الخيام، ما يسبب روائح كريهة وانتشار الكثير من الأمراض.

تحولت حفر الصرف وقنوات التصريف إلى بيئة مناسبة لتكاثر الجرذان والقوارض.

في إحدى الليالي، بينما كنا ننام في الخيمة، استيقظنا فجأة على صراخ ابنتي ديما. في البداية ظننت أنها أصيبت بإطلاق نار، لكن اتضح أنها استيقظت مذعورة بعدما مر فأر على وجهها أثناء نومها. في تلك الليلة لم تستطع ديما النوم من شدة الخوف من عودة الجرذان.

ورغم أننا نحاول تنظيف الخيمة يوميًا، إلا إننا نعاني من انتشار الجرذان والحشرات الضارة الأخرى، لأن الخيمة لا تحتوي على أماكن آمنة لتخزين الطعام، كما في المطابخ. نحن نخزن الطعام والحبوب وحتى ملابسنا داخل صناديق من الكرتون، والجرذان والحشرات الأخرى تنجذب إلى رائحة الطعام. كثيرًا ما اكتشفنا أن الجرذان أتلفت بعض ملابسنا أو مزقت الأكياس التي خزنا فيها الحبوب والطعام.

ومن الأخطار الأخرى هنا حفر الصرف الصحي غير المغطاة بألواح معدنية، لأن معظم العائلات فقيرة ولا تستطيع شراءها. في أحد الأيام زحف ابني سند خارج الخيمة وكاد يسقط في حفرة صرف صحي ولم نتمكن من منع سقوطه إلا في اللحظة الأخيرة.

إضافة إلى حفر الصرف والطعام الموجود في الخيام، فإن ما يساهم أيضًا في انتشار الجرذان والفئران هو أن الخيام أُقيمت على أرض طينية، لا على أرضيات إسمنتية، والقوارض تعيش في شبكة أنفاق حفرتها تحتها.

تزداد المعاناة من القوارض في الصيف، حين تنتشر بأعداد كبيرة في أنحاء المخيم. معظم العائلات في المخيم غير قادرة على مواجهتها بالوسائل المعتادة، مثل السموم والمصائد، بسبب أسعارها المرتفعة جدًا بالنسبة للمهجرين.

فمثلًا، يبلغ سعر مصيدة لاصقة لاصطياد الجرذان اليوم 20 شيكلًا، بينما يبلغ سعر سم الجرذان نحو 50 شيكلًا. وبوصفي رب عائلة عاطلًا عن العمل، لا أستطيع تحمل تكلفة شراء السم. إذا كان لدي 20 شيكلًا، فالأولوية بالنسبة لي هي شراء الطعام أو الأدوية أو تلبية احتياجات أخرى لأولادي.

أحيانًا تنظم بعض منظمات الإغاثة ورشات للنساء حول طرق تخزين الطعام وتنظيف الخيمة، لكن كل ذلك لا يفيد ولا يحد من انتشار القوارض.

في الأشهر الأولى من الحرب كان عدد الفئران والجرذان قليلًا نسبيًا، لكن اليوم، وبسبب الدمار الهائل، تحولت أنقاض المنازل إلى بيئة مثالية لتكاثر الجرذان والقوارض.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني خالد عزايزة في 13.5.26

اقرأوا المزيد