الجيش يُجيز سيطرة غير قانونية لمستوطنين على أراضٍ فلسطينية خاصة ومُستَصلحَة
29 تموز/يوليو 2013
في أثناء شهري أيار وحزيران 2013، أخبر مجلس قرية عورتا عدة سكان فيها بتلقيها أمرًا بخصوص الاستيلاء على أراض تصل مساحتها إلى 63.4 دونمًا، وبأنّ أراضيهم مشمولة في إطار أمر الاستيلاء. وقد وُقّع الأمر يوم 19/3/2013 على يد العميد نيتسان ألون، قائد لواء المركز، فيما سُوّغ استيلاء الجيش على الأراضي بـ "احتياجات أمنية".
وتتبع ملكية الأراضي المذكورة إلى قرابة 25 عائلة من قرية عورتا، وإلى عائلة واحدة من قرية رجيب. وقد ورث الفلسطينيون هذه الأراضي من آبائهم وفيها كروم زيتون ولوز ومزروعات أخرى. وتقع هذه الأراضي اليوم بين جدار أمني أقامه الجيش عام 1992 حول مستوطنة إيتمار وبين طريق (مُسوّرة في بعض أجزائها) شقها المستوطنون بمبادرتهم هم وخلافًا للقانون، مع اندلاع الانتفاضة الثانية. وتقع هذه الطريق على بعد قرابة 500 متر من الجدار الأصليّ وهي تحيط به. كما أنّ رجال الأمن في المستوطنة يمنعون الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم في كل المنطقة الواقعة بين الطريق والجدار، وهي الأرض التي استولوا عليها خلافًا للقانون.
من إفادة سليم قواريق، من مواليد عام 1963، ومن سكان عورتا:
"علمت قبل عدة سنوات من ابن أخي الذي يعمل في مجلس القرية، أنّ هناك أمر استيلاء على الأراضي الواقعة خلف الجدار الثاني للمستوطنة، بما في ذلك أرضنا. وقد أحزنني هذا الأمر جدًا، ولو كان أبي على قيد الحياة وسمع بذلك لكان تلقى نوبة قلبية بالتأكيد. لقد عمل أبي بكدّ وتعب في هذه الأرض. عمل فيها ليلَ نهارَ طيلة حياته... وهذه الأرض تنتقل في داخل العائلة منذ مئات السنين، وقد ورثناها من آبائنا وأجدادنا.."
لم يقم الجيش، على مرّ السنوات، بفعل أيّ شيء من أجل إعادة الأراضي إلى أصحابها والسماح لهم بالوصول إلى أراضيهم بشكل حرّ. ومن الإفادات التي جمعتها بتسيلم يتضح أنّ المستوطنين منعوا المزارعين حتى عام 2007 من الوصول بتاتًا إلى هذه الأراضي. وفي عام 2007 اتفق الارتباط الإسرائيليّ والارتباط الفلسطينيّ على السماح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم في فترات الحصاد والقطاف، بالتنسيق مع الجيش. ويعتمد أصحاب الأراضي في رزقهم على المزروعات التي يلحقها الأذى الكبير جراء إهمال الأراضي طيلة الأيام المتبقية خلال العام: فعدة أيام للحصاد والقطاف لا تكفي لإزالة الأعشاب الضارة وتقليم الشجر، وهي ليست بديلاً لعناية الأرض اليومية على طول السنة. وهكذا تتجلى النتيجة السيئة في انخفاض المحاصيل وجودتها والمسّ الكبير جدًا بمصادر الرزق.

"الطريقة غير القانونية التي شقّها المستوطنون والأراضي التي سُيطر عليها وفق الأمر مُعلّمة بالأحمر. الصورة بلطف من من حركة السلام الان".
من إفادة محمود عوض، من مواليد عام 1935، ومن سكان عورتا:
"لقد ورثت من والدي (رحمه الله) قطعتي أرض موجودتين شماليّ القرية، على بعد قرابة كيلومترين عن بيوتنا. وتبلغ مساحة الأرض 9 دونمات، وهي تقع جنوبيّ مستوطنة إيتمار.. توجد في الأرض 150 شجرة زيتون و30 شجرة لوز.. مع مطلع الانتفاضة الثانية أقام المستوطنون جدارًا حديديًا يبلغ طوله 300-500 متر عن الجدار الأول. كما تحيط طريق المستوطنين بالمستوطنة من جميع الجهات وبأرضي أيضًا.."
"في عام 2007 أعلمونا بأنه بالإمكان إجراء تنسيق للدخول.. فرحت جدًا لأنه سيكون بإمكانية رؤية أرضي أخيرًا بعد كل هذه السنين. ذهبنا أنا وأبنائي إلى هناك في الموعد الذي حدّدوه لنا.. لم يكن وضع الأرض جيدًا. كانت مليئة بالأشواك والأعشاب الضارة، وكانت الأشجار بلا تقليم لسنوات... يومان لا يكفيان لقطف الزيتون. في الماضي كنا نحرث الأرض أربع مرات في السنة تقريبًا كي تظلّ خالية من الأعشاب، وكي تُثمر الأشجار. كلما اعتنينا بالأرض والشجر كان المحصول أفضل، وقد لحق أذى كبير بالمحصول وانخفض إنتاج الزيتون إلى أقل من 50%."
قبل قرابة الشهرين، وفي وقت قريب من إصدار الإخطار بالاستيلاء على الأراضي، أعلم مجلس القرية أصحاب هذه الأراضي بأنّ أشجارهم في الأراضي قد قُطعت. وقد اقترحت دائرة الارتباط الإسرائيلية على أصحاب الأراضي تقديم شكوى في الشرطة. في ليلة 10/7/2013 نسّق الارتباط الإسرائيليّ مع مجلس القرية جولة تقررت لصباح الغد، كي تسمح لأصحاب الأراضي بمعاينة الضرر الذي لحق بأشجارهم. وبرغم أنّ العديد من سكان القرية يملكون أراضيَ في المنطقة، إلا أنّ القليل منهم حضروا الجولة نتيجة للتنسيق المستعجل، ولذلك لم يجرِ عدّ الأشجار المقطوعة. مع هذا، ومن إفادات المزارعين الذين شاركوا في الجولة، فإنّ كل الأشجار في المنطقة قُطعت. وقد كان عدد الأشجار في هذه المنطقة مقدّرًا بألف شجرة.
وبما أنّ المزارعين ممنوعون من الدخول إلى أراضيهم، بشكل عامّ، فإنّ أحدًا منهم لم يكون موجودًا في الموقع أثناء عملية التخريب وليس في وسعهم أن يعرفوا متى وقعت هذه العملية بالتحديد ومن هو المسؤول عنها. وقال أصحاب الأراضي لبتسيلم إنّهم ينوون تقديم شكوى مركّزة لدى الشرطة في الأيام القريبة.
من إفادة فوزان عوض، من مواليد عام 1959، ومن سكان عورتا:
"في يوم 11/7/2013 وصلنا أنا وأخي فوزي إلى مدخل مستوطنة إيتمار الجنوبيّ-الغربيّ من أجل المشاركة في الجولة. وقرابة الساعة 5:30 صباحًا وصلت عدة سيارات جيب عسكرية وسيارات تابعة للارتباط الإسرائيليّ، ودخلت إلى المستوطنة... وبرغم أنّ الكثيرين من سكان القرية يملكون الأراضي في المنطقة، فقد كنا أربعة أشخاص فقط، ويبدو أن ّمردّ ذلك إلى أنّ السكان تلقوا خبر الجولة بشكل مفاجئ، كما أنّ هذا اليوم كان اليوم الثاني من رمضان."
"دخلنا إلى المستوطنة وبدأنا بالسير على الأقدام بمرافقة عدة جنود وأشخاص من الارتباط الإسرائيليّ. لم يسمحوا لنا بالوصول إلى أراضينا الواقعة بجانب جدار المستوطنة الأول بالقرب من بيوت المستوطنين، بادّعاء أنهم لا يرغبون بتطوّر مواجهة بيننا وبين المستوطنين. عندما رأيت أرضي خالية تمامًا من الأشجار شعرت بأنني سأُجنّ. كانت كل الأشجار مقطوعة. لقد ورثنا أنا وإخوتي من أبي (رحمه الله) أرضًا مساحتها 50 دونمًا وفيها 150 شجرة زيتون و300 شجرة لوز (بعضها بين الجدارين). لم تُقطع أشجارنا فحسب، بل الأشجار التي في الأراضي المجاورة لأرضنا. لقد قُطعت أكثر من 1000 شجرة لوز وزيت."

أحد كروم الزيتون التي خُرّبت في أراضي عورتا. الصورة التي صُورت أثناء الجولة التي أجراها الجيش لأصحاب الأراضي، وصلت إلى بتسيلم من مجلس عورتا. في الخلفية مستوطنة إيتمار.
برغم أنّ استيلاء المستوطنين هذا تمّ خلافًا للقانون، إلا أنّ الجيش لم يمنعه، بل أنه ساعد المستوطنين على تنفيذها حيث طلب من الفلسطينيين أن ينسقوا معه دخولهم إلى أراضيهم. وهكذا، ترك الجيش أملاكهم سائبة ومسّ بأرزاقهم، خلافًا للقانون. وهو يأتي الآن، وبدلا من أن يطالب المستوطنين بإخلاء الأراضي التي سيطروا عليها خلافًا للقانون، فإنه يُشرعن أعمالهم وعملية السلب بأثر رجعيّ. فإذا كانت أرزاق وحقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيين قد اُنتهكت بحماية صمت السلطات وسكوتها على انتهاك القانون، فإنّ هذه الانتهاكات أصبحت تجري تحت حماية القانون منذ بدء سريان أوامر الاستيلاء.
صحيح أنّ السبب الرسميّ لاستيلاء الجيش على الأراضي هو الاعتبارات الأمنية، إلا أنّ حقيقة كون الأوامر الجديدة تشرعن من الناحية القانونية أعمالا غير قانونية، بأثر رجعيّ، وأنّ المنطقة التي تسري عليها تطابق بشكل شبه تام المنطقة التي سيطر عليها المستوطنون بشكل غير قانونيّ، هذه الحقيقة تضع صدق هذه الاعتبارات في خانة الشك. وإذا كان الجيش يرى فعلا ضرورة للاستيلاء على هذه المناطق، فلماذا لم تصدر هذه الأوامر منذ سنوات طويلة؟
وإذا كانت هناك فعلا حاجة أمنية لزيادة وتقوية الوسائل الأمنية حول مستوطنة إيتمار، فإنّ على الجيش أن يجدر بدائل أخرى للسيطرة على الأرض لا تمسّ مصدر رزق أصحاب الأراضي الفلسطينيين.
قامت منظمة بتسيلم في الماضي بفحص سياسة إعلان الجيش عن "مناطق أمنية خاصة" حول المستوطنات في إطار تقرير "الأراضي المنهوبة". وتنتهك هذه السياسة حقوق الجمهور الفلسطينيّ انتهاكًا كبيرًا، حيث أنها تصادر الأراضي من أصحابها الفلسطينيين ومن الجمهور الفلسطيني عمومًا، وتضمّها إلى المناطق الخاصة بالمستوطنات بشكل فعليّ. أضف إلى ذلك أنّ هذه السياسة، وكما يتضح بجلاء من حالة إيتمار الحالية، تتمتع بجانب يخصّ "تبييض" عملية النهب ومخالفات اقترفها في السابق مواطنون إسرائيليون وحظيت وقتها بتجاهل من طرف السلطات، كأقلّ ما يُقال. وتطلب إسرائيل في إطار هذه الخطة من أصحاب الأراضي استيفاء سلسلة طويلة من الشروط كي يكون بمقدورهم الدخول إلى أراضيهم، كما أنها تلزمهم بعبور عملية بيروقراطية منهكة ومُذلة لقاء كلّ دخول إلى الأرض. ويشهد هذا التوجّه على مدارك مشوّهة وكأنّ منح إمكانية الدخول إلى الأرض هو مِنة يمنحها نظام متنوّر، وليس أداء واجب ملقى على كاهل الدولة المحتلة، التي تواجه حقوقًا أساسية مكفولة للمواطنين الفلسطينيين الذين يحوزون ملكية الأراضي.
"لقد ورثت من والدي (رحمه الله) قطعتي أرض موجودتين شماليّ القرية، على بعد قرابة كيلومترين عن بيوتنا. وتبلغ مساحة الأرض 9 دونمات، وهي تقع جنوبيّ مستوطنة إيتمار.. توجد في الأرض 150 شجرة زيتون و30 شجرة لوز.. مع مطلع الانتفاضة الثانية أقام المستوطنون جدارًا حديديًا يبلغ طوله 300-500 متر عن الجدار الأول. كما تحيط طريق المستوطنين بالمستوطنة من جميع الجهات وبأرضي أيضًا.."