خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
في بداية شهر آب 2023 أقام المستوطنون "مزرعة رعويّة" جديدة على أراضٍ يملكها سكّان قرية برقة في محافظة رام الله. وبدأ المستوطنون برعي أغنامهم في أراضي القرية ومضايقة سكّانها. ومن بين ما قاموا به أنّهم أرهبوا عائلة تعيش في المنطقة خلال أشهر الصيف وتقوم بتربية الأغنام فيها، وهذا جعلها تعجّل انتقالها إلى موقع سكنها الشتويّ.
في يوم الجمعة الموافق 4.8.23 قرابة الساعة 18:00 حضر نحو خمسة مستوطنين إلى الأراضي المجاورة لمنازل القرية في أثناء قيام بعض الشبّان بنزهة فيها. لاحظ الشبّان، ومن بينهم قصيّ معطان (18 عامًا)، وجود المستوطنين عن بُعد نحو 500 متر، وتقدّموا نحوهم لطردهم. في تلك الأثناء، حضر خمسة مستوطنين آخرين وكانوا ملثّمين، وهاجموا الشبّان بالحجارة وطاردوهم. فرّ الشبّان عائدين إلى موقع النزهة ومن هناك اتّصلوا بسكّان القرية الذين بدأوا بالتجمُّع في المنطقة.
الصورة
الطريق الترابيّة منها أطلق المستوطنون النار وقتلوا قصيّ معطلن. تصوير: اياد حدّاد، بتسيلم.
حتّى قرابة الساعة 19:00 كان قد تجمّع عشرات السكّان في المنطقة، كما حضر إلى المكان عشرات المستوطنين أيضًا، وكان بعضهم ملثّمين. اندلعت مواجهات بين السكّان والمستوطنين تخلّلها تبادل للرشق بالحجارة، ومن ضمن ذلك باستخدام مقاليع، من مسافة 30-50 مترًا. كما قام بعض المستوطنين والفلسطينيّين بضرب بعضهم البعض بالهراوات. ونحو الساعة 20:00، بينما كان تبادل الرشق بالحجارة لا يزال مستمرًّا، حضر إلى المنطقة مستوطنان آخران بسيّارة بيضاء اللون، وكان أحدهما مسلّحًا ببندقيّة والآخر بمسدّس. انضمّ المستوطنان إلى أولئك الذين كانوا موجودين في المكان وأطلقا النيران الحيّة في الهواء وعلى السكّان الفلسطينيّين، لكنْ لم يُصيبا أحدًا. استمرّت المواجهات وحطّم المستوطنون خلالها الزجاج الأماميّ لسيّارة أحد سكّان القرية والتي كانتْ متوقّفة هناك، وأشعلوا النار في سيّارة أخرى.
نحو الساعة 20:30، وبينما كانت المواجهات لا تزال مستمرّة، أطلق أحد المستوطنين عدّة رصاصات وأصاب قصيّ معطان في عنقه، والذي كان يشارك في المواجهات ويقف على بُعد 40-50 مترًا عن المستوطنين. سقط معطان أرضًا فحمله شبّان فلسطينيّون ونقلوه إلى أطراف القرية، ومن هناك تمّ إخلاؤه بسيّارة خاصّة إلى مركز فلسطين الطبّيّ في رام الله. استمرّت المواجهات حتّى بعد إطلاق النار على معطان، وفي الساعة 21:00 أطلق المستوطنون النار على فلسطينيّ آخر ونُقل هو أيضًا إلى المستشفى. كما جُرح بعض السكّان والمستوطنين من جرّاء إصابتهم بالحجارة.
الصورة
"المزرعة رعويّة" الجديدة التي أقامها المستوطنين في بداية شهر آب 2023 على أراضٍ يملكها سكّان قرية برقة في محافظة رام الله. صورة مقدمة من السّكان مشكورين.
في الساعة 21:30، بعد أن أعلنت وزارة الصحّة الفلسطينيّة رسميًّا عن وفاة معطان، غادر السكّان المكان فيما بقي المستوطنون فيه. لم يصل عناصر شرطة حرس الحدود والجنود إلى المكان إلّا في الساعة 22:00، فأخرجوا المستوطنين من المنطقة وأعلنوا أنّها منطقة عسكريّة مغلقة. في اليوم التالي اعتقلت الشرطة اثنين من المستوطنين، يحيئيل إيندور وإليشع ييرد، للاشتباه في تورّطهما في قتل معطان. تمّ اعتقال إيندور في أثناء رقوده في المستشفى، بعد أن أصيب، على حدّ قوله، بحجر كبير ألقاه نحوه أحد الفلسطينيّين خلال المواجهات. قرّرت الشرطة لاحقًا أن توجّه إلى إيندور تهمة التسبّب بالموت من جرّاء الإهمال وإلى ييرد تُهمتي عرقلة إجراءات التحقيق وحيازة سلاح بدون ترخيص. في 9.8.23 أمرت محكمة الصلح في القدس بإطلاق سراح ييرد ووضعه رهن الاعتقال المنزليّ لمدّة أسبوع ثمّ إطلاق سراحه بعد ذلك. وفي 29.9.23 أصدر الجيش أمرًا بإبعاده عن معظم أنحاء الضفّة الغربيّة. وفي 15.8.23 أمرت المحكمة بإطلاق سراح إيندور أيضًا للاعتقال المنزليّ.
في يوم 7.8.23 وصلت أفراد شرطة وجنود إلى قرية برقة واعتقلوا خمسة من سكّانها، بذريعة قيامهم بالاعتداء على مستوطنين خلال الحادثة. تمّ إطلاق سراح الخمسة في 10.8.23 بعد إيداع كفالة بقيمة 2,000 شاقل جديد عن كلّ واحد منهم. وفي 12.8.23 و 13.8.23 تمّ استدعاؤهم للتحقيق في محطّة الشرطة في مستوطنة "معاليه أدوميم". بعد أسبوع من اعتقال الخمسة حضر أفراد شرطة وجنود مرّة أخرى إلى برقة واعتقلوا اثنين من سكّانها، وتمّ إطلاق سراحهما هما أيضًا بعد مرور يومين بعد إيداع كفالة بقيمة 2,000 شاقل جديد عن كلّ واحد منهما.
قرية برقة تعاني منذ سنوات طويلة من التجبُّر الشديد من قِبَل السلطات الإسرائيليّة والمستوطنين العنيفين، ويشمل ذلك قيودًا صارمة على الحركة ما يعزلها عن محيطها، ونهبًا واسعًا لأراضيها لصالح مستوطنة "كوخاف يعقوب" والبؤرتين الاستيطانيّتين "مجرون" و"جفعات هييكف"، وخنقًا تخطيطيًّا.
جمع باحث بتسيلم الميدانيّ، إياد حدّاد، إفادات من اثنين من سكّان القرية الذين شاركوا في المواجهات ومن والد قصيّ معطان.
ح. م. قال في 6.8.23:
في يوم الجمعة الموافق 4.8.23 في الساعة 17:30 سافرتُ بسيّارتي مع قصيّ معطان وصديق آخر إلى عين يبرود لشراء لحوم لأنّنا خطّطنا للشواء. نحو الساعة 18:00 سافرنا للقاء نحو ستّة أصدقاء آخرين سبقونا إلى المنطقة التي أردنا التنزّه فيها، على بُعد نحو كيلومتر غربيّ القرية، وكان من المفترض أن يكونوا قد أعدّوا المنقَل. عندما وصلنا شاهدنا مجموعة تضمّ قرابة خمسة مستوطنين على بُعد نحو 500 متر عنّا. قال أصدقاؤنا إنّهم يتجوّلون هناك منذ ربع ساعة. قرّرنا أن يذهب بعض منّا لطردهم.
تقدّمتُ أنا وقصيّ وثلاثة من الأصدقاء نحوهم وعندها رأينا خمسة أشخاص آخرين ملثّمين ظننّا أنّهم فلسطينيّون. بدأنا بمطاردة المستوطنين وفجأةً هاجمنا الملثّمون بالحجارة من مسافة قصيرة، 20-30 مترًا. لم يصيبوا أحدًا منّا وتمكّنا من الهرب. لم أرَ سلاحًا مع أيّ واحد من المستوطنين. عدنا إلى المكان الذي كان أصدقاؤنا فيه وطلبنا تعزيزًا من القرية.
بعد ربع ساعة أصبح اللحم جاهزًا فأكلناه بسرعة، ثمّ ركبنا سيّارتنا واتّجهنا نحو المستوطنين. في الطريق التقينا بشبّان آخرين، وكنّا في المجموع نحو 15 شخصًا في 4 مركبات. عندما وصلنا إلى المستوطنين كان قد أصبح هناك عشرات من شبّان القرية الذين كانوا يواجهون المستوطنين والذين أصبحوا هم أيضًا بالعشرات، وانضممنا إلى المواجهات. كان المستوطنون على بُعد 30-50 مترًا عنّا وانتشروا على مساحة واسعة تبلغ نحو 150-200 متر، وانتشرنا نحن أمامهم. سمعتُ بضع طلقات ناريّة. كان هناك مستوطن مسلّح بمسدّس وآخر مسلّح ببندقيّة. أُطلِق قسم من الرصاصات في اتّجاهنا وقسم آخر في الهواء. كان لدى المستوطنين مصابيح يدويّة ذات إضاءة قويّة واستخدم قسم منهم مقاليع.
في الساعة 20:20 كنتُ خلف أكوام من التراب وكان قصيّ على طريق ترابيّة، على بُعد 10 أمتار إلى يساري وعلى بُعد 50-40 مترًا عن المستوطنين، وكان مكشوفًا بالكامل. سمعتُ 6-5 طلقات واحدةً تلو الأخرى. يبدو ممّا سمعتُه أنّه إطلاق نار ببندقيّة. بعد ذلك سمعتُ شبّانًا كانوا بجانب قصيّ يصرخون بأنّه أصيب. اقتربتُ منهم للمساعدة ورأيتُ أنّه أصيب في عنقه. تحرّك وتحدّث. حمله الشبّان وأخذوه إلى مكان قريب من القرية، إلى مكان تمرّ فيه سيّارات، ومن هناك تمّ إخلاؤه بسيّارة خاصّة إلى مركز فلسطين الطبّيّ في رام الله.
استمرّت المواجهات وفي الساعة 21:00 أطلق المستوطنون النار على شابّ آخر وتمّ إخلاؤه إلى المستشفى. حتّى بعد ذلك استمرّت المواجهات بكامل حدّتها إلى أن أعلنت وزارة الصحّة الفلسطينيّة في الساعة 21:30 أنّ قصيّ استشهد. غادرنا المنطقة جميعًا. لم نشاهد في أيّ مرحلة من مراحل الحادثة أيّ تدخّل للجيش أو للشرطة الإسرائيليّين. لاحقًا سمعتُ أنّهم وصلوا إلى المنطقة في الساعة 22:30، وكان هناك حينها مستوطنون فقط وأعلنوا أنّها منطقة عسكريّة مغلقة وأخرجوا المستوطنين.
أ. م. قال في 6.8.23:
في يوم الجمعة الموافق 4.8.23 في الساعة 19:00 ذهبتُ إلى منطقة عالية في الجبل تقع شمال-غرب قريتنا حيث يتواجد عادةً رعاة أغنام من القرية. قبل ذلك بيومين أو ثلاثة أيّام أقام مستوطنون بؤرة رعي جديدة هناك وبدأوا بمضايقة رعاة الأغنام الذين اضطرّوا إلى المغادرة رغم أنّهم عادةً ما يتواجدون هناك في هذا الموسم. رأيتُ على شبكات التواصل الاجتماعيّ أنّ المستوطنين يتجوّلون مرّة أخرى في المنطقة، فذهبتُ إلى هناك سويّةً مع 10-15 شابًّا آخرين وفي البداية وجدنا خمسة مستوطنين هناك. تقدّمنا إليهم لكي نطردهم. عندما وصلنا إلى مسافة 100-120 مترًا منهم بدأنا بالصراخ عليهم لإخافتهم وإبعادهم لكنّهم لم يهربوا، فألقينا عليهم عن بُعد حجارة لم تصل إليهم. في تلك الأثناء رأيتُ خمسة مستوطنين آخرين، ملثّمين، ينضمّون إلى المجموعة الأولى. فهمتُ لاحقًا أنّه كانت في المنطقة مجموعة أخرى من شبّان القرية، من بينهم قصيّ معطان، لكنّني لم أرَهم، يبدو أنّني وصلتُ بعد أن ابتعدوا. في تلك الأثناء، حضرتْ مجموعات أخرى من المستوطنين، كما حضر المزيد من الفلسطينيّين من القرية، ونشبت مواجهات تراشق بالحجارة بيننا وبين المستوطنين. انتشروا هم على مساحة واسعة على بُعد 20-30 مترًا عنّا، وأحيانًا كانوا يبتعدون حتّى مسافة 60-70 مترًا عنّا.
في الساعة 19:30 رأيتُ سيّارة تويوتا تندر بيضاء وعليها ضوء طوارئ، يبدو أنّها مركبة أمنيّة تابعة لمستوطنة. نزل منها شخصان يرتديان ملابس مدنيّة، وكان أحدهما مسلّحًا ببندقيّة. بعد الحادثة تعرّفت عليه من خلال الصور التي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ. وكان المستوطن الآخر مسلّحًا بمسدّس. بدآ بإطلاق النيران الحيّة، أحيانًا في الهواء وأحيانًا علينا. بدأنا في التراجع شيئًا فشيئًا. ازداد عدد المستوطنين وأصبحوا أكثر من 70 شخصًا خلال أقلّ من نصف ساعة. نحن أيضًا انضمّ إلينا المزيد من الأشخاص وأصبحنا أكثر من 100. في تلك الأثناء كان الظلام قد حلّ، لكن كان لدى المستوطنين من 5-7 مصابيح يدويّة ذات قوّة إنارة عالية تضيء لمسافة كبيرة. حطّموا الزجاج الأماميّ لسيّارة أحد الشبّان وأحرقوا نحو الساعة 19:50 سيّارة شابّ آخر. كان من حسن حظّي أنّي تمكّنت من نقل سيّارتي من هناك إلى مكان قريب في القرية ثمّ عدتُ على الفور إلى المنطقة.
كان الشبّان ما زالوا يواجهون المستوطنين وكانوا يتواجدون في الأساس، حول الطريق الترابيّة وفي الكروم المجاورة لها، وتوزّعوا إلى مجموعات صغيرة انتشرت عرضيًّا مقابل المستوطنين على بُعد نحو 120-150 عنهم، وفعلوا هم نفس الشيء. كانت بيننا وبينهم مساحة مفتوحة ومكشوفة، ومن حين إلى آخر كانوا يطلقون النار.
نحو الساعة 20:00 حضر قصيّ مع مجموعة من الأصدقاء. علمتُ لاحقًا بأنّهم كانوا في المنطقة قبلَنا وكانوا يشوون اللحوم في أحد الكروم القريبة. عندما وصلوا انضمّوا إلى المواجهات مع المستوطنين. في الساعة 20:20 سمعتُ 5-6 طلقات ناريّة، يبدو لي أنّها أطلقتْ ببندقيّة. بعد ذلك سمعتُ الشبّان يصرخون بأنّ قصيّ أصيب وبأنّهم بحاجة إلى سيّارة، لكن لم تكن هناك سيّارات في المنطقة لأنّنا قمنا بإخلائها خوفًا من أن يدمّرها المستوطنون.
حمل الشبّان قصيّ وركضتُ أنا أمامهم باتّجاه الطريق المعبَّدة التي يمكن أن تصل إليها سيّارات، على بُعد نحو 300 متر. كان هناك تندر لشابّ ليس لديه رخصة قيادة. ركبتُ فيه وقام الشبّان بإدخال قصيّ إلى المقعد الخلفيّ. كان والده وشقيقه وعمّه قد وصلوا للتوّ إلى هناك وجلسوا هم أيضًا على المقعد الخلفيّ للسيّارة وجلس بجانبي شابّان آخران. خرجنا من هناك في الساعة 20:25 باتّجاه دير دبوان. في الطريق لم يتحرّك قصيّ لكنّه كان لا يزال يتنفّس. أخذت أنفاسه تضعف تدريجيًّا. أصيب في جانب رقبته، لكنّه بالكاد نزف من هناك. كان ينزف في الأساس من جانب جسمه وحاول أحد الشبّان تضميد جروحه ووقف النزيف بالاستعانة بقميص.
في الطريق استدعينا سيّارة إسعاف وقد التقت بنا عند حاجز الـ DCO وأخذت قصيّ إلى مركز فلسطين الطبّيّ. سافرنا خلفها ووصلنا إلى هناك نحو الساعة 21:00. أدخل الأطبّاء قصيّ إلى قسم العناية المكثّفة وحاولوا إجراء عمليّة إنعاش له لمدّة 20 دقيقة تقريبًا، لكنّهم لم ينجحوا، ثمّ أعلنوا أنّه استشهد.
عندما كنّا في المستشفى وصل إلى هناك ثلاثة جرحى آخرون من القرية. أصيب أحدهم في ركبته برصاص مستوطن، وعانى الاثنان الآخران من جروح وكدمات من جرّاء الحجارة التي أصيبا بها.
جمال معطان (51 عامًا)، أب لسبعة، قال في 10.8.23:
ترك قصيّ المدرسة العام الماضي ولم يكمل دراسته الثانويّة. بدأ بالعمل في مصنع للمكسَّرات تابع لأشخاص من القرية، وكان يتنقّل باستمرار بين رام الله والقرية من أجل العمل. مثل كلّ الشبّان، أراد توفير المال وبناء شقّة لنفسه لكي يتمكّن من الزواج.
كانت المرّة الأخيرة التي رأيتُه فيها في يوم الجمعة، 4.8.23، الذي قُتل فيه، في الساعة 17:30. قدِم إليه أصدقاؤه الذين جاءوا لأخذه إلى النزهة في الجبل. ارتدى ملابسه وخرج معهم. لم أكن أعلم بأنّ هذه ستكون المرّة الأخيرة التي أراه أو أتحدّث معه فيها.
في المساء بدأت تتدفّق الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ حول هجوم للمستوطنين على أراضي القرية من الجهة الشماليّة-الغربيّة. كتبوا أنّ شبّان القرية يصدّونهم. وفي الساعة 20:00 أو قبل ذلك بقليل، لا أذكر بالضبط، بدأت أسمع نداءات للسكّان للخروج والدفاع عن القرية عبر مكبّرات الصوت في المساجد. ذهبتُ إلى هناك ووصلت إلى المنطقة نحو الساعة 20:20. في الطريق التقيتُ ببعض السكّان الآخرين وتقدّمنا صاعدين إلى هناك في الطلعة ثمّ رأيتُ بعض الشبّان يسيرون بسرعة ويحملون جريحًا. قالوا إنّ المستوطنين أطلقوا النار عليه، وفي الظلام لم أتمكّن من رؤيته. سألتُ مَن هو فقالوا لي إنّه من عائلة أبو الحلاوة. أحيانًا يُطلق على عائلتي هذا الاسم، لكن في البداية لم أستوعب ذلك وتقدّمتُ بضعة أمتار أخرى، ثمّ قال لي أحد الشبّان إنّه قصيّ. هو لم يتعرّف عليّ من قبل بسبب الظلام. هاجت كلّ الأفكار في رأسي وفجأةً شعرتُ بخوف شديد. ركضت خلف الشبّان للاطمئنان على وضع قصيّ. وصلتُ إليهم في اللحظة الأخيرة، بالضبط عندما أدخلوه في سيّارة مدنيّة، وصعدتُ معهم. اكتشفتُ أنّ ابني حسن (26 عامًا) وأخي عمّار (40 عامًا) كانا هناك. مدّدنا قصيّ على رُكَبِنا في المقعد الخلفيّ وكان في المقعد الأماميّ شابّان بجانب السائق.
خرجنا من هناك في الساعة 20:30 واتّصل الشبّان بالهلال الأحمر لكي يُلاقينا. في البداية كان قصيّ يقظًا، لكنّه كان بالكاد يتنفّس. من حين إلى آخر كنتُ أسمع تنهّدات ضعيفة وغرغرة متقطّعة. لم يتحرّك وبدأت عيناه تنقلبان إلى الوراء. فتحتُ له قميصه في منطقة صدره لأسهّل عليه التنفّس. لم أعرف أين أصيب ولم أرَ سوى ثقب صغير في رقبته لكنّه لم يكن ينزف منه. كان ينزف من خلف الكتف اليمنى أو من الخصر الأيمن. وضع الشبّاب قميصًا في الأسفل لوقف النزيف، لكن لم يعرف أحد منّا كيف يقدّم له الإسعاف الأوّليّ حقًّا. حاولنا طوال الطريق التحدّث مع قصيّ لإبقائه يقظًا، لكنّنا لم ننجح. بعد 15-20 دقيقة وصلنا إلى منطقة الـ DCOوهناك نقلناه إلى سيّارة الإسعاف التي توجّهتْ على الفور إلى مركز فلسطين الطبّيّ. سافرتُ أنا والأشخاص الآخرون بالسيّارة خلفها.
وصل قصيّ إلى المستشفى وكان قد فارق الحياة. حاولت الطواقم الطبّيّة إنعاشه إلّا أنّها أعلنتْ وفاته في النهاية. ودّعتُه عندما أخذوا جثمانه إلى التصوير المقطعيّ المحوسب (سي. تي.) لغرض توثيق الإصابة. بعد ظهر اليوم التالي قمنا بدفن قصيّ في جنازة مهيبة. أوكل أمري لله وأقول حسبي الله ونعم الوكيل.
سيَحكي لكم أصدقاء قصيّ وسكّان القرية أنّه كان وسيمًا ومحبوبًا من الجميع. كان يتّفق مع الجميع وكان سعيدًا دائمًا بتقديم المساعدة. كان لديه أصدقاء كثيرون وكان يحبّ ركوب الخيل والتنزّه في الطبيعة. لم تكن لديه طموحات كبيرة. مثل غيره من شبّان القرية، كان يريد أن يتزوّج وأن يكون لديه بيت خاصّ به. لكنّه بدلًا من ذلك أصبح شهيدًا. انشاء الله مع الشهداء والأنبياء والصدّيقين.
سمعتُ أنّ الشرطة الإسرائيليّة اعتقلت مستوطنَين اثنين، وأنّ أحدهما يعرفه سكّان القرية بأنّه شخص يثير القلاقل ويعتدي على الناس. اسمه إليشع ييرد. ليس هناك أيّ احتمال في أن ينالا العقاب الذي يستحقّانه. أنا متأكّد من أنّهم سيجدون ذريعة لإطلاق سراحهما، كما يحدث دائمًا مع أولئك الذين يرتكبون جرائم ضدّ الفلسطينيّين. أوكل أمري لله أن يعاقبهما وينتقم لابني. أقول فقط: حسبي الله ونعم الوكيل.