خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
نظرة من القرية إلى الأراضي الزراعيّة والشارع الأمنيّ. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم
في 15.10.24 أعلن مجلس محلّي قرية فقّوعة أنّ مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ يسمح لسكان سكان ابتداءً من اليوم التالي بأن يتوجّهوا إلى أراضيهم الممتدّة بين القرية والجدار الفاصل. وقد نوّه الإعلان أنّ على المزارعين البقاء بعيدين مسافة 100 متر عن الجدار، رغم أنّه لم تصدر أوامر إغلاق للأراضي المحاذية له. وقد أكّدت جهة أمنيّة أمام صحيفة "هآرتس" أنّ "أعمال قطاف الزيتون في هذه المنطقة لا تتطلّب من الفلسطينيّين إجراء تنسيق، غير أنّهم قد نُصحوا بالتبليغ مسبقاً عند الاقتراب من الجدار".
الصورة
حنان أبو سلامة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في صباح يوم الخميس المُوافق 17.10.24 خرج أفراد عائلة أبو سلامة لقطف الزيتون في أراضيهم الواقعة شرقيّ القرية. كان أوّل المتوجّهين إلى تلك الأراضي، حنان أبو سلامة (59 عاماً) وزوجها حسام (66 عاماً)، وذلك نحو السّاعة 7:30 صباحاً. بعد ذلك بقليل وصل ابنهما فارس (40 عاماً) ومعه عامل أجير لمُساعدتهم في القطاف. غير أنّه بعد وقت قصير من بدء أعمال القطاف جاءت إلى الشارع الأمنيّ التابع للجدار مركبة عسكريّة ثمّ خرج منها جنديّ وأطلق الرّصاص في الهواء. في ذلك الوقت كان أفراد العائلة في جزء من أرضهم يبعد عن الجدار مسافة تقارب 150 متراً، ومع ذلك فسّروا إطلاق الرّصاص على أنّه تحذير لهُم فانتقلوا إلى جزء من الأرض يبعد مسافة نحو 200 متر عن الجدار.
في مُوازاة ذلك، كانت في تلك الجهة من أراضي القرية عائلتان أخريان تقطفان ثمار الزيتون، إحداهُما عائلة مصطفى أبو سلامة، أقرباء حسام وحنان، وكانوا يقطفون الثمار في كرم زيتون يبعد عنهما مسافة تقارب 350 متراً. في البداية كانت عائلة مصطفى أبو سلامة تقطف الزيتون في كرم يبعد عن الجدار مسافة 70-80 متراً، ثمّ جاء جنود عند السّاعة 9:00 وأطلقوا نحوهم قنبلة غاز مُسيل للدّموع. بعد ذلك انتقلت العائلة لقطف الزيتون عن أشجار تبعد أكثر من 100 عن الجدار.
استمرّت حنان وحسام وفارس أبو سلامة والعامل الأجير الذي معهُم في أعمال القطاف طوال ساعتين على مسافة من الجدار تُقارب 200 متر. نحو السّاعة 10:30 جاءت مركبة عسكريّة إلى "الشارع الأمنيّ" المُحاذي للجدار، خرج منها جنديّ وأخذ يُطلق النار نحوهم دون أيّ إنذار مُسبق. فرّ القاطفون الأربعة في اتّجاه التراكتور الذي كانوا قد أوقفوه في مكان أبعد عن الجدار. كانت حنان قد وصلت الأولى إلى التراكتور، ولكن حين التفتت إلى الوراء أصيبت برصاص الجنديّ في الجزء العلويّ من جسمها ثمّ تهاوت وسقطت أرضاً.
قام حسام وفارس أبو سلامة بإخلاء حنان في سيّارة فارس، وفي الطريق نقلوها إلى سيّارة إسعاف انطلقت بها إلى مستشفى ابن سينا في جنين، وهناك أقرّ الأطبّاء وفاتها.
أفادت تقارير نشرتها وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيق في الشرطة العسكريّة قد فتحت ملفّ تحقيق في أعقاب الحادثة وأنّ قائدة الكتيبة، التي أشرفت على القوّة، قد أبعدت عن وظيفتها إلى حين استكمال التحقيق. إضافة إلى ذلك، نشرت وسائل الإعلام أنّه في صباح اليوم التالي على مقتل حنان أبو سلامة، نشر قائد الفرقة تعليمات جديدة بشأن تعليمات إطلاق النار أثناء قطف الزيتون، تمنع إطلاق النار نحو قاطفي الزيتون.
غير أنّ تجربة الماضي تفيد بأنّ هذا التحقيق أيضاً سوف ينتهي دون اتّخاذ أيّة إجراءات، وأنّه لن يحقّق العدالة لحنان أبو سلامة وعائلتها إذ أن الغاية منه هي فقط إضفاء الشرعيّة على الاستمرار في تطبيق سياسة إطلاق النيران الفتّاكة نحو الفلسطينيّين.
الصورة
اضغطوا للتكبير
خلفيّة
تقع قرية فقّوعة شمالي شرق مدينة جنين، عاصمة محافظة جنين، ويبلغ عدد سكّانها نحو 4,500 نسمة. في العام 1948 فقدت القرية أكثر من نصف أراضيها التاريخيّة، إذ بقيت هذه في الجانب الآخر من "الخطّ الأخضر". وفي إطار بناء الجدار الفاصل سلبت إسرائيل من سكان القرية أراضي إضافيّة تبلغ مساحتها مئات الدونمات. معظم ما تبقّى للقرية من أراضٍ يمتدّ اليوم جنوبيّ وشرقيّ القرية، إضافة إلى شريط ضيّق من الأراضي المفلوحة يقع غربيّ القرية ويُحاذي مسار جدار الفصل. في موسم قطف الزيتون الفائت، الذي حلّ مع بداية الحرب في غزّة، خشي المُزارعون المجيء إلى الأراضي المُحاذية للجدار ولم يقطفوا زيتونهم هناك.
باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي سجّل الإفادات التالية:
ابن حنان، فارس أبو سلامة (40 عاماً)، أب لولدين، أدلى بإفادته في 29.10.24 قائلاً:
في 15.10.24، بعد أن أعلن المجلس المحليّ أنّ الجيش يسمح لنا بدخول أراضينا وقطف ثمار الزيتون ابتداءً من 16.10.24، قرّر والدي أن نباشر أعمال القطاف في يوم الخميس الموافق 17.10.24.
توجّه والدي ووالدتي إلى الأرض على "التراكتور" خاصّتهما نحو السّابعة والنصف صباحاً، وتوجّهت أنا لكي أصطحب العامل الأجير الذي اتّفقنا معه أن يساعدنا في القطاف، ثمّ وصلنا معاً إلى الأرض بعد والديّ بعشر دقائق تقريباً. بدأنا القطاف في قطعة أرض تبعد عن الجدار أكثر من 150 متراً، لأنّنا أُبلغنا أنّ السلطات الإسرائيليّة أوعزت أنّ علينا البقاء بعيدين مسافة 100 متر عن الشارع المحاذي للجدار.
نحو الثامنة صباحاً شاهدنا مركبة "جيب" بيضاء آتية، ثمّ رأيناها تتوقّف على الشارع المُحاذي للجدار، قبالتنا، وتُطلق منها رصاصتان في الهواء. فهمنا من ذلك أنّهم يحذّروننا كي لا نقترب من الجدار، ولذلك ابتعدنا أكثر وبدأنا في قطف الثمار عن أشجار تبعد أكثر من 200 متر عن الشارع المحاذي للجدار - لكي نتجنّب المشاكل مع الجيش.
واصلنا أعمال القطف هناك حتى السّاعة 10:30 تقريباً، ثمّ جاءت مركبة "تندر" بيضاء، توقّفت وترجّل منها أربعة جُنود. أحد الجنود راح يُطلق الرّصاص طوال دقيقتين تقريباً. أظنّ أنّه أطلق هناك 15-20 رصاصة. إزاء ذلك، هربنا في اتّجاه "التراكتور" خاصّتنا، وقد كانت والدتي أوّل من ركض نحوه، لأنّها كانت خائفة جدّاً. فجأة سمعت والدتي تصرخ "لقد أطلقوا لنار عليّ! لقد أصابوني!"، ثمّ وقعت أرضاً.
زوج حنان، حسام أبو سلامة (66 عاماً)، أب لسبعة، أدلى بإفادته في 19.10.24 قائلاً:
قطفنا الزيتون أنا وزوجتي وابني والعامل الأجير حتى السّاعة 10:30 تقريباً، ثمّ فجأة جاء أربعة جُنود في مركبة "تندر" بيضاء. خرج الجنود من المركبة وأخذ جنديّ منهُم يُطلق النار نحونا دون أيّ إنذار مُسبق ودون أيّ داعٍ. لذنا بالفرار لكي لا يُصبنا الرّصاص.
كانت زوجتي حنان خائفة جدّاً، وقد ركضت قبلنا جميعاً في اتّجاه "التراكتور" خاصّتنا، وكنّا قد أوقفناه عند مدخل الكرْم على بُعد نحو 250 متراً من جدار الفصل الذي كان الجنود يقفون قربه. فجأة صرخت حنان "لقد أصبت! لقد أصبت"، ثمّ وقعت أرضاً. عندما أصيبت زوجتي وصرختْ شاهدت دماءها تنزف من منطقة الصدر. حين وصلنا إليها كانت تتصعّب في التنفّس والكلام. فوراً حملناها، أنا وفارس، وأدخلناها إلى سيّارة فارس ثمّ انطلقنا نحو المستشفى. في الطريق استدعينا سيّارة إسعاف فلسطينيّة، التقينا بها قرب مفترق قرية دير أبو ضعيف، وهناك قام طاقم المُسعفين بنقل حنان إلى سيّارة الإسعاف. عندما نظرت إليها أدركت أنّها تلفظ أنفاسها الأخيرة. وفعلاً، فارقت حنان الحياة قبل أن نصل إلى مستشفى ابن سينا في جنين.
لم يكن هناك أيّ سبب يبرّر ما حدث لزوجتي. كلّ ما في الأمر أنّ الجنود كانوا يريدون الانتقام وقتل فلسطينيّين. لم تحدث في الأراضي من حولنا أيّة عمليّات مقاومة أو مواجهات. كان المُزارعون داخل كُرومهم منهمكين في أعمال القطاف ومعنيّين باستغلال كلّ لحظة في قطف ثمار الزيتون، لأنّ المُزارعين في السنة الماضية، ومنذ أن بدأت الحرب على قطاع غزّة، خافوا الوُصول إلى أراضيهم المُحاذية للجدار.
مصطفى أبو سلامة (62 عاماً)، أب لخمسة، أدلى بإفادته في 19.10.24 قائلاً:
عندما أبلغونا أنّه يمكننا الخروج لقطاف الزيتون اتّفقت مع أقاربي المقيمين في جوارنا أن نذهب للقطاف في وقت واحد لكي نستغلّ الوقت كلّه الذي خصّصوه لنا ونُنجز أعمال القطاف بأسرع وقت ممكن. توجّهت إلى أرضنا مع زوجتي وابني، وبدأنا نعمل هناك نحو السّاعة 8:15 صباحاً. عند السّاعة 9:00، حين كنّا منهمكين في قطف ثمار الزيتون على بُعد نحو 70-80 متراً عن الشارع المُحاذي للجدار، شاهدت مركبة بيضاء تسير عليه وتتوقّف. بعد ذلك ألقى جنديّ نحونا، من داخل المركبة، قنبلة غاز مُسيل للدّموع، لكنّ الغاز لم يصل إلينا. فهمت من ذلك أنّ الأفضل لنا الابتعاد أكثر عن هذا الشارع، ومن ثمّ انتقلنا لقطف الزيتون عن أشجار تبعد عن الجدار أكثر من 100 متر.
نحو السّاعة 10:30 صباحاً سمعنا فجأة إطلاق نار استمرّ دقيقتين تقريباً. خفنا على حياتنا وقرّرنا العودة إلى المنزل. بعد أن ابتعدنا عن المنطقة علمنا أنّ النيران أطلقت نحو أقاربنا، الذين كانوا يقطفون ثمار الزيتون في أرضهم التي تبعد أكثر من 200 متر عن الشارع المُحاذي للجدار، على مسافة نحو 350 مترًا من المكان الذي كنّا نحن فيه.
فور مغادرتنا المنطقة سمعت أنّ الرّصاص أصاب قريبتنا حنان أبو سلامة في منطقة الصّدر، وقد شاهدت سيّارة ابنها تنطلق من هناك مُسرعة حين أخلوها إلى المستشفى، وكذلك شاهدت مركبة "تندر" بيضاء فيها أربعة جنود بجانب الجدار.
لم تتواجد في تلك المنطقة سوى ثلاث عائلات: عائلتي وعائلتا أبناء عمومتي؛ ولم تحدث هناك أيّة أعمال مقاومة أو أي نوع من الاستفزازات؛ وكان جميع المزارعين معنيّين فقط بإنجاز قطف زيتونهم بأسرع ما يُمكن.