الخليل - مركز المدينة

الخليل - مركز المدينة

الصورة
أطفال يجتازون حاجز 160 في طريقهم إلى المدرسة في مركز مدينة الخليل. تصوير موسى قواسمة، رويترز، 3.5.19

في وسط مدينة الخليل الذي كان في الماضي مركزًا تجاريًّا للجزء الجنوبيّ من الضفة الغربية أقامت إسرائيل عدّة مستوطنات في قلب منطقة سكن فلسطينية. في هذه المنطقة يفرض الجيش منذ سنين قيودًا صارمة ومشدّدة على الفلسطينيين أدّت إلى نزوح مكثّف للسكّان الفلسطينيين وإغلاق مئات المصالح التجارية وانهيار اقتصاد مركز المدينة.

بسبب وجود المستوطنين في قلب المدينة لم ينسحب الجيش منها في إطار الاتّفاق الانتقالي (أوسلو ب). في العام 1997 جرى توقيع اتّفاق الخليل بين إسرائيل ومنظمة التحرير ("بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل") الذي عُني بإعادة انتشار قوّات الجيش في المدينة وجرى ضمنه الاتّفاق على تقسيم الخليل إلى منطقتين: المنطقة الأولى H1 حيث يسكن معظم سكّان المدينة الفلسطينيّين - وكان عددهم حينئذٍ 115,000 نسمة بينما يبلغ عددهم اليوم نحو 166 ألف نسمة. في هذه المنطقة نُقلت الصلاحيّات الأمنيّة والمدنيّة رسميًّا إلى يد السّلطة الفلسطينية كما في بقيّة مدن الضفة. المنطقة الثانية H2 التي تشمل أيضًا البلدة القديمة، وكان يسكنها حينئذٍ نحو 35,000 فلسطينيّ ونحو 500 مستوطن. أمنيًّا ظلّت هذه المنطقة تحت سيطرة إسرائيل ونُقلت ليد السلطة الفلسطينية فقط الصلاحيات المدنيّة المتعلّقة بالسكّان الفلسطينيين هناك.

seran

يقيم اليوم في المنطقة H2 نحو 34 ألف فلسطينيّ ونحو 700 مستوطن ومن بين الفلسطينيّين يقيم نحو 7000 في أماكن متاخمة لمنازل المستوطنين والشوارع التي يستخدمونها. تتّبع السلطات الإسرائيلية في هذه المنطقة نظامًا يقوم علنًا وصراحة على "مبدأ الفصل" وعلى ضوء ذلك أنشأت إسرائيل فصلاً فيزيائيًّا وقضائيًّا بين المستوطنين والسكّان الفلسطينيين. يشمل هذا النظام فرض قيود صارمة ومشدّدة على تحرّكات الفلسطينيين القاطنين هناك - السائقين والمشاة على حدّ سواء بما في ذلك إغلاق شوارع رئيسية - فيما المستوطنون يتحرّكون بحرّية ودون أيّ قيد. إضافة إلى ذلك أصدر الجيش أوامر إغلاق لمئات المحالّ والمصالح التجارية الفلسطينية في هذه المنطقة.

إن التقييدات المتطرفة لحركة الفلسطينيين إضافة إلى عنف المستوطنين وعناصر قوات الأمن حوّلت حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق وأدّت إلى هجر مركز مدينة الخليل بشكل مكثف وانهياره اقتصاديًا.

أقام الجيش في قلب المدينة 21 حاجزًا تشغلها عناصر قوّات الأمن بشكل دائم ويخضع الفلسطينيون حين عبورها إلى تفتيشات مطوّلة ومهينة منها عشرة حواجز تعمل طيلة اليوم والبقيّة لا يمكن العبور منها ليلاً. في أحيان كثيرة يغلق الجيش أحد الحواجز دون سابق إنذار متذرّعًا بأنّ اعتبارات أمنيّة تقتضي ذلك. عند إغلاق الحواجز يُضطرّ السكّان إلى سلوك طرق عجيبة غريبة للوصول إلى المكان الذي يقصدونه حتّى لو كان ذلك منزلهم.

في بعض المناطق يفرض الجيش قيودًا أكثر صرامة وتشدّدًا. من ذلك أنّه لأجل الوصول إلى حيّ تل رميدة يضطرّ الفلسطينيّون إلى عبور حواجز شديدة التحصين. لأنّه في الفترة ما بين تشرين الأوّل 2015 ونهاية 2018 سُمح فقط لسكّان الحيّ بالدخول إليه ممّا يعني إبقاءهم معزولين. في حيّ السّلايمة نصب الجيش جدارًا يشقّ الحيّ نصفين بحيث يفتح الجنود البوّابة المثبّتة فيه فقط في ساعات محدّدة خلال النهار وفق اعتبارات يحدّدونها هم. عندما تكون هذه البوّابة مغلقة يُضطرّ السكّان إلى سلوك طريق التفافيّ طويل لأجل الوصول إلى منازلهم.

إنّ الوجود المكثّف للجنود وعناصر الشرطة في مركز المدينة والاحتكاك الدائم بينهم وبين السكّان الفلسطينيين يؤديان إلى تصرّف الجنود بعنف واستغلال الصلاحيّات الممنوحة لهم على نحو مثير للسخرية. الاعتداءات العنيفة والاقتحامات الليلة للمنازل والتفتيشات التعسّفية والمضايقات وإعاقة الناس على الحواجز والتعامل المهين - كلّها أضحت منذ زمن جزءًا من واقع يوميّ يعيشه السكّان الفلسطينيون. كذلك عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين أضحى منذ زمن روتينًا جاريًا: بمرور السنين نشأت في أوساط المستوطنين في الخليل ظواهر التنكيل المنهجيّ بالسكّان الفلسطينيين إذْ يكون بالغ العنف أحيانًا. على مرّ السنين وُثّقت من بين ما وُثّق، اعتداءات جسديّة ورشق حجارة وتخريب محالّ تجاريّة وأبواب وسرقات وإساءات كلاميّة ومحاولات دهس وكذلك بضعة أحداث إطلاق نار - انتهى أحدها إلى مقتل فتاة في الثانية عشرة من عمرها.

لا توجد زاوية في محيط المستوطنات في الخليل تخلو من الجنود. ومع ذلك يمتنع الجنود في معظم الاحيان عن حماية الفلسطينيين المعتدى عليهم. وحتى بعد انقضاء الحادثة تمتنع الشرطة تمامًا بشكل عام عن التحقيق في هجمات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم - رغم وجود كاميرات في جميع أنحاء المدينة - إذ نادرًا ما يتمّ اتّخاذ إجراءات ضدّ المعتدين. بذلك تجري الاعتداءات عمليًّا تحت حماية الشرطة.

القيود والتنكيل المستمرّ اللّذان يعانيهما الفلسطينيون في المنطقة H2 - وكلاهما من نتاج قرار دولة إسرائيل السماح بالاستيطان في قلب مناطق سكنية فلسطينية - يمنعانهم من إدارة حياتهم على نحوٍ طبيعيّ ومعقول وتحوّلان حياتهم إلى جحيم لا يطاق. هكذا تسعى السلطات إلى تنفيذ "ترانسفير" متواصل ضدّ الفلسطينيين سكّان وسط مدينة الخليل.

 

الصورة
سوق الفواكه في الخليل. من الاعلى: في سنوات التسعين. من الاسفل: عام 2007. تصوير: نايف هشلمون، مركز الوطن وكيرين مانور، اكتيبستيلس.

 

الصورة
ممر بين سوق الجملة وحي القصبة في التسعينات. تصوير: نايف الهشلمون، مركز الوطن وعام 2007 تصوير: كيرن منور، آكتيفستيلز.

 

الصورة
منطقة السهالة في الخليل، بالقرب من سوق الجمال. من الاعلى: في سنوات التسعين. من الاسفل: عام 2007. تصوير: نايف هشلمون، مركز الوطن وكيرين مانور، اكتيبستيلس.

 

مواد مقترحة

اعمال الضرب والتنكيل

مدينة الأشباح

مع جمعية حقوق المواطن في إسرائيل

14 أيار/مايو 2007

الخليل - مركز المدينة

تقرير جديد عن الخليل تصدره بتسيلم: بتحت غطاء الأمن نجحت إسرائيل في تنفيذ نقل قسريّ لسكّان المدينة الفلسطينيّين

التقرير الجديد الصّادر اليوم عن بتسيلم تحت عنوان "تحت غطاء الأمن: السياسة الإسرائيلية في مدينة الخليل كوسيلة لنقل سكانها الفلسطينيين قسريًا" يُظهر كيف تتذرّع إسرائيل بحجج أمنيّة لكي تطبّق في منطقة مركز مدينة الخليل سياسة جعلت حياة السكّان الفلسطينيّين جحيمًا لا يُطاق بهدف دفعهم إلى الرّحيل عن منازلهم. تعتمد هذه السياسة آليّات الفصل الحادّ والمتطرّف التي تطبّقها إسرائيل في المدينة منذ 25 عامًا، منذ المجزرة التي ارتكبها باروخ جولدشطاين بهدف تمكين ثلّة مستوطنين من السّكن في قلب مدينة فلسطينيّة مكتظّة. هذه السياسة خرق لحظر النقل القسريّ الذي يُعتبر جريمة حرب. تثبت المعطيات السكّانيّة أنّ إسرائيل قد حقّقت مبتغاها من تطبيق هذه السياسة إذ تداركت التكاثر الطبيعيّ في الخليل عبر دفع آلاف السكّان الفلسطينيّين إلى خارج منطقة 2H التي بقيت السيطرة التامّة عليها بيد إسرائيل. في عام 1997 عند توقيع اتّفاقيّة الخليل كان عدد السكّان الفلسطينيّين في منطقة 1H يبلغ 115 ألفًا ويبلغ عددهم اليوم نحو 166 ألفًا - أي أنّ الزيادة هي بنسبة 45%. مقارنة مع ذلك كان عدد الفلسطينيّين في منطقة 2H عند توقيع الاتّفاقيّة نحو 35 ألفًا أمّا اليوم فيبلغ عددهم نحو 34 ألفًا فقط. هكذا أصبح مركز المدينة وهو الجزء التاريخيّ من المدينة منطقة مهجورة أشبه بمدينة أشباح بعد أن كانت مركزًا تجاريًّا يعجّ بالنشاط ويتقاطر إليه الفلسطينيّون من منطقة جنوب الضفة كلّها. اليوم لا يقيم هناك من الفلسطينيّين سوى الذين لا يملكون خيارًا آخر. يعمل نظام الفصل بفعل منظومة قيود على حركة الفلسطينيّين تُنشئ شريطًا متّصلًا ومعزولًا عن بقيّة أجزاء المدينة يُمنع الفلسطينيّون من دخوله تمامًا أو وفق قيود صارمة سواء المشاة أو المسافرين. لأجل تطبيق هذا النظام أقام الجيش على مساحة ضيّقة ما لا يقل عن 22 حاجزًا و-64 سدّة من موادّ مختلفة وظيفتها إقصاء الفلسطينيّين عن شوارع مدينتهم. أصبحت أبسط الأنشطة اليوميّة - مثل شراء الحاجيّات وزيارة الأقارب والوصول إلى المدرسة أو مكان العمل - مقترنة بعبور حاجز واحد على الأقلّ والخضوع لتفتيش مهين وعشوائيّ، أو بسلوك طرق التفافيّة تستغرق وقتًا أطول بكثير، وفي أحيان كثيرة لا تناسب المسنّين وذوي الإعاقة. كذلك يقترن واقع حياة سكّان المدينة بعُنف روتينيّ يمارسه ضدّهم عناصر قوّات الأمن يشمل اقتحامات ليليّة لمنازلهم وإخضاعهم للتفتيش في الشوارع والاعتداء الجسديّ عليهم. هذا إضافة إلى العُنف اليوميّ الذي يمارسه ضدّهم المستوطنون بدعم تامّ من جميع السلطات الإسرائيليّة. النظام الذي تفرضه إسرائيل في جميع أنحاء الضفة الغربيّة يذكّرنا في كثير من أوجهه الإداريّة بنظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا (grand apartheid): تقييد الدّخول إلى أراضٍ وفرض القيود على الحركة والتنقّل وسلب الحقوق السياسيّة. وفي الخليل تحديدًا يتجسّد نظام الفصل الصّارم الذي تفرضه إسرائيل في مظاهر تذكّرنا أيضًا بـ petty apartheid. بكلمات أخرى: تقسيم نظاميّ للحيّز العامّ على أساس إثنيّ - بين اليهود والفلسطينيّين - يتجسّد في شوارع مخصّصة ومنفصلة يُمنع الدّخول إليها بواسطة سدّات. ما كان يمكن ازدهار الاستيطان في الخليل وتثبيته لولا الدعم التامّ من قبَل جميع الجهات الرسميّة وكافّة صانعي القرار في إسرائيل منذ العام 1968 وحتى اليوم. السياسيّون من اليمين ومن اليسار وقضاة المحكمة العليا وكبار المسؤولين في الجيش وجهاز الأمن ووكلاء النيابة العسكريّة والمدنيّة - جميعهم سلّموا بوجود مستوطنة في قلب مدينة فلسطينيّة كأمر واقع وقبلوا بالعنف الشديد والمتواتر الناجم عن وجودها، وبرّروا القمع والاضطهاد المتواصلين لسكّان المدينة الفلسطينيّين وسلب منازلهم وممتلكاتهم وأماكن عملهم. استمرّ هذا الدّعم التامّ ولا يزال مستمرًّا رغم انّ النتائج المروّعة للسّياسة الإسرائيليّة الإجراميّة في المدينة قد أصبحت واضحة ومعلومة.

25 أيلول/سبتمبر 2019

الخليل - مركز المدينة

تحت غطاء الأمن

التقرير يُظهر كيف تتذرّع إسرائيل بحجج أمنيّة لكي تطبّق في منطقة مركز مدينة الخليل سياسة جعلت حياة السكّان الفلسطينيّين جحيمًا لا يُطاق بهدف دفعهم إلى الرّحيل عن منازلهم. تعتمد هذه السياسة آليّات الفصل الحادّ والمتطرّف التي تطبّقها إسرائيل في المدينة منذ 25 عامًا، منذ المجزرة التي ارتكبها باروخ جولدشطاين بهدف تمكين ثلّة مستوطنين من السّكن في قلب مدينة فلسطينيّة مكتظّة. هذه السياسة خرق لحظر النقل القسريّ الذي يُعتبر جريمة حرب.

24 أيلول/سبتمبر 2019