في شهر حزيران نشرنا تحقيقًا حول جولة القتال الأخيرة التي وقعت في بداية شهر أيّار بين إسرائيل والمنظّمات المسلّحة في قطاع غزة وحول القتل والإصابات التي أوقعتها إسرائيل في صفوف المدنيّين في الغارات التي شنّتها. اليوم تنشر بتسيلم تحقيقًا آخر حول بنايتين هدمهما الجيش بعد أن أمهل سكّانهما دقائق معدودة فقط لإخلاء المكان وحول الأضرار الفادحة التي لحقت بالمدنيّين الذين سكنوا أو كانوا يديرون مصالح تجاريّة هناك.
تفيد معطيات هيئة الأمم المتحدة أنّ الجيش هدم في غارات القصف الجوّي التي شنّها خلال جولة القتال هذه 100 وحدة بناء من ضمنها 33 وحدة سكنيّة تهدّمت تمامًا و-30 وحدة بناء من ضمنها 19 وحدة سكنيّة طالتها أضرار بليغة؛ وبالمجمل جرى تدمير 52 وحدة سكنيّة وتشريد 52 أسرة تعدّ 327 نفرًا بينهم 65 ولدًا تحت سنّ الخامسة. إضافة إلى ذلك تضرّرت نحو 700 وحدة سكنيّة.
هذه الغارات الجوّية نفّذتها إسرائيل استنادًا إلى تأويلات للقانون الدّولي مغالطة قانونيًّا ومشوّهة أخلاقيًّا على غرار ما فعلت خلال "عملية الجرف الصّامد" التي لا تزال جرّاءها حتى اليوم نحو 2,300 اسرة تعدّ نحو 13,000 شخص بدون منزل. رغم هذا كلّه سوف تفلت إسرائيل في هذه المرّة ايضًا من المحاسبة ولن يطالبها أحد بدفع أيّ ثمن لقاء سياسة القصف والتفجير التي تتّبعها في القطاع. كعادتها، تتنصّل إسرائيل تمامًا من المسؤوليّة عن الدّمار والأهوال التي تلحقها بالقطاع من جديد في كلّ جولة قتال.
في الإفادات التي استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، وصف سكّان البنايتين لحظات الرّعب التي مرّت بهم حين اضطرّوا إلى إخلاء منازل خلال مهلة دقائق معدودة، والدّمار الذي طال حياتهم.
الصورة
أنقاض بناية الخزندار في مدينة غزة التي قصفتها إسرائيل في 4.5.19. تصوير أمجد جبر
بناية الخزندار في مدينة غزة، 4.5.19
في يوم السّبت الموافق 4.5.19 نحو السّاعة 21:00 أبلغ الجيش جيران بناية الخزندار - المؤلّفة من سبعة طوابق والواقعة في حيّ الرّمال في غرب مدينة غزّة أنّ على سكّان البناية إخلاءها لأنّه سيقوم بقصفها. عند السّاعة 21:30 شنّت طائرات إسرائيلية غارة جوّية على البناية. يزعم الجيش أنّ في البناية مكاتب لحركة حماس يستخدمها جهاز قيادة الضفة الغربيّة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي. يُظهر التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّ البناية كانت ملكًا لأربع إخوة من عائلة الخزندار واشتملت على ثمانية منازل خالية كانت معدّة لإسكان بنيهم ومكاتب لجمعيّات مختلفة ولحركة الجهاد الإسلامي إضافة إلى أربع حوانيت في الطوابق التّحتى.
الصورة
محمود نخالة في دكّانه البديل. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 11.6.19
محمود النخالة البالغ من العمر 29 عامًا من سكّان غزّة ومتزوّج كان يستأجر خلال السّنوات الثلاث الأخيرة محلّات لبيع الملابس النسائيّة في الطابقين التحتيّين. في إفادته التي أدلى بها يوم 11.6.19 قال:
في 4.5.19 قبل السّاعة 21:00 بقليل أغلقت محلّي ودخلت إلى حانوت الأحذية المجاور. سمعنا جلبة في الشارع. كان سكّان المنزل المجاور (من عائلة الحصري) يصرخون ويقولون انّ الجيش اتّصل بهم وأبلغ بانّه سيقوم بقصف بناية الخزندار - بنايتنا -وأنّ لدينا مهلة خمس دقائق لمغادرة البناية. خرجنا سريعًا من البناية ووقفنا على بُعد نحو مائة متر منها.
رأينا طائرة استطلاع تطلق صاروخين صغيرين لكي يغادر الناس البناية. بعد دقائق معدودة أطلق صاروخ آخر على الشارع المحاذي للبناية. حاولت العودة إلى دكّاني لكي أخرج البضاعة منه ولكنّ الناس ورجال الأمن هناك منعوني.
عند السّاعة 21:30 قصفوا البناية بصاروخين فتحوّلت إلى كومة أنقاض.
أحسست بأنّي سوف أصاب بجلطة. لم أصدّق ما تراه عيناي. خسرت المصلحة والبضاعة التي كانت في الدكّان - في الطابق الثاني كانت بضاعة من تركيا بقيمة 50 ألف دولار تقريبًا، كانت قد وصلت قبل نحو أسبوع. جلبتها لكي أبيعها خلال شهر رمضان والعيد.
لا أعرف لماذا استهدفنا الجيش الإسرائيلي بهذا الشكل الوحشيّ. أنا لا أنتمي لأيّ فصيل أو تنظيم في قطاع غزّة. أنا شابّ عصاميّ أعمل لأجل مستقبلي ولأجل زوجتي ووالدي الذي استثمر في هذه المصلحة ويدعمنا في كسب رزقنا. لقد فقدت كلّ ما كان لديّ. جميع الجهود التي بذلها ذهبت هباءً أمام عينيّ. ما ذنبي أنا؟ أمامي الآن مستقبل أسود.
بعد القصف أردت أن أغادر غزة لكنّ والدي أجبرني على العودة إلى العمل: الحياة تستمرّ. قرّرنا أن نفتح دكّانًا آخر قرب بناية الخزندار. استأجرنا مساحة أصغر ودفعنا آلاف الشواقل بدل إيجار وثمن بضاعة جديدة. اقترضت المال اللّازم من أصدقائي وأقربائي لكي أقف على رجليّ مجدّدًا.
لا رغبة لي في العمل. دكّاني الذي قصفوه يبعد 50 مترًا عنّي ولا يزال كلّ شيء تحت الأنقاض. حتى الآن لم أخلّص شيئًا من هناك. تنتابني الكوابيس كلّ ليلة بسبب المصلحة التي فقدتها والأموال التي خسرتها. لقد حدث ذلك على وشك قدوم عيد الفطر وهي الفترة التي يُفترض أنّها مربحة للتجّار وبائعي الملابس في قطاع غزة. لم أحصل من وزارة الأشغال والاقتصاد على أيّ تعويض حتى الآن. كأنّ أحدًا لا يحسّ بالمصيبة التي حلّت بنا.
أنا وزوجتي نرغب في مغادرة القطاع والانتقال للعيش في مكان نستطيع فيه أن نبني حياة أفضل وأن نكسب رزقنا ونتمتّع بحدّ أدنى من الحقوق؛ مكان فيه مستقبل. أنا لا أشعر بأنّي إنسان. لقد فقدت كلّ أمل بعد هدم مصلحتي التجاريّة. الجيش الإسرائيلي دمّر حياتنا كلّها ولم يُبق لنا شيئًا.
الصورة
ضياء الخزندار. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 19.5.19
أحد أصحاب البناية ضياء الخزندار البابغ من العمر 66 عامًا وهو طبيب متقاعد ومتزوّج وأب لثلاثة أولاد أدلى بإفادته في 19.5.19 قائلًا:
في 4.5.19 عند السّاعة 21:30 كنت في منزلي في حيّ الرّمال حين علمت من جيران البناية التي نملكها أنّه أطلق عليها صاروخا إنذار وبعد نحو 20 دقيقة قصفتها طائرات حربيّة إسرائيليّة وجعلتها كومة أنقاض. لم نتلقّ أيّ هاتف إنذاريّ من الجيش. أنا لا أعلم لماذا قصفوا البناية بهذا الطريقة البربريّة. هذه ليست منشأة عسكريّة.
أنا وإخوتي أقمنا هذه البناية واستثمرنا فيها كلّ توفيراتنا ليكون قسم منها مصدر دخل لنا والقسم الآخر منازل لأولادنا بعد أن يتزوّجوا. خلال دقائق معدودة دفنوا كلّ ما استثمرناه. انقلبت حياتي تبعثرت آمالي وأظلم مستقبلي. لقد كانت البناية مصدر أمل ودخل لنا ولأولادنا. إنّهم يسدّون أمامنا كلّ منفذ بمحاصرتنا جوًّا وبحرًا وبرًّا.
ليست هذه المرّة الأولى التي تلحق فيها إسرائيل الأضرار بعائلتنا. في عام 2008 هدمت جرّافات إسرائيليّة منزلي في منطقة بيت لاهيا شمال القطاع. كان مؤلّفًا من طابقين بمساحة 180 مترًا مربعًا. منذ ذلك الحين نقيم في منازل مستأجرة. كذلك هدموا بواسطة الجرّافات معملًا للبلاط كنت أملكه مع إخوتي في منطقة "ناحل عوز" شرقيّ مدينة غزّة.
الآن هدموا أيضًا البناية. أنا إنسان عادي، طبيب، ولا أنتمي لأيّ حزب.
الصورة
فلسطينيون يتناولون وجبة الإفطار في شهر رمضان بجانب أنقاض بناية القمر في مدينة غزة التي قصفتها إسرائيل في 5.5.19. تصوير إبراهيم أبو مصطفى، رويترز
بناية "القمر" في مدينة غزّة، 5.5.19
في يوم الأحد الموافق 5.5.19 نحو السّاعة 17:00 أبلغ الجيش سكّان بناية "القمر" في حيّ تلّ الهوى غربيّ مدينة غزّة، أنّه قريبًا سوف يقصف البناية وانّ عليهم إخلاءها. بعد مضيّ بضعة دقائق وقبل أن يتمكّن جميع السكّان من المغادرة أطلقت طائرة إسرائيليّة "صاروخ إنذار" على البناية. عندما غادر السكّان أطلق على البناية ومحيطها عدد آخر من "صواريخ الإنذار". وبعد نصف ساعة في الخامسة والنصف تقريبًا قُصفت البناية بواسطة صواريخ هجوميّة وهُدمت كلّها.
نشرت وسائل الإعلام مزاعم الجيش بأنّ حماس حفرت أنفاقًا تحت البناية. يُظهر التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّ البناية - المؤلّفة من سبعة طوابق، كانت تشمل أربعة حوانيت في الطابق الأرضيّ ومكتبًا لجمعيّة إغاثة تابعة للجهاد الإسلامي و21 منزلًا تقيم فيها 7 أسر تعدّ 55 نفرًا من بينهم 23 قاصرًا أصبحوا جميعًا بلا مأوى.
خميس زايدة البالغ من العمر 53 عامًا وهو موظّف في وزارة المواصلات ومتزوّج من امرأتين وأب لـ12 ولدًا كان يسكن في الطابق الأوّل من البناية مع سبعة من أولاده المتراوحة أعمارهم بين 3 و-26 سنة في منزل مساحته 250 مترًا مربّعًا. في إفادته التي أدلى بها يوم 22.5.19 قال:
الصورة
خميس زايدة. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 29.5.19
في يوم الأحد عند السّاعة 16:45 تلقّيت اتّصالًا على هاتفي النقّال من رقم مجهول. سألني الشخص المتّصل "هل أتكلّم مع خميس زايدة؟"، قلت له نعم وسألته من المتحدّث فأجابني أنّه من المخابرات الإسرائيليّة. قال: "قبالة منزلك توجد مدرسة ابتدائيّة. هل يوجد هناك أولاد الآن؟". قلت له: "اليوم عطلة، لا يوجد هناك أحد"، فقال: "يجب أن تبلغ سكّان البرج أنّ عليهم إخلاءه خلال 5 دقائق. نحن سنقوم بقصفه. سأعود وأتّصل بك بعد 5 دقائق".
أنا وزوجتاي وأولادنا هربنا وأبلغنا جميع السكّان أنّ الجيش سوف يقصف البرج. كانت حالة هستيريا تامّة. خرجنا حفاة ولم نأخذ معنا أيّ شيء من المنزل. صعدت إلى الطوابق العليا فوجدت امرأة قد شُلّت من شدّة الخوف. حملها ابني عامر (24 عامًا) على كتفيه ونزل بها إلى الشارع. بعد ذلك واصل ابني فحص البناية حتى أنّه صعد إلى السّطح وصرخ بكلّ قوّته مناديًا الناس إلى أن تأكّد أنّ جميع السكّان قد غادروا البرج.
عندما كان السكّان لا يزالون ينزلون من البناية أصابها صاروخ إنذار. بعد أن غادر الجميع أطلقت طائرات استطلاع على البناية عدّة صواريخ أخرى. أخذت أصرخ على الناس الواقفين في الخارج "ارجعوا إلى الوراء!". خفت أن يصابوا وكنت في حالة انهيار عصبيّ. بعد ذلك اتّصلوا بي مرّة أخرى من المخابرات الإسرائيليّة وسألوا إذا كان البناية قد أخليت تمامًا. أجبتهم أن نعم.
عند السّاعة 17:30 تقريبًا قُصفت البناية بعدّة صواريخ وانهارت كلّيًّا. صارت كومة رمال. أنا فقدت البناية وفقدت معها الابتسامة وبهجة الحياة. لم أستطيع ان أخرج أي شيء من البناية وبهذا فقدت كل ما أملك. كذلك ابني الذي تزوّج منذ فترة قصيرة ويسكن معي فقد كلّ ممتلكاته.
وقفنا خارج البناية ثمّ تقدّمت لاحقًا مع زوجتيّ وأولادي نحو الخرائب المتبقّية من منزلنا. حاولت أن أودّع المنزل الذي بذلت فيه جهد عمري كلّه. فكّرنا في الانتقال إلى منزل شقيق زوجتي ولكن في النهاية فتح لنا أحد جيراننا منزله فبقينا لديهم في ذلك اليوم. جميعنا كنّا في حالة نفسيّة صعبة. نحن نبكي طوال الوقت على منزلنا الذي فقدناه. سنتذكر دائمًا المنزل الذي كان لنا. دفعت ثمن المنزل نحو 50 ألف دولار دفعتها بالتقسيط الشهري عدا الأموال التي صرفتها لأجل ترميمه. عشنا حياة تقشّف لفترة طويلة لكي نوفّر المال اللّازم للترميم.
بنايتنا قُصفت بدون أيّ سبب. صحيح أنّه كانت فيها جمعيّة للجهاد الإسلامي- صندوق الإعانة والدّعم - ولكنّها مجرّد منظّمة لدعم طلّاب الجامعات. إذا كان هذا هو سبب القصف فقد كان بإمكانهم قصف الطوابق ذات الصّلة لا البناية كلّها، فنحن لا ذنب لنا.
غادة الوكيل البالغة من العمر 30 عامًا ربّة منزل وهي متزوّجة وأمّ للاثة أولاد تسكن مع أسرتها منذ قرابة ثلاث سنوات في منزل مستأجر في الطابق الخامس من البناية نفسها؛ وفي الشقّة المقابلة يسكن والداها وأربعة من إخوتها وأخواتها. في إفادة أدلت بها يوم 28.5.19 قالت:
عند الساعة 16:45 كنت في المنزل مع الأولاد ولم يكن تامر - زوجي، معنا. جاءت إلينا شقيقتي شذى (16 عامًا) وهي تصرخ "قصف، قصف". لم أفهم ماذا كانت تقصد. ظننت أنّ أحدًا من العائلة أصيب في قصف ما. فقط بعد وهلة فهمت أنّهم على وشك أن يقصفوا البرج. أخذت ابني محمّد وعمره سنة ونصف وأخذت أحاول الاتّصال بتامر ولكنّه لم يردّ. في هذه الأثناء ودون أن أنتبه، أخذت أخواتي ولديّ الآخرين علاء (7 أشهر) ويامن (6 سنوات) وخرجن. أخذت أصرخ وأبحث عن أولادي. في هذه الأثناء اتّصل بي زوجي ردًّا على اتّصالاتي له. قلت له وأنا أصرخ برُعب "إنّهم سيقصفون البرج وأنا لا أعلم أين أولادنا". كنت مذعورة تمامًا. دخلت إلى منزل الجيران وسألتهم أين أولادي. ولشدّة خوفي لم أستوعب أنّني أحمل محمد بنفسي.
جاءت أمّي وأخذت منّي محمد وبقيت أنا في المنزل أنتظر زوجي مع أخي مصطفى. عندما جاء زوجي ألقيت نظرة حزينة على منزلي ونزلنا. كان السكّان كلّهم في بيت الدّرج يهبطون وهم يصرخون بأعلى صوتهم.
عندما كنّا لا نزال داخل البناية أصابها صاروخ إنذار. نزلت إلى الشارع وكان جميع الجيران متجمّعين هناك. لم أر أحدًا من عائلتي - لا من أهلي ولا أولادي. خفت أن يكونوا لا زالوا في البناية وأن تُقصف وهم في داخلها. واصلت البحث عن أولادي إلى أن عثرت عليهم. كلّهم كانوا مع أهلي - وكانوا بملابسهم الدّاخليّة يصرخون ويبكون وقد تملّكهم الرّعب.
جاءت عائلة زوجي وأخذتنا إلى منزلها. كنت أبكي بشكل هستيريّ. ظلّ يحذوني الأمل بأن يقصفوا فقط طابقًا واحدًا أو شقّة واحدة، ولكن حينما سمعت صوت الانفجارات أدركت أنّ البرج كلّه قد تهدّم. اتّصلت بتامر، زوجي، الذي بقي قرب البناية فقال لي أنّهم فعلًا قد فجّروا البرج كلّه. أصابني ذهول. مرّت عشر دقائق وأنا جالسة وصامتة، والجميع يحاولون التحدّث إليّ وأنا لم يكن منّي سوى الصّمت. لم أفهم ما الذي جرى؛ حتى الآن أنا لا أفهم لماذا قصفوا منزلي والبناية التي كنت أسكن فيها.
خرجت من هناك دون أن آخذ معي شيئًا سوى هاتفي النقّال. ظلّ هناك الأثاث الذي دفعنا ثمنه مبلغًا وقدره والملابس الخاصة بي وبزوجي والأولاد وألعاب الأولاد كلّها وأوراقنا الثبوتيّة وحتى الصور - صور أولادي وصور عرسنا. جميع ذكرياتنا دُفنت تحت أنقاض البناية. لم يتبقّ لي شيء سوى الملابس التي كانت علينا.
بقينا في منزل عائلة زوجي لمدّة عشرة أيّام. كانت أيًّامًا صعبة فجميعنا محشورون في غرفة واحدة صغيرة. بعد ذلك انتقلنا إلى المنزل الذي استأجره أهلي - لأنّ شقّتهم أيضًا قُصفت. فكّرت في استئجار منزل لنا ولكنّ وضعنا الاقتصاديّ لا يسمح لأنّ زوجي عاطل عن العمل والإيجارات باهظة - على الأقلّ ضعف ما كنّا ندفعه في البناية التي قُصفت.
أولادنا يعانون ووضعهم النفسيّ سيّء جدًّا. يامن لم يذهب إلى المدرس منذ يوم القصف. تنتابهم الكوابيس في اللّيالي ونومهم متقطّع. يامن يتحدّث طوال الوقت عن ألعابه وغرفته. مرّ عليهم أسبوعان من الرّعب. لم يتوفّر لهم من الطعام ما يكفي وطوال الوقت كانت حرارتهم مرتفعة. محمد أصبح عدوانيًّا كثيرًا: يضرب إخوته طوال الوقت ويكسر الألعاب ويبكي ويصرخ. لقد فقدنا الكثير ولكن ذكرياتنا ممّا حصل في المنزل لا يمكن لأحد أن يعوّضنا لقاءها - لحظات الإخلاء المروّعة مع الزعيق والهلع والخوف كانت مرعبة ومخيفة. أتمنّى ألّا نشهد مثلها بعد الآن.
الصورة
جرّافات تُخلي ركام بناية القمر. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 29.5.19
اعتماد أبو عيشة البالغة من العمر 58 عامًا وهي متزوّجة وأمّ لسبعة أولاد وزوجها كانوا يقيمون في منزل مستأجر في الطابق الثاني من البناية مع ثلاثة من أولادهما وأسَرهم بما في ذلك أربعة أحفاد تتراوح أعمارهم بين 4 و-8 سنوات. في الإفادة التي أدلت بها يوم 18.5.19 قالت:
الصورة
اعتماد أبو عيشة. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم 28.5.19
في يوم الأحد قرابة الساعة 16:45 كنّا جميعًا في المنزل. فجأة سمعنا صراخًا في البناية. سألت ابني كاظم (41 عامًا) "ما الذي يجري؟ يبدو أنّ هناك قصف". فجأة صرخ بنا الجيران "اخرجوا من المنزل. انزلوا، الجيش الإسرائيلي يريد تفجير البناية". أصابني الهلع والذّهول ولم أعرف ماذا أفعل. جميعنا ارتعبنا كثيرًا وكنائني أصابتهنّ الصّدمة والأطفال أخذوا يصرخون.
في يوم الأحد قرابة الساعة 16:45 كنّا جميعًا في المنزل. فجأة سمعنا صراخًا في البناية. سألت ابني كاظم (41 عامًا) "ما الذي يجري؟ يبدو أنّ هناك قصف". فجأة صرخ بنا الجيران "اخرجوا من المنزل. انزلوا، الجيش الإسرائيلي يريد تفجير البناية". أصابني الهلع والذّهول ولم أعرف ماذا أفعل. جميعنا ارتعبنا كثيرًا وكنائني أصابتهنّ الصّدمة والأطفال أخذوا يصرخون.
خرجنا فورًا بملابس البيت - التي لا يليق الخروج بها. كنائني تغطّين فورًا بملابس الصّلاة. انتعلنا أحذيتنا ونحن ننزل الدّرج. ابني نائل نزل مع بناته الصغيرات وكنّ يبكين ويصرخن طوال الطريق إلى أسفل البناية. أنا احتجت للمساعدة لأنّني لم أتمكن من نزول الدّرج حيث أجريت عمليّة زرع عضل في رجلي اليمنى.
عندما نزلنا إلى أسفل ظننت أنّهم سيفجّرون فقط شقّة معيّنة في البناية. لم يخطر في بالي أنّهم سيفجّرون البرج كلّه. وجدت جميع سكّان البناية قرب البناية وهم يبكون ويصرخون. أطلقوا على البناية عددًا من صواريخ الإنذار.
تركت زوجي وأولادي وذهبت مع كنائني وأولادهنّ إلى منزل صديق لابني. بعد مضيّ 20 دقيقة تقريبًا قصفوا البناية. اتّصل نائل وقال لي أنّهم فجّروا البناية بأكملها. آه كم بكيت على المنزل وكم تحسّرت عليه، رغم أنّه ليس ملكًا لي. إنّه بيتي، السّقف الذي يؤويني ويؤوي أسرتي. لقد أصبحنا الآن مشرّدين، أنا وأولادي وأحفادي.
أقمنا لمدّة عشرة أيّام تقريبًا في منزل صديق ابني ثمّ وجدنا منزلًا استأجرناه وانتقلنا إليه. المنزل بدون أثاث، لا يوجد فيه أسرّة ولا أدوات كهرباء. حتّى أواني مطبخ لا يوجد لدينا وهذا بعد أن كنّا نسكن في منزل واسع جدًّا، 250 مترًا مربّعًا، وكان يكفي براحة تامّة لأسرة مكوّنة من 11 نفرًا. الأثاث الذي في منزلنا كنّا قد دفعنا لقاءه المال الكثير ولكنّنا اضطررنا لترك كلّ شيء. لم نأخذ معنا شيئًا. أصبح كلّ شيء أنقاضًا.
نحن الآن ننام جميعًا على فرشات قدّمها لنا الصّليب الاحمر. لا توجد لدينا غسّالة ولا ثلّاجة وهذا صعب جدًّا خاصّة وأنّنا في شهر رمضان. كنائني فقدن مصاغهنّ وابني فقد بضاعة للحانوت كان يخزّنها في المنزل. حتى أوراقنا الثبوتيّة أبقيناها في المنزل. كلّ أغراض كنائني موجودة الآن تحت الأنقاض: صور العرس، الملابس وكل ما نملك.
حفيداتي بنات نائل، كانت لهنّ غرفة مليئة بالألعاب وحقائب المدرسة والكتب - كلّه ضاع، كلّ شيء مدفون تحت الأنقاض، حتى كتب المدرسة خاصّتهنّ. منذ القصف لم تذهب حفيداتي إلى المدرسة. هنّ لا ينمن جيّدًا بسبب الخوف، وقد عدن للتبوّل في ملابسهنّ ليلًا. أنام إلى جانبهنّ وعندما يسمعهن أيّة ضجّة ينهضن مذعورات ويأخذن بالصّراخ "ستّي! ستّي!" - يعتقدن أنّه قصف آخر.
خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.
خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.