أزمة المياه

أزمة مياه حادة في محافظة الخليل

منذ بداية الصيف، يعاني عشرات آلاف الفلسطينيين في محافظة الخليل من نقص في المياه للاستعمالات البيتية، وهي من أشد الأزمات خلال السنوات الأخيرة. هذا النقص في المياه محسوس بصورة أكبر في البلدات التي تحصل على المياه عبر أنبوب، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، من شركة مكوروت، ومن بينها بني نعيم (حوالي 20.000 مواطن)، يطا (حوالي 45.000 مواطن)، الظاهرية (حوالي 30.000 مواطن) والسموع (حوالي 20.000 مواطن).

ينبع هذا النقص لسببين أساسيين. أولا، إن سياسة تزويد المياه التي تتبعها شركة مكوروت في الضفة الغربية كانت دائما تعتمد على التمييز الفظ على خلفية قومية ما بين الفلسطينيين والمستوطنين. وفي الوقت الذي تعاني معظم البلدات الفلسطينية المربوطة فقط بشبكة المياه التابعة لشركة مكوروت من النقص الثابت في المياه، فإن المستوطنات تحصل على كميات من المياه تتيح لسكان المستوطنات استهلاك المياه دون تقييد للاستهلاك البيتي والبلدي، كما هو دارج في البلدات الواقعة داخل إسرائيل. علاوة على ذلك، في الحالات التي تكون فيها البلدات الفلسطينية والمستوطنات مربوطة بنفس خط المياه، تقوم شركة مكوروت بتقليل كمية المياه التي تصل إلى البلدات الفلسطينية في أشهر الصيف من أجل الوفاء بالاستهلاك الزائد للمياه في المستوطنات. هكذا على سبيل المثال، في حالة بلدة يطا والقرى المجاورة التي تحصل على المياه من خط شركة مكوروت الذي يزود مستوطنة بني حيفر.

مواطنة من سكان بلدة الظاهرية في محافظة الخليل تحتفظ بالمياه التي استعملتها للغسيل لاحتياجات اخرى. تصوير: موسى ابو هشهش، بتسيلم. 29.10.07.

مواطنة من سكان بلدة الظاهرية في محافظة الخليل تحتفظ بالمياه التي استعملتها للغسيل لاحتياجات اخرى. تصوير: موسى ابو هشهش، بتسيلم. 29.10.07.

ثانيا: خلال الصيف الأخير تفاقمت ظاهرة الارتباط غير القانوني بخطوط المياه من قبل المزارعين الفلسطينيين. وفي حالة بلدة بني نعيم، على سبيل المثال، أدت هذه الظاهرة إلى فقد ما نسبته حوالي 100% من المياه التي تتزود بها. وتتم معظم عمليات الارتباط المذكورة في المناطق الزراعية الواقعة في منطقة C الذي تتحمل فيه إسرائيل، طبقا لاتفاقيات أوسلو، مسئولية مباشرة عن فرض القانون. وعلى الرغم من هذا، وعلى النقيض من السياسة المتبعة بخصوص المخالفات المرتكبة بحق الإسرائيليين، تمتنع سلطات الأمن عن تطبيق القانون بصورة حازمة ضد سارقي المياه. إضافة إلى ذلك، ومن خلال الفحص الذي قامت به بتسيلم، يتضح أن ممثلي الشرطة الفلسطينية في محافظة الخليل توجهوا عدة مرات إلى الإدارة المدنية بطلب التنسيق من أجل دخول رجال الشرطة الفلسطينيين إلى مناطق C بغرض معالجة عمليات الارتباط غير القانونية بشبكة المياه، غير أن جميع هذه الطلبات رُفضت لغاية الآن.

على ضوء النقص الحاد في المياه، تضطر الكثير من البلديات والمجالس المحلية في محافظ الخليل إلى تقسيم البلدات إلى عدد من المناطق وتزويدها بالمياه بالتبادل. في السموع، على سبيل المثال، يحصل كل بيت على تزويد المياه على مدار ثلاثة أيام من كل شهر؛ في يطا، يحصل كل مواطن على المياه لمدة يوم واحد كل أسبوعين.

تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى البلدات التي تعاني من التقليص في تزويد المياه خلال أشهر الصيف، توجد في محافظة الخليل حوالي 90 قرية صغيرة يعيش فيها حوالي 40.000 مواطن غير مرتبطين إطلاقا بشبكة المياه ويعانون من أزمة ثابتة في تزويد المياه.

إن النقص في المياه المُزودة عن طريق الأنابيب يٌرغم السكان على شراء المياه من التجار المستقلين الذين يبيعون المياه بواسطة الصهاريج. لكن، في الوقت الذي يتراوح سعر الكوب الواحد (سم مكعب) ما بين 3- 5 شيكل من المياه التي يتم تزويدها بواسطة الشبكة المركزية، فإن سعر المياه المُباعة بالصهاريج يتراوح ما بين 15- 30 شيكل للكوب، طبقا للمزود وموقع البلدة. نتيجة لذلك، وعلى خلفية الحقيقة بأن أكثر من 40% من سكان الضفة الغربية يعيشون تحت خط الفقر وأن حوالي 23% من القوة العاملة عاطلة عن العمل، تتحول المصاريف الخاصة بالمياه إلى عبئ اقتصادي ثقيل بالنسبة لشريحة واسعة من سكان الضفة الغربية. ويتضح من التحقيق الذي أجرته بتسيلم أن العائلات الفقيرة التي لا تستطيع شراء صهاريج المياه تقوم باستهلاك المياه من مصادر لا تخضع للرقابة، مثل الينابيع والآبار الزراعية، وهي مصادر يشتبه كثيرا بأنها ملوثة.

استخراج المياه من بئر لتخزين مياه الامطار في بلدة الظاهرية . تصوير: موسى ابو هشهش، بتسيلم. 29.10.07.
استخراج المياه من بئر لتخزين مياه الامطار في بلدة الظاهرية . تصوير: موسى ابو هشهش، بتسيلم. 29.10.07.

تعود جذور ضائقة المياه في الضفة الغربية إلى التوزيع غير العادل للموارد المالية المشتركة لإسرائيل والفلسطينيين. أحد هذه الموارد هو حوض الجبل المكون من عدة مستودعات من المياه الجوفية التي تتقاطع في المنطقة الحدودية ما بين إسرائيل والضفة الغربية. رغم أن هذا المورد هو مصدر المياه الأساسي الذي يستعمله سكان الضفة الغربية اليوم، إلا أن إسرائيل تستغل حوالي 80% منه (معظم الكمية تستعمل داخل إسرائيل ذاتها) بينما يستغل الفلسطينيون الـ20% الباقية. طبقا لاتفاقيات أوسلو، لا يسمح للسلطة الفلسطينية بحفر آبار مياه جديدة دون الحصول على موافقة إسرائيل، ولا حتى في مناطق A التي تُدار من قبل السلطة الفلسطينية.

إن هذا التوزيع غير العادل للموارد المشتركة وسياسة التمييز التي تطبقها شركة مكوروت في الضفة الغربية، هي من بين الأسباب الأساسية للهوة العميقة في استهلاك المياه ما بين الإسرائيليين (بما في ذلك المستوطنين) والفلسطينيين من سكان الضفة الغربية. وفي الوقت الذي يصل فيه معدك استهلاك المياه من قبل الإسرائيلي للأغراض البيتية والبلدية إلى حوالي 280 لترا في اليوم، فإن معدل استهلاك الفلسطيني لنفس الأغراض يصل إلى حوالي 65 لترا في اليوم. وقد حددت منظمة الصحة العالمية أن التزويد الموصى به يوميا للفرد لأغراض الاستعمال البيتي والبلدي هو 100 لتر يوميا.

مواد مقترحة

פלסטינים נמלטים מצפון הרצועה לדרומה, 10.11.23. צילום: איבראהים אבו מוסטפא, רויטרס

قطاع غزة

منظمات من إسرائيل في رسالة إلى بايدن: "أوقف الكارثة الإنسانية في قطاع غزة"

وجهت منظمات حقوق إنسان ومجتمع مدني من إسرائيل أمس (الثلاثاء 12.12.23) رسالة إلى الرئيس الأمريكي جون بايدن، تطلب فيها من الإدارة الأمريكية ممارسة التأثير على السياسة الإسرائيلية ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية الحاصلة في قطاع غزة. وتُنشر هذه الرسالة أيضاً كإعلان في النسخة المطبوعة من صحيفة "نيويورك تايمز"، اليوم. * * * إلى حضرة رئيس الولايات المتحدةالبيت الأبيضحضرة الرئيس الموضوع: الكارثة الإنسانية الحاصلة في قطاع غزةمنذ ما يزيد عن تسعة أسابيع، تدور في قطاع غزة حرب بدأت مباشرة بعد الهجوم الوحشي والإجرامي الذي نفذته حماس ضد مواطني إسرائيل، وقتلت خلاله أكثر من 1,200 شخص واختطفت نحو 250 آخرين إلى غزة، بينهم مواطنون إسرائيليون ومواطنون أجانب وأطفال. بعد هذا الهجوم مباشرة، وكذلك في الخطاب الذي ألقيته خلال زيارتك إلى إسرائيل، أوضحت أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها لكنك أكدتَ، في الوقت ذاته، أنّ عليها ممارسة حقها هذا وفقاً لأحكام القانون الدولي وخاصة قوانين القتال، فقط لا غير.نحن، منظمات حقوق إنسان ومجتمع مدني إسرائيلية، مضطرون إلى الإعلان بأسف أن حكومة إسرائيل اختارت تجاهل نصيحتك هذه، وكذلك تجاهل تصريحات أخرى صدرت عن مسؤولين أمريكيين رفيعين بهذا الخصوص. رسالتنا هذه لا تتطرق إلى جميع الشبهات الخطيرة بشأن انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ارتكبتها إسرائيل خلال الحرب، وإنما فقط إلى الكارثة الإنسانية الحادة الحاصلة في قطاع غزة هذه الأيام وإلى الحاجة الملحة إلى تغيير السياسة الإسرائيلية في هذا المجال.منذ بدأت الحرب، فاقمت السياسة الإسرائيلية الأزمة الإنسانية في القطاع بدرجات كبيرة جداً ـ ليس فقط كنتيجة جانبية لا يمكن منعها للحرب. كجزء من هذه السياسة، أوقفت إسرائيل منذ الأيام الأولى للحرب بيع الكهرباء والماء إلى غزة، أغلقت المعابر بينها وبين غزة ومنعت، بصورة تامة، إدخال الغذاء، الماء، الوقود والأدوية. منذ ذلك الحين، جددت إسرائيل بصورة جزئية تزويد المياه إلى الجنوب، لكن بدون الكهرباء لا تستطيع أغلبية السكان المدنيين في غزة الحصول على مياه صالحة وآمنة للشرب. منذ 21 تشرين الأول/ أكتوبر، تسمح إسرائيل بإدخال المساعدات بصورة محدودة عن طريق معبر رفح، ثم سمحت لاحقاً بإدخال كمية قليلة من الوقود، لكن هذه كلها بعيدة تماماً عن تلبية الاحتياجات المتراكمة لسكان القطاع الذين يتعرضون لعمليات قصف متواصلة دون توقف، قُتل فيها حتى الآن ـ بحسب معطيات وزارة الصحة الفلسطينية ـ أكثر من 18,000 إنسان، غالبيتهم من النساء والأطفال.إعادة المخطوفين إلى إسرائيل هي مسألة حاسمة، لكنّ إدخال المعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ليس مِنّة يُطلَب من إسرائيل تقديمها، وإنما هو جزء من الواجبات الملقاة على عاتقها. بموجب قواعد القانون الإنساني الدولي، عندما لا يتوفر للسكان المدنيين خلال الحرب ما هو مطلوب لضمان صمودهم وبقائهم، فثمة على الأطراف المتحاربة واجب فعليّ لتمكين عبور المساعدات الإنسانية ـ ما فيها الغذاء والدواء ـ بصورة سريعة ودون أية عوائق. ويسري هذا الواجب أيضاً في حال كانت هذه المساعدات مطلوبة أيضاً للمدنيين في الجانب الآخر، كما أنه ملقى أيضاً على عاتق الدول التي يجعل موقعها الجغرافي من عبور المساعدات عَبرها أمراً حيوياً أو مجرد أكثر نجاعة فقط. إن خرق هذا الواجب يشكل جريمة حرب.وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة تشهد على أن الواقع في قطاع غزة هو كارثيّ وأنها لم تعد قادرة على مساعدة أكثر من مليونيّ إنسان سكان القطاع. وهي توضح أن الشاحنات القليلة التي تدخل إلى القطاع ليست أكثر من نقطة في بحر، ناهيك عن أن هذه المساعدات التي يتم نقلها فيها لا يمكنها توزيعها على سكان القطاع بسبب القصف المتواصل دون توقف، تدمير البنى التحتية والقيود التي تفرضها إسرائيل عليها. وهكذا يبقى السكان جياعاً وعطاشاً من دون أية إمكانية لتلقي علاجات طبية مناسبة وبسبب الظروف التصحاحية المتردية ـ الناجمة عن الاكتظاظ غير المحتمل وانعدام المياه ـ أصبحت الأمراض التلوثية تتفشى في القطاع. لكن هذا الواقع غير القابل للتصور، يزداد تفاقماً وتدهوراً أكثر فأكثر يوماً بعد يوم.بإمكانك التأثير على الحكومة الإسرائيلية لتغيير سياستها والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع بصورة غير محدودة، وفقاً لاحتياجات السكان ولواجباتها بحسب القانون. من الواضح أن القرارات بشأن توزيع المساعدات في داخل قطاع غزة وبشأن الكميات المطلوبة يجب أن يتم اتخاذها من قبل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في القطاع، وليس من قبل إسرائيل. ومن الواضح أيضاً أن هنالك حاجة ملحة لفتح معبر كرم أبو سالم لإتاحة عبور البضائع والمساعدات الإنسانية غير المحدودة لتصل إلى منظمات الإغاثة وإلى القطاع الخاص.نحن الآن في ساعة الطوارئ الأخيرة. ما زال من الممكن منع موت كثيرين. التغيير في السياسة الإسرائيلية يجب أن يحدث الآن.ببالغ الاحترامأكاديمية للمساواة، بمكوم، بتسيلم، جيشاه ـ مسلك، آباء وامهات ضد اعتقال الاطفال، هموكيد ـ مركز الدفاع عن الفرد، ززيم ـ حراك شعبي، يس دين، مقاتلون للسلام، محسوم ووتش watch، معهد عكيفوت، ننظر إلى الاحتلال بالعينين، ريع كموخا، عاملون اجتماعيون للسلام، فوروم التعايش في النقب، سايكو أكتيف (أخصائيو صحة نفسية لحقوق الإنسان)، نشطاء غور الأردن، مجموعة عمل سياسي، صوت حاخامات لحقوق الإنسان، مِثلَك مِثِل غيرك، نكسر الصمت

13 كانون الأول/ديسمبر 2023

ילדים פלסטינים ממתינים בתור למילוי מים ברפיח שבדרום רצועת עזה. צילום: מוחמד סאלם, רויטרס, 5.12.23

قطاع غزة

الكارثة الإنسانية ـ سياسة مُتعمَّدة

قبل نحو شهر، في 7.11.23، أنكر رئيس الدولة، يتسحاق هرتسوغ، وجود كارثة إنسانيّة في قطاع غزّة. على حدّ قوله، "الناس في غزّة يعرفون أنّ هناك حرباً دائرة الآن، لكن ليست هنالك كارثة إنسانيّة لا تمكّنهم من البقاء". لم يكن لهذه الأقوال أيأساس من الصحّة آنذاك، ولا أساس لها من الصحّة اليوم، بالتأكيد.الحياة في قطاع غزّة في هذه الأيّام باتت كابوساً لا يمكن تصوّره. وقدرة السكان على الصمود والبقاء تتناقص يوماً بعد يوم. القطاع مغلق بشكل شبه تامّ منذ شهرين. الكارثة الإنسانيّة تحطّم أرقاماً قياسيّة يومياً. منظّمات الإغاثة باتت عاجزة عن مجابهة النتائج وتجد صعوبة حتى في إيجاد الكلمات المناسبة لوصف الكارثة وما تنطوي عليه من مخاطر. لا يوجد ما يكفي من الوقود، الطعام، الماء والدّواء. المستشفيات غير قادرة على تقديم العلاج الطبيّ لآلاف جرحى القصف الإسرائيليّ المتواصل في كلّ أنحاء القطاع، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 15,000 إنسان بضمنهم نحو 6,000 من الرضّع والأطفال والفتيان ونحو 4,000 امرأة.هكذا تبدو الكارثة:عشيّة الحرب كان قطاع غزّة غارقاً في كارثة إنسانيّة عميقة بعد أن فرضت إسرائيل الحصار عليه في العام 2007، في أعقاب استيلاء حماس على الحُكم. خلال وقت قصير انهار اقتصاد القطاع وعشية اندلاع الحرب كان نحو 80% من سكّانه يعتمدون في معيشتهم على منظّمات الإغاثة. معدّلات البطالة قد "طاولت السّحاب" إذ قاربت 45% بالمعدّل العامّ وبلغت أكثر من 60% في أوساط الشباب تحت سنّ 29 عاماً. إذا علمنا أنّ هذا هو الوضع الأوّليّ الذي كان سائداً، فمن الواضح أنّ الوضع قد تدهور بسُرعة إلى كارثة حقيقيّة:الاكتظاظ: منذ بداية الحرب أمر الجيش الإسرائيليّ سكّان شمال القطاع بالانتقال جنوباً. مئات الآلاف انصاعوا للنداء، ووفقاً لتقديرات هيئة الأمم المتحدة بلغ عدد النازحين عن منازلهم نحو 1,8 مليون إنسان أي نحو 80% من سكّان القطاع. من هؤلاء هناك نحو 1,1 مليون إنسان مسجّلون في منشآت وكالة الغوث (الأونرا) المنتشرة في أنحاء القطاع، معظمهم في الجنوب.الظروف في منشآت وكالة الغوث لا تُطاق: المنشآت ممتلئة عن آخرها، ويُراد منها أن تستوعب أضعاف أضعاف قدرتها الاستيعابيّة. تفيد التقارير أنّ مئات النازحين يضطرّون إلى الاكتفاء بمرحاض واحد، أمّا الحمّامات فهي نادرة. لا يوجد في هذه المنشآت ما يكفي من الماء والطعام والبطانيّات والفرشات. بسبب الاكتظاظ الشديد لا يقيم داخل مركز الإيواء سوى النساء والأطفال، أمّا الرّجال فيتدبّرون أمرهم خارجه. النازحون الآخرون وجدوا أماكن لهُم في المدارس والمستشفيات والمباني العامّة، وهناك نازحون قد نزلوا عند أقاربهم بحيث يكتظّ داخل كلّ منزل عشرات الأشخاص في ظروف قاسية.لقد تردّى هذا الواقع بشكل كبير منذ أن استُؤنفت الحرب عقب وقف إطلاق النار حيث أمر الجيش مئات آلاف آخرين من السكّان بإخلاء منازلهم،سعياً منه إلى زجّ المزيد والمزيد من سكّان القطاع في مساحة أقلّ فأقلّ بدون مقوّمات الحياة الأساسيّة. تفيد وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الأنشطة الإنسانيّة (أوتشا) بأنّ الجيش أمر سكّان منطقة تقارب مساحتها 20% من مساحة مدينة خان يونس بأن يخلوا منازلهم، وهي منطقة كان عدد سكّانها نحو 150 ألفاً، بعضهم مهجّرون أصلاً عن منازلهم في شمال القطاع. نزح عشرات الآلاف عن المنطقة المذكورة، لكنّ مراكز الإيواء التي لجأوا إليها ليست قادرة على استيعابهم وتوفير المساعدة الأساسيّة لهم.نقص الوقود والكهرباء: مع بدء الحرب، أعلنت إسرائيل أنّها لن تسمح بإدخال الوقود إلى قطاع غزّة. ومنذ 18.11.23 تسمح إسرائيل بإدخال كميّة ضئيلة من الوقود يوميّاً، معدّة فقط للأنشطة الإنسانيّة مثل تمكين الشاحنات من توزيع الغذاء، تشغيل مولّدات الكهرباء ومرافق المياه والصّرف الصحّي ومنشآت وكالة الغوث. خلال فترة وقف إطلاق النار، التي استمرّت أسبوعاً، سمحت إسرائيل بإدخال أربع حاويات وقود في كلّ يوم.نقص الوقود يشلّ البنى التحتيّة في قطاع غزّة: منذ 7.10.23 أوقفت إسرائيل بيع الكهرباء للقطاع. بعد بضعة أيّام، في 11.10.23 تعطّلت أيضاً محطّة توليد الكهرباء المحليّة في القطاع نتيجة نفاد الوقود. مع توقّف تزويد الكهرباء أو الوقود اللّازم لمولّدات الكهرباء التي يُفترض الاستعاضة بها، لا يمكن تشغيل مضخّات المياه ومحطّات تحلية المياه وأنظمة معالجة مياه الصرف الصحّي لا تعمل سوى جزئيّاً - إن عملت أصلاً - ممّا يزيد من مخاطر حدوث تلوّث إضافيّ في مصادر المياه.نقص الماء والغذاء: منذ ما قبل الحرب كان سكّان القطاع يعانون من نقص دائم في المياه بحيث بلغ معدّل الاستهلاك اليوميّ 85 لتراً للفرد الواحد - أقلّ من الحدّ الأدنى الذي توصي به منظمة الصحّة العالميّة وهو 100 لتر يوميّاً.الجزء الأكبر من المياه في قطاع غزّة يصل من طبقة المياه الجوفيّة المتاخمة للشاطئ، غير أنّ معظم المياه التي يتمّ سحبها من هناك هي ملوّثة بسبب الإفراط في السحب وتسرّب مياه البحر ومياه الصّرف الصحّي، وبالتالي فهي مياه لا تصلح للشرب أو الاغتسال دون خضوعها لعمليّة تنقية. هناك كميّة أخرى من المياه يزوّد بها نحو 300 ألف شخص في القطاع تأتيهم من ثلاث محطّات لتحلية مياه البحر. بقيّة المياه التي كانت تزوّد للسكّان قبل الحرب كانت تُشترى من إسرائيل، وهي كميّة لا تتعدّى خُمس إمدادات المياه في القطاع.منذ بداية الحرب تفاقمت أزمة المياه عشرات الأضعاف. في 9.10.23 أوقفت إسرائيل بيع المياه لقطاع غزّة. بعد مضيّ أسبوع، في 15.10.23، استأنفت إسرائيل تزويد المياه فقط لبعض المناطق في جنوب القطاع، ولكن انقطاع الكهرباءيصعّب العمل في محطّات الضخّ، ومثلُها محطّات تنقية المياه ومياه الصّرف الصحّي. في غياب المياه النقيّة لم يتبقّ لدى سكّان القطاع خيار سوى شرب المياه الجوفيّة، وهي غير صالحة للشرب. استهلاك المياه دون تطهيرها أو تنقيتها قد يؤذي، على وجه الخصوص، النساء الحوامل والرضّع ومرضى الكلى.مع نقص المياه تتعذّر أيضاً المحافظة على شروط النظافة الصحّية. في هذه الحالة، إلى جانب الاكتظاظ الهائل، ينشأ خطر جدّي لتفشّي الأمراض المُعدية والأوبئة؛ وقد أبلغت المنظمات الإنسانيّة عن مؤشّرات أوليّة لتفشّي مثل هذه الأمراض.وكالات هيئة الأمم المتحدة تُبلغ عن نقص حادّ في الغذاء وعن مجاعة حقيقيّة يعانيها السكّان وخاصّة في شمال القطاع. المخابز لا تعمل بسبب نقص الوقود والمياه والطحين. لقد فقد قطاع غزّة قدرته الإنتاجيّة المستقلّةحاليّاً - حيث أنّ الأراضي الزراعيّة والمعدّاتالزراعيّة قد تضرّرت جرّاء القصف، ثمّ إنّه لا يمكن الوصول إلى هذه الأراضي أصلاً. كذلك صيّادو الأسماك لا يستطيعونالعمل بعد أن منعتهم إسرائيل من الوصول إلى البحر.انهيار المستشفيات: منذ ما قبل الحرب كان الجهاز الصحّي في القطاع على شفا انهيار، إذ كان يعمل جزئيّاً فقط ولم تتوفّر للسكّان معظم العلاجات والخدمات المنقذة للحياة. منذ أن بدأت الحرب انهار الجهاز الصحّي تماماً. منظمة الصحّة العالميّة أفادت بأنّ عدد مراكز العلاج الطبيّ العاملة الآن في القطاع هو 18 من أصل المراكز الـ 38 التي كانت تعمل قبل الحرب، وأنّ ثلاثة من هذه المراكز لا يقدّم سوى الإسعافات الأوّليّة.بقيّة المستشفياتتعمل بشكل محدود جدّاً: الإشغال فيها يتجاوز ضعفي، وأحياناً ثلاثة أضعاف، قدرتها الاستيعابيّة ويضطرّ المرضى إلى افتراش الأرض بسبب نقص الأسرّة،حتى أثناء تلقّيهم العلاج على يد الأطبّاء. يعاني الجهاز من نقص الكهرباءوالماء والأدويةوالتجهيزات الطبيّة الأساسيّة. إضافة إلى ذلك هناك نقص في الطواقم الطبيّة ممّا أودى بالطواقمالعاملة إلى حافّة الانهيار. لقد حذّرت منظمة الصحّة العالميّة من أنّ هذه الظروف تزيد من خطر انتشار الأمراض وتفشّي الأوبئة.علاوة على ذلك، حذّرت منظمة الصحّة العالميّة من أنّ الوصول إلى المستشفياتيكاد يكون مستحيلاً، وذلك بسبب القصف المتواصل ونقص الوقود والشوارعالمهدّمة. وأكّدت المنظمة أنّ استمرار القتال في الجنوب سيؤدّي بطبيعة الحال إلى عزل المزيد والمزيد من السكّان والحدّ من قدرتهم على الوصول إلى المستشفيات، بينما تزداد أعداد الجرحى يوماً بعد يوم.ما الذي سمحت إسرائيل بإدخاله إلى القطاع منذ أن بدأت الحرب؟مع بدء الحرب أغلقت إسرائيل جميع معابر الدّخول إلى القطاع ومنعت فتح معبر رفح على الحدود مع مصر. وهي تسمح ابتداءً من 21.20.23 بإدخال الإغاثة الإنسانيّة. في البداية سمحت بدخول عشرين شاحنة يوميّاً لنقل الموادّ التموينيّة والمياه والأدوية - ولكن ليس الوقود ـ ثمّ رفعت تدريجيّاً عدد الشاحنات الدّاخلة حتى وصل إلى نحو مائة شاحنة يوميّاً. ومنذ 18.11.23 تسمح إسرائيل أيضاً بدخول حاويتي وقود يوميّاً للاحتياجات الإنسانيّة فقط.هذه الإغاثة التي يُسمح بإدخالهالا تعادل سوى قطرة ماء في محيط. قبل الحرب كانت تدخل إلى القطاع نحو 500 شاحنة يوميّاً. وتفيد معطيات (أوتشا) بأنّه منذ 21.10.23 حتى 23.11.23، قبل بدء وقف إطلاق النار، أُدخل إلى القطاع عبر معبر رفح نحو 1,700 حمولة شاحنة من الإغاثة الإنسانية ـ لا تشمل الوقود. هذه الكمية لا تقترب حتى من تلبية احتياجات السكان في القطاع.إضافة إلى ذلك، بسبب القصف الإسرائيليّوعزل شمال القطاع عن جنوبه، تفيد منظمات الإغاثة بأنها لا تستطيع، إطلاقاً تقريباً، توزيع الإغاثة القليلة التي يُسمح بإدخالهاإلى القطاع. فقط خلال فترة وقف إطلاق النار تمكّنت هذه المنظمات من الوصول إلى شمال القطاع وتوزيع الغذاء والماء والمعدّاتالطبيّة والوقود. في الأيّام الأخيرة ومع تجدّد القتال، تُبلغ منظمات الإغاثة أنها تواجه صعوبة في الوصول إلى منطقة خان يونس أيضاً، ويبقى معظم موادّ الإغاثة في رفح دون أن تصل إلى الناس المحتاجين إليها.جميع موادّ الإغاثة التي تدخل إلى القطاع تمرّ من معبر رفح فقط. ولأنّ هذا المعبر معدّ لمرور الأشخاص فقط وليس لمرور البضائع، فهذا ما يعقّد ويعرقل كثيراً عمليّة إدخال الإغاثة،كما يقيّد الكميّات التي يمكن تمريرها. على سبيل المثال، خلال فترة وقف إطلاق النار سمحت إسرائيل بدخول عدد أكبر من الشاحنات، ومع ذلك تعذّر في معبر رفح إدخال العدد المسموح به كلّه. وقد طلبت منظّمات الإغاثة ودول غربيّة من إسرائيل عدّة مرّات أن تسمح بإدخال موادّ الإغاثة من معبر كرم أبو سالم، وهو معدّ أصلاً لمرور البضائع وكانت تمرّ منه في الأيّام العاديّة نحو 60% من البضائع الدّاخلة إلى قطاع غزّة. وقالت إنّ ذلك من شأنه أن يُتيح إدخال موادّ إغاثة بكميّات أكبر بكثير. لكنّ إسرائيل ترفض السّماح بذلك.الكارثة الإنسانيّة ليست ليست عَرَضاً جانبياً، وإنّما هي السياسةالكارثة الإنسانيّة الحاصلة الآن في قطاع غزّة ليست عَرَضاً جانبياً وإنّما هي نتيجة مباشرة للسياسة التي تطبّقها إسرائيل في القطاع، والتي تهدف إلى إنتاج هذا الواقع بالضّبط. ويرى واضعو هذه السّياسة إنّ إنتاج كارثة إنسانيّة تلمّ بأكثر من مليوني إنسان في القطاع هو وسيلة شرعيّة للضغط على حركة "حماس".هكذا، على سبيل المثال وزير الطاقة يسرائيل كاتس، الذي وقّع على أمر بوقف بيع الكهرباء للقطاع منذ 7.10.23، والذي أوضح: "إغاثة إنسانيّة لغزّة؟ لن يُرفع قابس كهرباء واحد، لن يُفتح قاطع مياه ولن تدخل شاحنة وقود إلّا بعد إعادة المختطفين الإسرائيليّين إلى’البيت‘. إنسانيّ مقابل إنسانيّ. لا أحد يعظنا في مسألة الأخلاق".كذلك تجلّت هذه النظرة بوضوح في التعقيبات على قرار مجلس الحرب في 17.11.23 بإدخال حاويتي سولار - سعتهما ستّين ألف لتر تقريباً - لتمكين وكالات الإغاثة في القطاع من العمل ولو بالحدّ الأدنى ولتشغيل شبكات المياه والصّرف الصحّي. ولّد هذا القرار سلسلة من التصريحات الغاضبة. وزير الماليّة، بتسلئيل سموتريتش، كتب إلى رئيس الحكومة أنّ هذا "قرار غريب يبصق في وجوه جنود الجيش الإسرائيليّ والمختطفين وعائلاتهم والعائلات الثكلى". وقال وزير الأمن القوميّ إيتمار بن جفير: "طالما أنّ مختطفينا لا يحصلون حتى على زيارة الصّليب الأحمر فليس من المنطقيّ منح ’هدايا إنسانيّة‘ للعدوّ". وقال رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان: "من التصريح بأنّه لن تدخل أيّة نقطة وقود إلى القطاع انتقلنا فعليّاً إلى إدخال عشرات آلاف اللّترات من جانب واحد، دون أيّة لفتة إنسانيّة تجاه مختطفينا".ردّاً على هذه التصريحات سارع صُنّاع القرار إلى التوضيح بأنّ الحديث يجري عن تغيير في السّياسة وأنّ الضغط الإنسانيّ على سكّان القطاع سوف يتواصل. الوزير بيني غانتس، وهو عضو في مجلس الحرب، أوضح قائلاً: "لا تغيير في الاستراتيجيّة وإنّما هي استجابة موضعيّة تخدم ’تساهال‘ (الجيش الإسرائيلي) في مواصلة القتال". وبدوره أوضح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو: "إنّها أقلّ القليل من الوقود من أجل تشغيل مضخّات المياه والصرف الصحّي، إذ بدون ذلك لنا أن نتوقّع تفشّي الأوبئة بشكل فوريّ. يجب أن يكون مفهوماً: تفشّي المرض يضرّ بسكّان القطاع وبجنود ’تساهال‘ في القطاع على حدّ سواء. أود التأكيد: لا تغيير في السياسة وإنّما هي استجابة موضعيّة محدودة لمنع تفشّي الأوبئة".الجنرال احتياط جيورا آيلاند، الذي أشغل في السّابق منصب رئيس قسم العمليّات ورئيس مجلس الأمن القوميّ، نشر في 19.11.23 مقالاً في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان "لا نرتدعنّ أمام العالم". صحيح أنّ آيلاند لا يشغل حاليّاً أيّ منصب رسميّ ولا هو من صُنّاع السّياسة التي تطبّق الآن في قطاع غزّة، لكنّ أقواله تعكسها بدقّة.يدّعي آيلاند في مقالته أنّه لا فرق بين تنظيم "حماس" وسكّان قطاع غزّة، وأنّ إسرائيل تقاتل الآن "دولة غزّة" - بكلّ سكّانها. لذلك، ممنوع على إسرائيل أن "توفّر للطرف الآخر أيّة قدرة تُطيل نفَسَه". مفهوم أنّ ذلك يمسّ بالسكّان، ولكن - يقول آيلاند: "من هنّ النساء الغزّيّات ’المسكينات‘؟ جميعهنّ أمّهات وأخوات أو نساء القتلة في حماس. هنّ من جهة جزء من البنية الدّاعمة للتنظيم، ومن جهة ثانية إذا عشن كارثة إنسانيّة فيجب الافتراض أنّ بعضاً من مقاتلي حماس وصغار القادة سيفهمون أنّها حرب لا رجاء منها وأنّه من الأفضل أن يمنعوا عن أبناء وبنات عائلاتهم ضرراً لا يمكن إصلاحُه". يقرّ آيلاند بأنّ سياسة كهذه قد تُنتج كارثة إنسانيّة وأوبئة خطيرة، ولكن - وفقاً لرأيه ـ "ممنوع أن ندع ذلك يردعنا، رغم كلّ ما في الأمر من صعوبة. في النتيجة، الأوبئة الخطيرة في جنوب القطاع تقرّب النّصر وتقلّل أعداد المُصابين من جنود ’تساهال‘". ويلخّص آيلاند إلى القول: "هذه ليست قسوة لمجرّد القسوة فنحن لا نؤيّد معاناة الطرف الآخر كهدف وإنّما كوسيلة… ممنوع، بكلّ بساطة، ممنوع تبنّي الرّواية الأمريكيّة التي ’تسمح‘ لنا فقط بمحاربة مقاتلي حماس عوضاً عن القيام بما هو صحيح - أي محاربة كلّ المنظومة المعادية، إذ إنّ انهيارها على المستوى المدنيّ بالذّات سيقرّب نهاية الحرب".الإغاثة الإنسانيّة ليست "لفتة" ولا "ورقة مُساومة"لقد سبق جهات رسميّة أن أوضحت منذ بداية الحرب أنّ قطاع غزّة سيظلّ مغلقاً إلى أن يعود المختطفون. انطلاقاً من ذلك يمكن القول إنّ رفض إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى القطاع يعاقب السكّان على أفعال لم يقوموا بها، بل لا دخل لهُم بها أصلاً. مفهوم أيضاً أنّهم لا يملكون الآن أية وسيلة يمكن أن يؤثّروا بها على من نفّذ الأفعال كي يطلق سراح المختطفين. من هُنا فإنّ إحكام الإغلاق على القطاع هو إيقاع عقاب جماعيّ محظور على أكثر من مليوني إنسان هم سكّان القطاع. هذه الحجّة لا ينفيها تأييد جزء منهم لحركة "حماس"، وفقما تتذرّع به جهات رسميّة في إسرائيل.إضافة إلى ذلك، إغلاق المعابر وإدخال موادّ إغاثة بكميّات ضئيلة فقط وبعيدة كلّ البُعد عن تلبية احتياجات السكّان المدنيّين هو بمثابة تجويع متعمّد لهُم. القانون الإنسانيّ الدوليّ يحظر استخدام تجويع السكّان، كجزء من أساليب القتال. هذا الحظر هو جزء من القانون العُرفيّ الذي يُلزم جميع دول العالم ومخالفته تشكّل جريمة حرب وفقاً لاتفاقية روما.إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى قطاع غزّة ليس حسنة يُطلب من إسرائيل أن تمنّ بها على السكّان المدنيّين وإنّما هو جزء من الواجبات المفروضة عليها. وفقاً لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، إذا افتقر السكّان المدنيّون لمقوّمات الحياة أو البقاء فعلى الأطراف المتحاربة الالتزام الفعلي (أن تنشط فعليّاً) بإتاحة مرور موادّ الإغاثة الإنسانيّة على وجه السّرعة ودون إعاقة - بما في ذلك الغذاء والدّواء. ويجب أن يجري تقديم الإغاثة بشكل متواصل ودائم، لكي يتيقّن الناس من أنّه يمكنهم الحصول على الإغاثة في الغد أيضاً.هذه القاعدة، الواردة في البروتوكول الأوّل الملحق بميثاق جنيف، تنصّ على أنّ واجب الدولة التي هي طرف في الصراع، بشأن إتاحة إدخال الإغاثة الإنسانيّة، يسري أيضاً في حال احتاج إليها المدنيّون من الطرف الآخر. هذا الواجب تُقصد منه الدول التي في موقع جغرافيّ يحتّم مرور الإغاثة عبرها أو حتى يجعله أكثر نجاعة فقط. تفسير هذه القاعدة يوضح أنّ أيّ طرف فيالنزاع لا يمكنه أن يرفض بشكل تعسّفي تمرير الإغاثة، رغم أنه من الواضح أنه يحقّ لكلّ طرف أن يُشرف على تمريرها وحتى أن يُجري تفتيشاً فيها. كذلك واجب إدخال الإغاثة أيضاً هو قاعدة عُرفيّة ، ولذلك فهو يسري على إسرائيل أيضاً.رفْض إدخال الإغاثة الإنسانيّة هو أحد الجرائم الوارد ذكرها في اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدوليّة في لاهاي، والتي تنصّ على أنّ اتّباع التجويع المتعمّد للسكّان ضمن أساليب القتال، بما في ذلك عبر المنع المتعمّد للإغاثة الإنسانيّة ـ هو جريمة حرب.يجب على إسرائيل السّماح بإدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى قطاع غزّة فوراًفي مؤتمر صحفيّ عُقد في 5.12.23 مساءً، تعامل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع الكارثة الإنسانيّة في قطاع غزّة باعتبارها مُشكلة بالنسبة لإسرائيل، ومن هنا الحاجة إلى معالجتها. قال نتنياهو: "نحن نعلم أنّه إذا ما حصل انهيار، أوبئة، أمراض، تلوّث المياه الجوفيّة وما إلى ذلك، فإن من شأن ذلك أن يوقف الحرب". وأضاف وزير الأمن غالانت: "مطلوب منّا توفير الحدّ الأدنى الإنسانيّ لكي نتمكّن من مواصلة الضغط العسكريّ".إنّه تعامُل أداتيّ، كلبيٌّ وشرّير تجاه حياة أكثر من مليوني إنسان يضطرّون في هذه الأيّام إلى استجماع بقايا قواهُم من أجل الحصول على المياه والغذاء والمأوى لهُم ولعائلاتهم فقط لكي يتمكنوا من الصمود، مع استمرار القصف الإسرائيليّ المتواصل. لكنّ هذه الأقوال صادمة أيضاً في ما تنطوي عليه من صراحة: رئيس الحكومة ووزير الأمن يعترفان أمام الكاميرات بأنّ إسرائيل تُنتج عمداً كارثة إنسانيّة في قطاع غزّة. الأمر في يدها - إن هي أرادت، تكون الكارثة؛ وإن أرادت، تنحلّ. إنّه اعتراف بارتكاب جريمة حرب.على إسرائيل أن تُتيح إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى القطاع. ليس فقط لأنّ هذا تصرّف أخلاقيّ وصائب، وإنّما أيضاً لأنّ هذا من واجبها وفقاً لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ، وهي أحكام التزمت إسرائيل بتطبيقها. إدخال الإغاثة الإنسانية إلى القطاع لا يمكن أن يكون مشروطاً بأي شيء، ولا حتى بإطلاق سراح المختطفين - مثلما فعلت خلال وقف إطلاق النار حين أتاحت زيادة عدد الشاحنات الدّاخلة كجزء من الاتفاق الذي عُقد مع حماس، مقابل إطلاق سراح مختطفين. وبالطبع، على حماس في الوقت ذاته أن تطلق سراح جميع المختطفين فوراً دون قيد أو شرط. أخذ رهائن أمرٌ محظور تماماً، مهما كانت الظروف، وهو أيضاً يشكّل جريمة حرب.على إسرائيل أن تتيح إدخال الإغاثة دون تحديد أو تقييد، وفقاً لاحتياجات السكّان. ضمن ذلك عليها أن تفتح معبر كرم أبو سالم وتتيح تمرير البضائع منه، إذ سيُتيح ذلك استجابة أكثر تناسُباً مع احتياجات السكّان. من يجب أن يحدّد كميّات الإغاثة المطلوبة هي وكالات الإغاثة الموكلة بهذا الأمر والمطّلعة على احتياجات السكّان، وليس حكومة إسرائيل، خاصّة وأنّها تتمسّك بـ"حدّ أدنى إنسانيّ" تعسّفي.لقد اتّبعت إسرائيل هذه السياسة لدى فرض الحصار على القطاع في العام 2007، بعد أن استولت حماس على القطاع. في تشرين الأوّل 2010 وفي أعقاب التماس بشأن حرّية معلومات قدّمته جمعيّة "جيشاه - مسلك"، تبيّن أن إسرائيل طبّقت على مدار سنوات "سياسة تقليص متعمّدة" استندت إلى حسابات دقيقة بشأن استهلاك السّعرات الحراريّة في حدّها الأدنى المطلوب لإبقاء سكّان قطاع غزّة على قيد الحياة. كان هذا تصرّفاً غير قانوني وفي غاية القسوة آنذاك، ولا يزال كذلك في هذه الأيام أيضاً ـ غير قانوني وفي غاية القسوة. جرائم الحرب التي نفذتها حماس في هجومها المرعب يوم 7 تشرين الأول، في احتجازها غير القانوني للرهائن وفي إطلاق القذائف على إسرائيل خلال أيام القتال لا يمكن أن تشكل مبرراً لحرمان مليونيّ إنسان من الغذاء، الماء، الدواء والوقود.في 4.12.23، بعد انتهاء وقف إطلاق النار، نشرت منسّقة الشؤون الإنسانيّة للمناطق المحتلّة، لين هاستينغز، بياناً أوضحت فيه: "نحن على أبواب سيناريو أكثر كابوسيّة، إذا كان بالإمكان تصوّر هذا أصلاً". الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، توجه يوم 6.12.23 إلى مجلس الأمن الدولي وأوضح أن الظروف البائسة في قطاع غزة من شأنها أن تؤدي إلى انهيار النظام العام، الأمر الذي سيحول دون إدخال حتى جزء محدود من الإغاثة الإنسانية. وكتب غوتيريش في رسالته إن منظمات الإغاثة قد أصبحت الآن عاجزة عن إغاثة السكان المحتاجين وحذر من أن المنظومة الإنسانية قد أضحت على شفا الانهيار ومن أ، الوضع يزداد سوءاً وتدهوراً بسرعة نحو كارثة ستكون لها انعكاسات لا يمكن ردّها على الفلسطينيين والمنطقة بأسرها.قبل أن تتحقق هذه النبوءة، يجب على إسرائيل أن تغيّر سياستها المرعبة التي عرضناها في هذه الوثيقة. هذا المسّ العميق بكرامة الإنسان الذي ينطوي عليه تطبيق هذه السّياسة واعتبار أكثر من مليوني إنسان هُم سكّان القطاع منزوعي الإنسانيّة والإرادة والاحتياجات والتعامل معهم وكأنهم مجرّد أدوات في لعبة الحرب ـ لا يمكن تبريرها ويجب أن تتوقّف!

7 كانون الأول/ديسمبر 2023

أزمة المياه

تقرير جديد لبتسيلم يستعرض سياسة التعطيش الإسرائيلية في الضفة الغربية: تجفيف

"الأنابيب التي تُوصل المياه إلى قواعد الجيش تمرّ من تحت خيامنا، بينما نحن ممنوع علينا أن نملأ منها ولو كأسًا واحدة حتى. [...] مشكلتنا الأكبر هي المياه. نحافظ على كل قطرة ونوفرها من أجل أغنامنا التي لا تستطيع العيش ولو دقيقة واحدة من دون ماء. إن لم نغسل ملابسنا ولم نستحم ولم نغسل الأواني فسنُصاب بالأمراض جرّاء الحشرات والقوارض". يوسف بشارات، من سكان خلة مكحول في غور الأردن يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي من المياه للفرد الإسرائيلي، على جانبيّ الخط الأخضر، 247 لترًا، بينما يعادل متوسط الاستهلاك للفلسطينيين سكان الضفة الغربية ثُلث هذه النسبة فقط: حوالي 82 ليترًا للفرد في اليوم؛ 36% من سكان الضفة يحصلون على المياه يوميًا طوال أشهر السنة، وحوالي 70 تجمُّعًا فلسطينيًا في أنحاء الضفة، يسكن فيها أكثر من مئة ألف إنسان، غير موصولة مطلقًا بشبكات المياه ومستوى استهلاك المياه فيها مماثل لمستواه في المناطق المنكوبة – أي حوالي 26 ليترًا للفرد في اليوم (الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية هو 100 ليتر للفرد في اليوم الواحد). إجمالي الكمية الإجمالية التي يستهلكها الإسرائيليون من المياه تعادل عشرة أضعاف الكمية الإجمالية التي يستهلكها الفلسطينيون في الضفة الغربية، رغم أن عدد السكان في إسرائيل هو أكبر بثلاثة أضعاف فقط. تدل هذه المعطيات على ضائقة مياه حادة لدى الفلسطينيين سكان الضفة الغربية. يوضح تقرير بتسيلم الجديد أن هذه الضائقة ليست قضاءً مقدّرًا أو ظاهرة طبيعية، كما أنها ليست جزءًا من أزمة مياه إقليمية لا يمكن منعها. هذه الضائقة هي نتاج لسياسة إسرائيلية تمييزية، عن وعي ومعرفة، تخلق لدى الفلسطينيين سكان الضفة الغربية أزمة مياه دائمة، مصطنعة ومقصودة. تبرّر إسرائيل سياستها هذه بادعاء أنها تتصرف وفقاً للتلخيصات التي تم التوصل إليها في إطار الاتفاقية المرحلية التي تم التوقيع عليها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1995. فقد كرّست تلك الاتفاقية السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه، رسخت التوزيع التمييزي لمصادر المياه المشتركة بين إسرائيل والفلسطينيين وحافظت على المبدأ الذي كان يجري توزيع المياه بموجبه قبل التوقيع على الاتفاقية: الإسرائيليون يستهلكون مياهًا بحسب الطلب والفلسطينيون بحسب حصة محدودة تم تحديدها لهم مسبقًا. خلافًا لادعاء إسرائيل، لا يمكن اليوم اعتبار هذه الاتفاقية ملائمة وذات صلة بالواقع: فمنذ توقيعها، ازداد عدد السكان الفلسطينيين بحوالي 75% وأصبحت الكميات التي حُددت لهم فيها بعيدة عن أن تعكس احتياجاتهم. لكن، بالأساس، لم تتوقع هذه الاتفاقية تحوُّل إسرائيل إلى قوة مائية عظمى – تحلية المياه، تكرير مياه الصرف الصحي وغيرها – والتي لم تعد إسرائيل، نتيجةً لها، مرتهنة إلى مصادر المياه الطبيعية. في ظروف كهذه، كان من المنطقي تَوقّع أن تسمح إسرائيل للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية بضخ كميات أكبر بكثير من تلك التي حُددت لهم في الاتفاقية. لكن هذا لم يحصل. منذ العام 1967، حين استولت على جميع مصادر المياه الموجودة بين البحر والنهر، تتصرف إسرائيل وكأنّ هذه المصادر هي مُلك لها وحدها وتعتبر نفسها الجهة الوحيدة والحصرية المخولة صلاحية اتخاذ قرارات بشأن استخدام هذه المصادر. وقد عمِدت إلى بناء وتطوير نظامها المائيّ انطلاقًا من رؤية تعتبر إسرائيل والضفة الغربية منطقة جغرافية واحدة. لكن في داخل مناطق الضفة ذاتها، المواطنون الإسرائيليون فقط هم الذين يتمتعون بمخصصات المياه وفقًا لمؤشرات استهلاكها في داخل إسرائيل. نظام الأبارتهايد القائم بين البحر والنهر، والذي يعمل على تعزيز وترسيخ التفوق اليهودي في كامل المنطقة الخاضعة لسيطرته، يخلق بصورة متعمّدة فجوات هائلة في استهلاك المياه، بين أولئك الذين يتمتعون بالقوة المائية العظمى المصنفة في عِداد العالَم الأول، وبين الذين يعانون من ضائقة مياه مزمنة – وجميعهم من الرعايا الفلسطينيين. هذه سياسة وحشية تتمثل في استغلال مورد أساسي من أجل تحقيق غايات سياسية، حرب منهجية تسبب الضرر لمصادر المياه الخاصة بالتجمعات الفلسطينية الأكثر ضعفًا، في المناطق الصحراوية الأكثر حرارة في الضفة الغربية، وفي أيام الصيف القائظة، فقط بغية سلبهم ممتلكاتهم القليلة وأرضهم.

2 أيار/مايو 2023