سياسة إطلاق النار

إسرائيل استهدفت عمدًا مباني سكنيّة في قطاع غزّة وقتلت 13 مدنيًّا من بينهم قاصران

الصورة
חורבות בית משפחת אל-מדהון המורחבת בבית לאהייא. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 29.5.19

في أوائل شهر أيّار بين 3.5.19 و-6.5.19 وقعت جولة قتال أخرى بين إسرائيل وتنظيمات مسلّحة في قطاع غزة. خلال هذه الأيّام أطلق الذراعان العسكريّان لحركتي حماس والجهاد الإسلامي نحو 700 قذيفة على إسرائيل قُتل جرّاءها ثلاثة إسرائيليين وجُرح 123 آخرون. كما قُتل مواطن إسرائيليّ آخر جرّاء صواريخ مضادّة للدبابات ألقتها الأذرع العسكريّة. إنّ إطلاق النار باتجاه التجمعات المدنية في إسرائيل غير قانوني وغير أخلاقي.

من جهة أخرى قصفت إسرائيل بالصّواريخ والقذائف المدفعية أكثر من 350 موقعًا في قطاع غزة وأصاب 153 شخصًا وقتلت 25 من بينهم 13 لم يشاركوا في القتال ولم يكونوا منتمين إلى أيّ من الأذرع العسكريّة - ومن بين هؤلاء ثلاث نساء إحداهنّ في الأشهر المتقدّمة من حملها وقاصران إحداهما رضيعة في الشهر الثالث من عمرها والآخر طفل يبلغ من العمر 11 عامًا.

وقُتلت امرأة حامل وابنة أخيها - طفلة في عامها الأوّل - جرّاء قذيفة أطلقها ناشطون في الذّراع العسكريّة لحركة الجهاد الإسلامي فأصابت منزل عائلتهن في مدينة غزّة

وكما في العمليات العسكريّة السابقة في هذه المرّة أيضًا استهدفت إسرائيل منازل سكنيّة ومباني مكاتب.

تفيد معطيات الأمم المتحدة أن 100 منشأة ومنها 33 وحدة سكنيّة قد جرى تدميرها تمامًا وأنّ 30 منشأة أخرى ومن بينها 19 وحدة سكنيّة - لحقتها أضرار شديدة أي أنّ في المحصلة دُمّرت 52 وحدة سكنيّة وشُرّدت 52 أسرة تعد 327 شخصًا من بينهم 65 طفلًا تحت سنّ الخامسة. إضافة إلى ذلك تضرّرت نحو 700 وحدة سكنيّة أخرى.

في أربع من الغارات التي استهدفت المباني قُتل أشخاص كانوا في داخلها أو في محيطها. بلغ مجموع الفلسطينيّين الذين قُتلوا في هذه الملابسات 14 جميعهم ما عدا واحدًا لم يشاركوا في القتال وبضمنهم قاصران. أظهر التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّه لم يتمّ تحذير السكّان تحذيرًا جديًا قبل القصف فلربما كان التحذير سيمكنهم من النجاة بأنفسهم وإنقاذ ممتلكاتهم.

إطلاق الصّواريخ وإلقاء القنابل على مناطق مأهولة بكثافة كما في قطاع غزّة ينطوي بطبيعة الحال على خطر محقّق يطال السكّان المدنيّين. لا نتحدّث هنا عن خطر نظريّ مفترَض بل عن واقع مُثبَت: إسرائيل التي تتباهى بقدرات تكنولوجيّة واستخباراتيّة فائقة قد قتلت آلاف المدنيّين في السنوات الأخيرة في غارات جوّية ومن ضمن ضحاياها مئات الأطفال. في عملية "الجرف الصّامد" العسكرية وحدها (التي جرت عام 2014) قُتل جرّاء القصف الجويّ 1,055 فلسطينيًّا لم يشاركوا في القتال - أي ما يقارب نصف الفلسطينيّين الذي قُتلوا في تلك العملية - ومن بين هؤلاء المدنيّين 405 أطفال و-229 امرأة. ورغم النتائج المروّعة المتوقّعة واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع مستهدفة منزلًا تلو منزل وأسرة تلو أسرة.

طريقة استخدام القوّة خلال هذه الغارات تندرج ضمن السياسة التي وضعها كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين. ليست هذه ممارسات جنود وطيّارين مخالفين للأوامر بل هي ممارسة منهجيّة تبعًا للأوامر الصادرة تعزّزها لاحقًا آراء خبراء قضائيّين في النيابة العسكريّة مهمّتهم تبرئة جميع المتورّطين بحجّة أنّها سياسة لا تخالف القانون. تبعًا لذلك لم تكن ممارسات الجيش في جولة القتال الأخيرة استثنائيّة ولا غريبة. علاوة على ذلك لن تتمّ محاسبة أحد من المتورّطين في هذه الغارات لأنّهم في نظر الجيش لم يفعلوا شيئًا سوى تنفيذ الأوامر.

لكنّ هذه السياسة ترفّ من فوقها راية سوداء مشيرة إلى مخالفتها للقانون. لقد جسّدت تجربة الماضي مرّة تلو الأخرى كيف أنّ إسرائيل لا تستطيع استخدام القوّة العسكريّة في غزّة دون المسّ الفادح بسكّان القطاع والفتك بهم بما في ذلك النساء والأطفال. وكما في حالات أخرى تحاول إسرائيل هنا أيضًا تأويل القانون الإنسانيّ الدوليّ على نحوٍ يبرّر هذا المسّ الفادح بحقوق الإنسان - في الحالات المعروضة هنا، قتل وجرح المدنيّين، لتقول إنّ أفعالها لا تخالف القانون. لكنّ تأويلات إسرائيل ينبغي رفضها قطعًا لأنّها خاطئة قانونيًّا وتستند إلى تصوّر مشوّه أخلاقيًّا.

قصف منزل عائلة المدهون في بيت لاهيا: 5.5.19

في يوم الأحد الموافق 5.5.19 نحو السّاعة 17:30 أسقطت طائرة قنبلة موجّهة نحو مبنى من طابق واحد يشمل دكّانًا وثلاثة منازل تسكنها عائلة المدهون في حيّ العطاطرة الواقع غربيّ بيت لاهيا. قُتل في هذه الغارة أربعة أشخاص: ثلاثة من عائلة المدهون وهم عبد الرّحيم المدهون البالغ من العمر 60 عامًا وكان في دكّانه في الجهة الجنوبيّة للمبنى. ابنه عبد الله المدهون البالغ من العمر 21 عامًا وهو ناشط في الذراع العسكريّة لحركة الجهاد الإسلاميّ. وكنّته أماني المدهون البالغة من العمر 36 عامًا وهي أمّ لأربعة أولاد وحامل في شهرها التاسع وجاره فادي بدران البالغ من العمر 31 عامًا. كما أصيب ستّة قاصرين - 5 من عائلة المدهون وابنة فادي بدران. إضافة إلى هذا كلّه ألحقت الغارة الجوّيّة أضرارًا فادحة بالمبنى حيث تهدّم تمامًا منزلان من الثلاثة كما تضرّر منزل عائلة بدران.

الصورة
أنقاض منزل عائلة المدهون في بيت لاهيا. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 29.5.19

أحد أبناء عبد الرّحيم المدهون - محمد المدهون (33 عامًا) كان في منزله عند استهداف المنزل وقد ثكل زوجته الحامل وأخاه وأباه وأصيب اثنان من أطفاله بجروح نتيجة القصف. في إفادة أدلى بها في 29.5.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صبّاح قال محمد المدهون:

في ذلك اليوم كان التصعيد شديدًا منذ ساعات الصّباح وكانت الطائرات الإسرائيليّة تحلّق في سماء غزّة. طوال الوقت كنّا نسمع صوت القصف والتفجير في شمال القطاع في جباليا وبيت لاهيا. عند الظهر ذهبت لأعزّي جيراننا بوفاة خالد أبو قليق وهو حارس فيلا راح ضحيّة القصف. عدت إلى منزلي في السّاعة الثانية والنصف بعد الظهر. ذهبت زوجتي والأولاد للنوم لأنّه كان واضحًا أنّنا لن نتمكّن من النوم في تلك اللّيلة بسبب التصعيد والقصف. بعد ذلك لحقت بهم ونمت إلى جانبهم.

استيقظت في الخامسة بعد الظهر وجلست في غرفة الضيوف أحتسي القهوة مع ابن عمّي ولاحقًا جاء أحد جيراني. ذهبت إلى المطبخ لكي أعدّ القهوة لجارنا. لدى عودتي سمعت صوت انفجار قويّ في المنزل. كان الصوت قويًّا جدًّا واعتقدت في الوهلة الأولى أنّ القصف وقع قرب منزلنا لكنّني سرعان ما أدركت أنّه منزلنا قد قُصف حين تطايرت حولي الشظايا وقطع الصفيح والحجارة والرمل والغبار والدخان. وقفت مشدوهًا غير قادر على الإتيان بأيّة حركة. فقط وقفت وسمعت تساقط الشظايا والرّكام من حولي.

كان من الصّعب رؤية أيّ شيء بسبب الغبار والدّخان. حاولت أن أمشي ولكنّني لم أتمكّن من ذلك. زحفت وتسلّقت أكوام الرّكام حتى وصلت إلى غرفة النوم التي كانت قد أصبحت بلا جدران. بعد ذلك توجّهت نحو منزل والدي فوجدت هناك شقيقي عبد الله ملقًى على الأرض وقد فارق الحياة. عدت إلى غرفتي لكي أتفقّد أوضاع زوجتي والأولاد.

الصورة
من اليمين إلى اليسار، عبد الرحيم مدهون وفادي بدران، اثنان من ضحايا الغارة الجوّية. صور قدّمتها العائلات مشكورة

في الطريق رأيت والدي يجلس في دكّانه ويحاول النهوض. كان يبدو أنّه مصاب. كان يلوّح بيديه طالبًا النجدة لأنّه تصعّب كثيرًا في التحرّك أو الكلام. لم أتمكّن من الوصل إليه بسبب ركام الحجارة والصفيح، وكذلك بسبب الصدمة التي تملّكتني. ناديت والدي ولكنّه نظر إليّ ولم يجب ثمّ وقع أرضًا. لاحقًا علمت أنّه قد أصيب بجروح بليغة ووضعه حرج. ناديت الجيران وطلبت منهم أن يخرجوا الجرحى من تحت الأنقاض - زوجتي واثنين من أولادي. خرج من بين الأنقاض جاري محمد الفار واتّجه نحو الشارع حاملًا على يديه ابنتي فاطمة (سنتان ونصف). سمعتها تصرخ وتتأوّه من الألم. جاءت سيّارة إسعاف فقلت لطاقم المسعفين إنّ زوجتي وابني محمود (4 سنوات) لا يزالان تحت الأنقاض فأخذوا يعملون على إخراجهما. حين أخرجوا طفلي محمود كان جريحًا ومغطّى بالغبار.

بعد ذلك أخرجوا أماني زوجتي - وهي في نهاية أشهر حملها ونقلوها هي ووالدي إلى سيّارة الإسعاف. فيما بعد علمت أنّ زوجتي وأخي عبد الله قد استُشهدا. نقلتني سيّارة إسعاف إلى المستشفى الإندونيسي حيث أجريت لي فحوصات وتبيّن أنّ وضعي جيّد. ذهبت للتعرّف على الجثث. تعرّفت على جثّة زوجتي أماني ورأيت ايضًا جثّة جنينها. بعد ذلك عرّفت على جثّتي فادي بدران وأخي عبد الله. كنت مصدومًا من فقدان زوجتي وأخي. فيما بعد ذهبت لرؤية أولادي الجرحى.

عدت إلى منزلي وجلست مع الجيران وعند منتصف اللّيل تقريبًا علمت أنّ والدي قد توفّي متأثرًا بجراحه في مستشفى الشفاء.

قصف مبنى "زعرب" في رفح 5.5.19

في ذلك اليوم قبل السّاعة 18:00 بقليل قصفت طائرة مبنًى مؤلّفًا من خمسة طوابق تملكه عائلة زعرب وفيه مكاتب وشقق سكنيّة. في الماضي كانت في قبو البناية مكاتب لحركة الجهاد الإسلامي لكنّهم أخلوها منذ تسعة أشهر وحلّ مكانها مقهى. ليس لدى بتسيلم معلومات عن وجود مكاتب آخرى تابعة لحركة الجهاد الإسلامي في المبنى. صابت قنبلتان موجهتان الطابق الثاني والطابق الأرضي والقبو. في هذه الغارة قُتل ثلاثة أشخاص: موسى معمر البالغ من العمر 35 عامًا وهو متزوّج وأب لأربعة أولاد وهو صاحب المقهى المذكور. هاني أبو شعر البالغ من العمر 37 عامًا وهو متزوّج وأب لأربعة أولاد وقد كان برفقة موسى معمر في المقهى. وعلى عبد الجوّاد البالغ من العمر 50 عامًا وهو متزوّج وأب لخمسة أولاد ومدير مركز لتعليم اللّغات في الطابق الأرضيّ وقد كان فيه عند الهجوم. إضافة إلى ذلك لحقت أضرار بمكاتب جمعيّة لإغاثة المعوّقين تقع في المبنى نفسه وأضرار أخرى لحقت مبانٍ مجاورة.

الصورة
المقهى الذي أصيب لدى قصف بناية زعرب. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 7.5.19

أحمد زعرب (19 عامًا) من سكّان رفح. عاطل عن العمل يقيم في أحد المباني المجاورة لبناية زعرب. عند السّاعة 17:00 تقريبًا وصل أحمد إلى المقهى الواقع في قبو بناية زعرب لكي يلتقي صديقيه موسى معمر وهاني أبو شعر وكان في المقهى أشخاص آخرين في ذلك الوقت. في إفادة أدلى بها يوم 7.5.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة وصف زعرب ما حدث:

كنّا نجلس نحن الثلاثة داخل المقهى. كانت الكهرباء مقطوعة ولذلك فتحنا الباب الخلفي - من جهة الشرق لكي يدخل الضوء. بعد ذلك صلّينا صلاة العصر جماعة ثمّ جلسنا على الكنبات وأشعلنا السّجائر. كنّا نريد السّفر إلى غزة لجباية ديون مستحقّة لموسى وهاني من بعض الأشخاص. وفيما نحن جالسون سمعنا فجأة ودون سابق إنذار صوت انفجار وامتلأ المكان بالغبار. أحسست أنّني طرت في الهواء بضعة أمتار. كان الأمر مخيفًا جدًّا. أخذت أزحف نحو بيت الدّرج ولكنّ أكوام الحجارة كانت تسدّ المدخل. بعد ثوانٍ قليلة سمعت انفجارين آخرين داخل المقهى. بعد الانفجار الأوّل كنّا نحن الثلاثة لا نزال معًا وكنّا نردّد "الشهادتين". كنت أسمع صوت صديقيّ ولكن بسبب الغبار لم أتمكّن من رؤيتهما. ولكن بعد الانفجارات الثلاثة لم أسمع بعد صوت موسى وهاني. ردّدت مجدّدًا "الشهادتين" لأنّني اعتقدت أنّ الطائرات سوف تواصل قصف البناية.

بعد ذلك ساد هدوء لمدّة دقيقتين تقريبًا. ناديت صديقيّ لكي أطمئنّ عليهما. ردّ عليّ موسى وأخذ يردّد "الشهادتين" بصوتٍ عالٍ. هدأ روعي قليلًا عندما سمعت صوته. ثمّ ناديت هاني بكنيته "أبو وسيم، أبو وسيم" فردّ عليّ قائلًا "حبيبي يا أحمد" وعندها اطمأنّ قلبي أكثر. زحفت نحو الجهة التي جاء منها صوت موسى وعندما وصلت إليه تحسّست رأسه. نظرت إليه فرأيته مصابًا بجروح بليغة في بطنه ورجليه. لم أستطع تحمّل المنظر فأغمي عليّ.

الصورة
من اليمين إلى اليسار، موسى معمر، أحمد زعرب - الذي نجا من الغارة، وهاني أبو شعر. صور قدّمتها العائلات مشكورة

أفقت من الإغماء بعد مرور بضعة دقائق فناديت هاني مرّة ثانية: "أبو وسيم، أبو وسيم" وردّ عليّ هو "حبيبي يا أحمد، حبيبي يا أحمد". أخذ الغبار ينقشع فتمكّنت من رؤيته. اقتربت منه ونظرت إليه. كان يجلس على الأرض ورجلاه ممدودتان أمامه. بعد أن احتضنته نظرت إليه بتمعّن فوجدته مصابًا بجروح بليغة في فخذه الأيسر من جهة الأمام وكان بنطاله ممزّقًا. قلت لهاني "ابق مكانك واسترحْ. سأذهب لاستدعاء نجدة". وحيث أنّني لم أكن قادرًا على المشي أو حتى الوقوف زحفت حتى وصلت إلى مدخل المقهى الخلفيّ الشرقيّ وأخذت أصرخ "يابا، يمّا، يا ناس!". كرّرت الصّراخ مرّات وكان صوتي يخفت أكثر في كلّ مرّة. جاء جارنا واسمه حمادة عقل وأشخاص كثيرون آخرون من سكّان المنطقة. عندما رآني حمادة انتابته الصّدمة. عندما همّ بحملي قلت له "دعْني واذهب إلى موسى وهاني. إنّهما داخل المقهى". بعد ذلك أغمي عليّ.

عندما أفقت كنت في المستشفى. رأيت موسى يدخل محمولًا على نقّالة وسمعتهم يقولون أنّه قد استُشهد. ورأيتهم يُدخلون هاني إلى غرفة العمليّات المجاورة للغرفة التي كنت أرقد فيها. عندما سمعت خبر مقتل موسى أجهشت ببكاء شديد وكان جسمي يرتجف. كنت في صدمة وقد حقنوني بدواء مهدّئ. بعد مضيّ ثلاث ساعات غادرت المستشفى إلى منزل شقيقتي لأنّ منزلنا تضرّر جرّاء القصف. عند السّاعة 21:30 ليلًا اتّصل صديق لي وأخبرني أنّ هاني قد استُشهد. كانت صدمتي بذلك مضاعفة. صمتّ وفقط أردت الاستغراق في النّوم. أما بالنسبة لوضعي فقد جاءت إصابتي طفيفة. لديّ أوجاع في أذني اليسرى وخدوش في الرجلين.

الصورة
الطوابق التي طالها القصف في بناية زعرب. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 7.5.19

حمادة عقل (29 عامًا) متزوّج وأب لطفل ويعمل بائعًا في محل درّاجات هوائيّة قريب من بناية زعرب. نحو السّاعة 18:00 كان في أحد حوانيت المنطقة حين سمع ثلاثة انفجارات قريبة. في إفادة أدلى بها يوم 7.5.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، قال حمادة:

الصورة
الشاهد حمادة عقل. تصوير خالد العزايزة، بتسيلم، 7.5.19

أسرعت إلى منزلي لكي أطمئنّ على الوضع هناك لأنّ الانفجار كان قريبًا من منزلي. عندما وصلت وجدت والديّ في حالة هلع. ولكن هدأ روعي حين تبيّنت بأنه لم تكن إصابات جسديّة والحمد لله غير أنّ المنزل نفسه قد تضرّر. بعد ذلك ذهبت في اتّجاه بناية زعرب لأنّها كانت محاطة بغمامة من الغبار. سمعت جارنا أحمد زعرب يناديني باسمي. تقدّمت نحو البناية بصعوبة بالغة بسبب الغبار والدّخان الذي تعالى من الجزء الأسفل للبناية.

كان أحمد ملقًى على الأرض ولكنّه لم يكن مصابًا حسب ما رأيت. قال لي إنّ صديقيه موسى معمر وهاني أبو شعر في داخل المقهى. دخلت رغم الدخان والغبار فوجدت هاني ملقًى على ظهره. سمعته يردّد "الشهادتين" ويتلو آيات من القرآن. كانت مصابًا بجروح بليغة.

الصورة
علي عبد الجوّاد، مدير مركز لتعليم اللغات، قُتل جرّاء الغارة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

سحبت هاني وحدي حتى وصلت به إلى المدخل الخلفيّ للمقهى من جهة الشرق. رأيت عددًا من الشبّان فناديتهم وجاءوا وأخذوه. عدت إلى داخل المقهى لكي أبحث عن موسى معمر فوجدته ملقًى على بطنه وكان يلفظ أنفاسه الأخيرة. صرخت مناديًا الشباب فجاءوا بنقّالة لأنّ سيّارات الإسعاف كانت قد بدأت تصل إلى الموقع. حمل الشبّان هاني وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. كنت أشعر بالاختناق بسبب الغبار ومحطّمًا نفسيًّا بسبب المناظر التي رأيتها. شاهدت شبّانًا يحملون جثّة الأستاذ علي عبد الجوّاد صاحب مركز "الأوائل" التعليمي الذي يقع فوق المقهى. كان محمولًا على نقّالة وقد فارق الحياة.

لاحقًا ذهبت إلى منزلنا لكي أتفقّد الأضرار. كان زجاج النوافذ محطّمًا وبعض الجدران قد تصدّعت. كذلك تحطّم بعض الأثاث.

قصف برج الشيخ زايد رقم 12 في بيت لاهيا 5.5.19

في بيت لاهيا أيضًا نحو السّاعة 20:00 من اليوم نفسه أصاب صاروخ الطابق الخامس (العلويّ) في برج الشيخ زايد رقم 12. قُتل في هذه الغارة ستّة أشخاص من عائلتين تقيمان في ذلك الطابق: أحمد الغزالي (30 عامًا) وزوجته إيمان أصرف (29 عامًا) شرطية, وابنتهما الرّضيعة ماريّا (3 أشهر) وطلال أبو الجديان (48 عامًا) وزوجه رغدة (46 عامًا) وابنهما عبد الرحمن (11 عامًا). كذلك أصيب تسعة أشخاص بجروح جرّاء الغارة نفسها.

الصورة
الشقق التي طالتها الغارة في برج الشيخ زايد رقم 12. تصويرمحمد صباح, بتسيلم، 9.5.19

كان محمد أبو الجديان (26 عامًا) ابن طلال ورغدة، في طريقه إلى المنزل عائدًا من زيارة لدى الأقارب وقد اتّصل به والده يحثّه على الإسراع في العودة إلى المنزل بسبب القصف على القطاع. أدلى محمد بإفادته في 7.5.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد، فقال:

الصورة
محمد أبو الجديان. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 7.5.19

بعد اتّصال والدي بخمس دقائق وصلت إلى بوّابة البرج ثمّ دخلت إلى البناية. تمامًا في ذلك الوقت قُصف المنزل الذي أسكن فيه مع والدي. لاحقًا علمت أنّ الجيش قصف المنزل دون إنذار مسبق لا عبر مكالمة هاتفيّة ولا بصاروخ إنذار. أصاب الصاروخ المنزل إصابة مباشرة. أخذت أركض في بيت الدرج لكي أستطلع ما يجري. رأيت جميع سكّان العمارة ينزلون ركضًا من منازلهم. خشيت أن يكون أبناء عائلتي قد قُتلوا. لم يسمعني أحد. عندما وصلت إلى الطابق الرّابع - وفيه شقّة خالية - رأيت أنّ الطابق الخامس الذي أقيم فيه أنا ووالديّ وشقيقي عبد الرحمن قد هوى إلى الطابق الرّابع. نظرًا للدّمار الكبير والوضع الكارثيّ كنت على يقين بأنّ أبي وأمّي وأخي قد استُشهدوا.

جاء الجيران وأشخاص آخرون لكي يساعدوا. وجاء مسعفون وطواقم من الدفاع المدني وأخذوا يبحثون عن أسرتي وعن عائلة الغزالي سكّان الشقّة المقابلة لشقّتنا والتي هوت أيضًا إلى الطابق الرّابع. في الشارع رأيت جثث أفراد عائلة الغزالي: أحمد الغزالي وزوجته إيمان وطفلتهما ماريّا.

الصورة
بيت درج مهدّم في برج الشيخ زايد. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 8.5.19

ذهبت مع أقاربي إلى المستشفى الإندونيسي لكي أتعرّف على جثّة أخي عبد الرحمن. بعون الله تمالكت نفسي من الانهيار. لم أصدّق أنّه هو. أخذت أردّد "إنّا لله وإنّا إليه راجعون".

بعد حلول الظلام توقّفت أعمال البحث عن طلال ورغدة أبو الجديان بسبب انقطاع الكهرباء. في صباح اليوم التالي تجدّد البحث عنهما وانتُشلت جثّتاهما من بين الأنقاض. عن المشاعر التي ألمّت به يقول محمد:

فجأة ودون سابق إنذار فقدت أنا وشقيقتاي أسرتنا بأكملها - الأب والأمّ والأخ - دون أيّة فرصة لوداعهم. كان القصف عنيفًا لدرجة أنّنا لم نعثر على الجثث سليمة. عند الدفن وضعنا جثمان أخي الصغير مع جثمان والدتي في قبر واحد. وُلد أخي بعد محاولات حمل استمرّت عشر سنوات ولذلك كان الصغير المدلّل. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. رحم الله والدي ووالدتي وأخي الصغير. أشعر الآن بأنّي وحيد في هذا العالم لا أب لي ولا أمّ ولا حتّى بيت لي بعد أن قصفوه بالكامل. أرجو من الله أن يلهمني الصبر على ما جرى لي.

الصورة
محمد طه. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 8.5.19

محمد طه (26 عامَا) يقيم في الطابق الرّابع مع زوجته ووالدته وأخيه وزوجة أخيه. عند السّاعة 20:00 تقريبًا عاد طه من الصّلاة في المسجد المجاور. بدأ القصف بعد أن دخل محمد البناية وأخذ يصعد الدرج. في إفادة أدلى بها يوم 8.5.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قال:

كان الانفجار هائلًا. كان محمد أبو الجديان قريبًا منّي وقد امتلأ وجهانا بالغبار وشظايا الزجاج. صعدت الدرج متّجهًا إلى منزلنا دون أن أتمكّن من رؤية شيء بسبب انقطاع الكهرباء. كان باب شقّتنا مفتوحًا والدخان والأنقاض من حولي. أخذت أنادي أخي وكان هو يصرخ ويردّ بأنّهم موجودون داخل الشقّة. عثرت على زوجتي ولكنّي لم أميّزها بسبب الغبار والدخان الأسود. من شدّة الانفجار طيّرها دفع الهواء إلى غرفة أخي أحمد.

في الغرفة نفسها كانت زوجة أخي الحامل في شهرها الثاني وقد تزوّجا قبل أربعة أشهر. الحمد لله أنّها كانت بخير هي والجنين. كان أخي خائفًا وأخذ يستدعي النجدة. سحبت زوجتي وسحب أخي زوجته وهبطنا الدرج بصعوبة بالغة. التقيت محمد أبو الجديان وأخبرني أنّ والده ووالدته وشقيقه قد استُشهدوا. طلبت منه أن ينزل برفقتي لأنّني خشيت أن يقصفوا البناية بصواريخ أخرى. نزلت إلى الشارع وهناك رأيت الجيران يستدعون النجدة. جثث الصبيّ عبد الرحمن وأبناء عائلة الغزالي كانت ملقاة في الشارع. كانت والدتي في البرج أثناء القصف ولكنّ جيراننا من الطابق الثالث وجدوها في بيت الدرج وأخذوها إلى الأسفل. سألت عن أحوالنا. أخذت والدتي وزوجتي وأخي وزوجته إلى برج آخر أكثر أمنًا.

في صباح اليوم التالي عدت إلى المنزل. المنزل مدمّر ولا يصلح للسّكن. لقد أصبحنا مشرّدين. نقيم حاليًّا في منزل شقيقتي في حيّ الدّرج. أدعو بالرّحمة لأرواح جيراننا الذين استُشهدوا - عائلة أبو الجديان وعائلة الغزالي وأدعو الله أن يصبّر جاري محمد الذي فقد كلّ عائلته. أنا مصدوم ممّا حدث لنا ولجيراننا. أشعر وكأنّني في كابوس خاصّة حينما أنظر إلى منزلنا فأراه قد أصبح أنقاضًا.

قصف محيط فيلا في بيت لاهيا 4.5.19

قرب السّاعة 21:00 من يوم السبت الموافق 4.5.19 أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا نحو كونتينر يستخدم كغرفة حراسة عند مدخل فيلتين محاذيتين يملكهما شقيقان من سكّان في بيت لاهيا. في ذلك الوقت كان داخل الكونتينر شخصان: حارس الفيلّا خالد أبو قليق البالغ من العمر 24 عامًا وهو متزوّج وأب لثلاثة أولاد وصديقه عطالله العطّار البالغ من العمر 30 عامًا وهو متزوّج وأب لولدين، ويعمل حارسًا في قاعة أفراح مجاورة. فور إطلاق الصّاروخ فرّ الاثنان خارجين من الحاوية واتّجها نحو مدخل إحدى الفيلّتين وحين طرقا الباب ولم يردّ عليهما أحد ركضا نحو الفيلّا المحاذية وهناك أطلق نحوهما صاروخ آخر قُتل جرّاءه خالد أبو قليق وجُرح عطالله العطّار.

أدلى العطار بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 19.5.1، قائلًا:

الصورة
عطالله العطّار في المستشفى. تصوير: محمد صباح, بتسيلم، 16.5.19

في يوم السبت مساءً كنّا أنا وخالد جالسين نشرب الشاي داخل كونتينر الحراسة التي يجلس به. بعد ذلك وعند صلاة العشاء ذهب خالد إلى المسجد القريب في الحيّ وعدت أنا إلى قاعة الأفراح المجاورة لإعداد القهوة - كان خالد قد طلب ذلك - ثمّ رجعت إلى الكونتينر. عندما عاد خالد من المسجد جلسنا وشربنا القهوة. سمعنا إطلاق قذائف من مصادر فلسطينيّة من الجهة الشمالية - الغربية. قال لي خالد إنّه يرغب في أكل الملوخيّة التي أعدّتها والدته. أنا لم أرغب في الانضمام إليه.

عند السّاعة 21:55 تقريبًا أحسست الأرض ترتجّ ووقعنا أنا وخالد عن الطاولة التي كنّا نجلس فوقها. قال لي خالد "هيّا نركض نحو الفيلّا". ركضنا نحو باب الفيلّا وطرقنا الباب لكنّ أحدًا لم يردّ. اتّجهنا نحو باب الفيلّا المحاذية. رنّ خالد جرس الباب وقال "افتحوا الباب" ثمّ طرق الباب.

فجأة أحسست بموجة حرارة وآلام شديدة في جسمي وأذني ثمّ أغمي عليّ. بعد أن أفقت نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي. في البداية وصلت إلى قسم الطوارئ ومن هناك أدخلوني إلى قسم العناية المكثّفة. لاحقًا حوّلوني إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت لي عمليّة لإخراج الشظايا وتركيب بلاتين في رجلي اليسرى. بعد ذلك أعادوني إلى المستشفى الإندونيسي وهناك بتروا جزءًا من كاحل قدمي اليمنى وما زلت أرقد للعلاج هناك.

فقط بعد مرور خمسة أيّام قالوا لي إنّ صديقي خالد قُتل جرّاء إطلاق الصّاروخ.

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022