خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
راس التين، محافظة رام الله: مستوطنون مسلحون بالعصي يقتحمون خيمة عائلية، يعتدون على أفراد العائلة ويشجّون جمجمة الأم. الجيش يعتقل عدداً من أبناء العائلة الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم
هاجر كعابنة في المستشفى. تصوير: إياد حداد، بتسيلم.
في يوم الثلاثاء الموافق 14.6.22 نحو الساعة 19:30 حضر إلى تجمع راس التين نحو عشرة مستوطنين ملثمين ومسلحين بالهراوات والعصي، على متن أربع سيارات. اقتحم المستوطنون إحدى الخيام التابعة لعائلة كعابنة الموسعة التي تعدّ 13 نفراً وكانت قد انتقلت إلى السكن في التجمع في العام 2019. ثم انهال المستوطنون بالضرب على رب العائلة، مصطفى كعابنة (46 عاماً) وزجته هاجر (48 عاماً). هرب بعض أفراد العائلة من الخيمة بينما بدأ الأبناء البالغون الثلاثة، ياسر (25 عاماً) وأحمد (23 عاماً) ومحمد (22 عاماً) برشق المستوطنين بالحجارة في محاولة لطردهم من الخيمة. لكن المستوطنين ردوا برشق الحجارة وبرش غاز الفلفل على وجه مصطفى كعابنة ثم ضربوا زوجته بهراوة على رأسها. بعد ذلك، ضرب أحد المستوطنين هاجر كعابنة بالعصا على ذراعها ورأسها فشجّ جمجمتها. في تلك الأثناء، حضر إلى التجمع عدد من الجنود الذين قاموا بمساعدة الجنود ومساندتهم فأطلقوا النار في الهواء وطاردوا أحمد ومحمد كعابة حتى أمسكوا بهما فقيدوا أيديهما وغطّوا أعينهما واقتادوهما إلى سيارة الجيب العسكرية.
بعد مغادرة المستوطنين والجنود المكان، نقل أبناء العائلة مصطفى وهاجر كعابنة إلى عيادتين في قريتي سلواد وترمسعيا ومن هناك نقلوهما إلى مركز فلسطين الطبي في رام الله. أخضِعت هاجر، التي أصيبت بنزيف داخل الجمجمة، لعملية جراحية استمرت نحو ثلاث ساعات ثم نُقلت إلى قسم العناية المشددة. في يوم الخميس الموافق 16.6.22، نُقلت هاجر إلى قسم الجراحة العامة ثم بعد ذلك بأسبوع تم إخلاء سبيلها إلى منزلها. أما مصطفى كعابنة فقد أخضع لفحوصات طبية وتم تضميد رأسه ثم أخلي سبيله إلى منزله في ساعات الليل مع وصفة لتناول مسكنات للأوجاع.
بعد عودته إلى منزله، اقتحم عدد من الجنود المنزل في حوالي الساعة 4:00 قبل الفجر، اعتقلوه وقيدوا يديه وغطوا عينيه ثم اقتادوه إلى معسكر الجيش في "بيت إيل". هناك، أجرى طبيب عسكري فحصاً لمصطفى كعابنة الذي روى له عن الاعتداء الذي تعرضوا له، لكن الطبيب تجاهل حديثه ولم يعره أي اهتمام. من هناك، اقتيد مصطفى، وهو مقيد اليدين ومغمض العينين ودون أي اهتمام بوضعه الصحي، إلى محطة شرطة "بنيامين" حيث جرى التحقيق معه طوال نحو ثلاث ساعات. خلال التحقيق، وجه له المحقق تهمة الاعتداء على المستوطنين وبانتهاء التحقيق اقتيد مصطفى سوية مع ابنيه أحمد ومحمد إلى سجن "عوفر" حيث تم حبسهم هناك. خلال النظر في قضيتهم في المحكمة العسكرية في "معسكر عوفر" يوم الخميس 16.6.22، اقترح القاضي الإفراج عن الثلاثة بكفالة مالية مقدارها 3,000 شيكل عن كل واحد منهم.
الصورة
خيمة عائلة كعابنة، راس التين. تصوير: عميرة هَس، هآرتس.
ياسر كعابنة (25 عاماً) روى في إفادته أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حداد يوم 16.6.22 عن الاعتداء على عائلته:
في يوم الثلاثاء الموافق 14.6.22 نحو الساعة 19:30 كنا نجلس جميعنا في منازلنا في المزرعة، باستثناء شقيقي عيد الذي لم يكن قد عاد من العمل. فجأة، اقتحمت المزرعة مجموعة من عشرة مستوطنين تقريباً على متن 4 سيارات. تقدم المستوطنون نحو خيامنا وكان بعضهم ملثماً ويحمل العصي والهراوات.
حاول والدي الوقوف في طريقهم والاستفسار عمّا يفعلون فاعتدوا عليه قبل أن ينهي جملة واحدة. ضربوه بالعصي. وحين حاولت والدتي التدخل، ضربوها هي أيضاً. تصرفوا مثل الوحوش وضربوا كل من وجدوه في طريقهم. حاولنا، أنا وأشقائي البالغين، مساعدة والدي ووالدتي فيما هرب النساء والأولاد وابتعدوا عن المكان. حاولنا صد المستوطنين ورشقناهم بالحجارة فردوا هم أيضاً برشقنا بالحجارة وبكل ما طالته أيديهم. رأيتُ أحد المستوطنين يهجم على والدتي ويضربها على رأسها من الخلف وعلى ذراعها بهراوة غليظة. صرخت والدتي وحاولت تخليص نفسها من بين يديه لكنه واصل ضربها. حاولت الدفاع عنها ونجحت في النهاية في إبعاده عنها. حاول أحد المستوطنين رش رذاذ الفلفل في عينيّ والدي.
بعد دقائق معدودة من بدء اعتداء المستوطنين علينا، وصلت سيارة "جيب" عسكرية. أمُلنا في أن يقوم الجنود بإبعاد المستوطنين لكن سرعان ما تبين أنهم أتوا لمساعدتهم. فقد لاحقوا شقيقيّ محمد وأحمد وأطلق أحدهم النار في الهواء لإخافتهما. ثم أمسكوا بهما فقيّدوا أيديهم خلف ظهريهما وغطوا أعينهم واقتادوهما إلى سيارة "الجيب" العسكرية. خلال كل ذلك الوقت، نحو عشر دقائق، واصل المستوطنون الاعتداء علينا. بعد ذلك، غادر المستوطنون والجنود المكان سويةً.
محمد كعابنة (22 عاماً) روى في إفادته أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حداد يوم 29.6.22 عن الاعتداء وعن اعتقله:
اعتدى المستوطنون على والدينا وشقيقينا أحمد وياسر فكنا ملزمين بالدفاع عنهم. بدأنا برشقهم بالحجارة لكي نبعدهم. بعد بدء الاعتداء ببضع دقائق جاءت سيارة "جيب" عسكرية عليها أربعة جنود قام أحدهم بإطلاق النار في الهواء لإخافتنا. انضم الجنود إلى المستوطنين المعتدين. أمسكوا بأحمد، قيدوا يديه وغطوا عينيه ورموه في الجزء الخلفي من سيارة "الجيب". بعد ذلك، أمسك بي خمسة جنود، طرحوني أرضاً وقيدوا يديّ وغطوا عينيّ ثم ألقوا بي في سيارة "الجيب" نفسها. خلال اعتقالنا، واصل المستوطنون الاعتداء علينا بضربنا وشتمنا بينما الجنود يتفرجون ودون أن يتدخلوا. اقتادنا الجنود من هناك ولم نستطع مساعدة والدينا اللذين تلقيا ضربات شديدة جداً حتى نزفا دماً.
في البداية اقتادونا إلى مستوطنة ما، لم أعرفها لأن أعيننا كانت مغطاة. أدخلونا إلى غرفة وأخذوا هاتفينا النقالين وبطاقتي هويتنا وكل ما كان في جعبتنا من أغراض وأموال. بقينا هاك نحو نصف ساعة نقلونا بعدها إلى معسكر للجيش وهناك أجروا لنا فحوصات طبية. قلت لمن أجرى لي الفحص الطبي أنني في حاجة إلى مستشفى لأن جسمي كان مليئاً بالكدمات والتورمات في أنحاء مختلفة جراء الضربات التي تلقيتها، بما فيها ضربة في الصدر، وكانت ذراعي اليسرى متورمة. لكنه لم يأبه بما قلت. بعد نحو نصف ساعة، اقتادونا إلى سيارة "جيب" ونقلونا إلى شرطة "بنيامين". أدخلونا إلى غرفة صغيرة أجلسونا فيها على مقعد بينما كانت أيدينا مقيدة وأعيننا مغطاة. أبقونا هناك حتى الرابعة قبل الفجر من دون طعام أو شرب أو إمكانية الدخول إلى المرحاض. في الساعة الرابعة قبل الفجر بدأوا بالتحقيق معنا. كنت أنا الأول. أزالوا الغطاء عن عينيّ لكن أبقوا على القيد في يديّ. سمح لي المحقق باستشارة محامية أولاً فنصحتني بالإدلاء بتفاصيل ما جرى وبعدم الاعتراف بأي شيء لم أقم به. اتهمني المحقق بأنني هاجمت مستوطناً قاصراً في المرعى. أنكرت ذلك. استمر التحقيق حوالي ساعة كاملة وكان هناك شرطي يترجم الكلام. في نهاية التحقيق وقعت على إفادتي بعد أن ترجم لي نصّها. التقطوا لي بعض الصور وأخذوا مني بصمات أصابع ثم غطوا عينيّ مرة أخرى وأعادوني إلى غرفة الاعتقال.
حققوا مع أحمد طوال ساعة تقريباً وخلال التحقيق معه، في حوالي الخامسة فجراً، أحضروا والدي بعد أن اعتقلوه رغم حالته. كان مصاباً في الرأس ومضمَّداً ومنهكاً جداً لكنهم لم يكترثوا لحاله مطلقاً. بعد إنهاء التحقيق معنا جميعاً، في حوالي الساعة 7:30 صباحاً، نقلوني ووالدي وأيدينا مقيدة إلى مستشفى هداسا في القدس. هذه السَّفرة استغرقت نحو ساعة. في المستشفى فصلونا كل على حدة. أجروا لي فحوصات وصور أشعة لم تُظهر أن هنالك كسوراً. أعطونا مسكنات للأوجاع فقط. لم أعرف أي علاج تلقى والدي.
في حوالي الساعة 11:30 أعادونا إلى شرطة "بنيامين" وأدخلونا إلى غرفة اعتقال صغيرة سوية مع شقيقي أحمد وأعطونا طعاماً وشراباً. في ساعات ما بعد الظهر المتأخرة اقتادوا والدي إلى التحقيق. في الساعة 22:00 نقلونا في "جيب" عسكري طويل، أيدينا مقيدة وأعيننا مغطاة، إلى سجن "عوفر". في اليوم التالي، يوم الخميس، اقتادونا إلى المحكمة. المحامي الذي كان يمثلنا طلب إطلاق سراحنا بكفالة مالية فوافق القاضي على كفالة بمبلغ 3,000 شيكل لكل واحد منا. لكن الادعاء استأنف على القرار بخصوصي أنا وبخصوص شقيقي أحمد. تم الإفراج عن والدي بعد إيداع مبلغ الكفالة المالية بينما بقينا أنا وأحمد في المعتقل حتى يوم الإثنين حين أعادونا إلى المحكمة مرة أخرى. هذه المرة، ورغم معارضة الادعاء، قرر القاضي إطلاق سراحنا. تم الإفراج عنا في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي بعد إيداع مبلغ الكفالة المالية عن كلينا. أخذنا الجنود إلى معبر بيت سيرا ومن هناك عدنا إلى المنزل بالمواصلات العامة.