خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
نيران أشعلها المستوطنون في القرية. صورة قدّمها السكان مشكورين
في يوم الإثنين المُوافق 17.11.2025، بعد أن أخلى الجيش، في خطوة استثنائيّة، واحدة من نحو 350 بؤرة استيطانيّة أقامتها إسرائيل في أنحاء الضفة الغربيّة، شنّ المستوطنون - كما هو متوقّع - هجمات عنيفة على البلدات الفلسطينيّة.
قرابة السّاعة 17:50 - 18:00 دهم عشرات المستوطنين، معظمهم ملثّمون، قرية الجبعة الواقعة غربَ بيت لحم. وصل المستوطنون إلى القرية من جهة الغرب وصعدوا من ناحية شارع 367 المؤدّي غرباً، إلى "الخطّ الأخضر". خلال الأحداث، هاجم المستوطنون ما لا يقلّ عن خمسة منازل مأهولة ورشقوا المنازل والمركبات بالحجارة وأصابوا طفلة (سنة ونصف السنة) في وجهها بحجر رموه على السيارة التي أتت فيها الطفلة إلى منزل جدّتها.
حطّم المستوطنون بالحجارة زجاج نوافذ منازل وألقوا في داخلها زجاجات حارقة اندلعت جرّاءها حرائق في أربعة منها وتمكّن السكّان من إخماد النيران بأنفسهم. كذلك، أحرق المستوطنون في باحة أحد هذه المنازل ثلاث كنبات وكرسيّاً خشبيّاً وملابس كانت معلّقة على حبل الغسيل. كما أشعل المستوطنون أيضاً النيران في خمس سيّارات، احترقت ثلاث منها تماماً، وتضرّرت اثنتان بشكل جزئي، وأتلفوا بالحجارة ثلاث سيارات أخرى. إضافة إلى ذلك، ألحق المستوطنون أضرارًا بكاميرات مُراقبة مركّبة على أحد المنازل وخطّوا بمرشّ دهان عبارة "المعتقلون يسلّمون عليكم".
أثناء مهاجمة المنازل أبلغ المستوطنون السكّان بأنّ عليهم مغادرة منازلهم والقرية برمّتها وتوعّدوهم بالعودة وحرق المنازل إذا لم يفعلوا ذلك. حاول المستوطنون اقتحام أحد المنازل وهدّدوا العائلة بأنها سوف تلقى مصير عائلة دوابشة، من قرية دوما، التي أحرقها المستوطنون حتى الموت قبل عشر سنوات.
فقط قرابة السّاعة 21:30 ليلاً، حضرت إلى القرية قوات من الجيش والشرطة الإسرائيليين وسجلت إفادات من السكان.
سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إفادات بعض سكان الجبعة في 18.11.25:
سالم مشاعلة (26 عاماً)، مدرّس للّغة الانجليزيّة، قال:
الصورة
مستوطنون في القرية خلال الهجوم. من شريط فيديو توثيقيّ قدّمه السكان مشكورين
في يوم الإثنين، عند السّاعة 17:45 تقريباً، وصلت إلى منزل والديّ مع شقيقتي أماني (34 عاماً) وابنتيها يافا (4 سنوات) وسما (سنة ونصف)، لكي نحتفل بعيد ميلاد والدتي. عندما دخلنا بالسيّارة إلى ساحة منزل والديّ وتوقّفنا صُدمتُ لمرأى أشخاص ملثمين يركضون خلف سيّارتنا ويرشقونها بالحجارة. لم أفهم ما الذي يجري ومن هم هؤلاء أصلاً. أخذت شقيقتي وابنتاها تبكيان وتصرخان، وحين حاولت الخروج من السيّارة شدّتني شقيقتي من الخلف لتمنعني، لأنّها خافت أن يعتدي عليّ هؤلاء الأشخاص الذين تبيّن لاحقاً أنّهم مستوطنون.
حطّمت الحجارة التي ألقاها المستوطنون نحونا زجاج السيّارة، وأصاب حجر منها الطفلة سما في خدّها الأيسر الذي تورّم نتيجة لذلك. وأصبتُ أنا بحجر في كتفي وما زلت أشعر بألم حتى الآن. الحمد لله أنّه لم يلحق ضرر بشقيقتي وابنتها يافا (4 سنوات).
الصورة
جُملة "المعتقلون يسلّمون عليكم"، بالعبريّة، كما خطّها المستوطنون بمرشّ على حائط في القرية
استمرّ الهجوم نحو 5 دقائق. عندما خرجت من السيّارة شاهدتُ النيران مشتعلة في سيّارة أحد أشقائي، وكذلك في سيّارة صهري. تمكنت مع أفراد عائلتي من إخماد النيران في السيارتين، اللّتين تضرّرتا من الخارج.
"ع. م." (50 عاماً):
كنت في المطبخ مع صُغرى بناتي البالغة من العُمر 15 عاماً. فجأة سمعنا حجارة ترتطم بالمنزل من الخارج، من ناحية الشرفة المكشوفة، وهي بلا نوافذ. أخذنا نصرخ ونبكي أنا وابنتي. اتّصلت بزوجي، إبراهيم، لكي أبلغه بما يجري. قالت لي ابنتي أنّ النيران تشتعل في بيت الدرج لأنّ المستوطنين ألقوا زجاجة حارقة، ولكن لله الحمد لم تكن هناك موادّ قابلة للاشتعال فتمكّنت من السيطرة على النيران وإخمادها. كما أحرق المستوطنون أيضًا ثلاث كنبات وكرسيّاً خشبيّاً كانت خارج المنزل. ورأيت النيران تشتعل في ثلاث سيّارات متوقّفة أمام المنزل، سيّارة إبراهيم زوجي، سيّارة أخيه موسى المقيم في جوارنا، وسيّارة ابن أخت زوجي. في تقديري، كان هناك بضع عشرات من المستوطنين وقد استمرّ هجومهم علينا 10-20 دقيقة.
سارة أبو لوحة (55 عاماً):
في يوم الإثنين، نحو السّاعة 17.30، بينما كنت في المنزل مع كنّتي فاطمة وأربعة من أحفادي، سمعت صوت خبط وضجيج في الخارج وشاهدت على شاشات كاميرات المُراقبة الخاصة بنا بضع عشرات من الأشخاص الملثمين في ساحة المنزل المجاور، منزل سلفي إبراهيم. رشّوا مادّة ما على سيّارة إبراهيم وسيّارة زوجي، موسى، وسيّارة ابن أخته المُقيم في القدس. خفنا كثيراً عندما رأينا هذا المشهد. بعد ذلك ألقى المستوطنون زجاجة حارقة على نافذة غرفة الاستقبال في منزلي فسقطت في داخل الصّالون. قمنا أنا وفاطمة بإخماد النار فوراً بواسطة المياه. استمرّ الهجوم نحو 15 دقيقة.
قبل الهُجوم بوقت قصير خرجت من منزلي كنّة أخرى لي، تُدعى أيضاً فاطمة، وذهبت لبُرهة قصيرة إلى منزلها المجاور لمنزلنا لكي تجلب بعض الأغراض لأولادها.
فاطمة حماد (25 عاماً)، أمّ لولدين:
في يوم الإثنين، نحو السّاعة 17.30، خرجت من منزل حماتي، سارة، إلى منزلنا لكي أجلب بعض الأغراض لطفليّ البالغين من العُمر سنتين وثلاث سنوات. عندما كنت على وشك الرّجوع إلى منزل حماتي سمعت صوت تحطّم زجاج باب المدخل الرئيسيّ في منزلنا. رأيت شخصاً ملثّماً يتحرّك وراء الباب في الخارج. تملّكني الرّعب وذهبت لأختبئ في غرفة النوم، لكن عندما وصلت رأيت أربعة أشخاص ملثّمين اتّضح لاحقاً أنّهم مستوطنون يخطّون بمرشّ كتابة أو رسماً على زجاج نافذة غرفة نومي. صرخت وأجهشت بالبكاء عندما رأيت النار تشتعل في النافذة.
بعد ذلك غادر هؤلاء الأشخاص المكان، لكنّني خفت أن أرجع إلى منزل حماتي خشية أن يكونوا مختبئين حول المنزل. بعد نحو 15 دقيقة سمعت أناساً يقولون إنّ المستوطنين قد نزلوا إلى الحارة التحتا لكي يهاجموا منازل أخرى بالحجارة. شعرت ببعض الرّاحة لأنّهم ابتعدوا وعندئذٍ رجعت إلى منزل حماتي. عندما وصلت وجدت حبل الغسيل قبالة المنزل يحترق حيث أحرق المستوطنون الملابس التي جفّت على الحبل بعد أن نشرتها حماتي من قبل.
أحلام عدوي (51 عاماً)، أمّ لثلاثة:
في يوم الإثنين، نحو السّاعة 17.30، عندما كنت في المنزل مع زوجي وأولادي الثلاثة المتراوحة أعمارهم بين 14 و16 عاماً سمعت خبط حجارة على منزلنا. عندما نظرت عبر زجاج نافذة باب المدخل شاهدت أربعة أشخاص يحملون الحجارة والعصيّ ويرشقون المنزل بالحجارة. كذلك ألقوا عبر النافذة زجاجة حارقة إلى داخل غرفة اغلاستقبال فاشتعلت النيران داخل المنزل فأسرعنا نسكب عليها الماء حتى انطفأت.
كنا جميعاً مذعورين ومضغوطين، خاصّة بعد أن شاهدت المستوطنين يحطّمون زجاج نافذة الباب بحجر وأحدهم يدخل يده عبر النافذة ويحاول أن يفتح مزلاج الباب الحديديّ. أخذ ابني (14 عاماً) المفتاح المعلّق على الحائط وأقفل الباب. عندئذٍ سكب المستوطن البنزين على يد ابني، عبر نافذة الباب.
بعد ذلك أطلّ علينا مستوطن آخر من نافذة الغرفة التي كنّا جالسين فيها وقال لنا، بالعربيّة: "لقد نجوتم في هذه المرّة. في المرّة القادمة سوف نحرقكم مثل عائلة دوابشة".
وفاء بحر (32 عاماً)، أمّ لولدين:
في عصر يوم الإثنين، حين كنت في المنزل مع أولادي وشقيقة زوجي، وهي طالبة في المرحلة الثانويّة، سمعت خبط حجارة على جدران المنزل، ثمّ رأيت شخصاً ملثّماً يطلّ من نافذة بيت الدرج. قال لي، بالعربيّة: "هذه جولة أولى. في المرّة القادمة سنعود ونحرق لكم المنزل! لن ندعكم تعيشون هُنا بأمان!".
سمعت صوت صافرة إنذار، يشبه صافرة سيّارات الشرطة، وعندئذٍ فرّ المستوطنون لظنّهم أنّ الشرطة قادمة. ولكن تبيّن لاحقاً أنّ شخصاً من أهالي القرية شغّل تسجيل صوت صافرة. استمرّ الهجوم 10-15 دقيقة، وبعد أن غادر المستوطنون تبيّن أنّهم حطّموا بالحجارة زجاج ثلاث نوافذ في غرفة الاستقبال وبيت الدرج وكسروا كاميرات مراقبة مركّبة حول المنزل.