قطاع غزة

جنود قتلوا بنيرانهم فتىً (16 عامًا) خلال مظاهرة قرب السياج الحدودي في غزّة – بذلك بلغ عدد ضحايا الجيش 24 قتيلاً منذ ابتدأت المظاهرات هناك في تشرين الأول 2015

29 آب/أغسطس 2017، حُدّث في 30 أيار/مايو 2019

تحديث: جمال مصلح والذي كان شاهدًا على مقتل عبد الرحمن أبو هميسة والذي تظهر إفادته في ما يلي، أصيب برصاص جنود بالظهر بتاريخ 29.12.2017 وتوفي متأثرًا بجراحه في اليوم التالي.

يوم الجمعة الموافق 28.7.17، زهاء الساعة 14:30، نظمت المظاهرة الأسبوعية بالقرب من السياج الحدودي شرقي مخيم البريج للاّجئين في قطاع غزة. وفي الأسبوع نفسه، في ذلك الأسبوع جرت المظاهرة تحت وقْع أحداث شرقي القدس والمسجد الأقصى. وقد شارك في المظاهرة نحو 100-150 من الشبّان. في أثناء المظاهرة رشق الشبّان الجنود بالحجارة، بعضهم مستخدمًا في ذلك مقلاعًا. كانت مجموعة الجنود متمركزة في الطرف الآخر من السياج الحدودي. وفيما كانوا في مواقعهم خلف سواتر ترابيّة وإلى جانبها، أخذ الجنود يطلقون نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدموع. عندما أخذ المتظاهرون في الاقتراب من السياج أطلق الجنود الأعيرة النارية على أقدامهم.

متظاهرون فلسطينيون يهربون من نيران قوّات الأمن الإسرائيلية خلال مظاهرة قرب الجدار الأمنيّ، شرقيّ مدينة غزّة. تصوير: محمد سالم، روتيرز، 20.11.15
متظاهرون فلسطينيون يهربون من نيران قوّات الأمن الإسرائيلية خلال مظاهرة قرب الجدار الأمنيّ، شرقيّ مدينة غزّة. تصوير: محمد سالم، روتيرز، 20.11.15

يتبين من تحقيق بتسيلم أنّ عبد الرحمن أبو هميسة، 16 عامًا، تقدّم زهاء الساعة 16:00 مع عدد من أصدقائه، جميعهم من مخيم البريج، عشرات الأمتار جنوبًا على طول السياج في محاولة منهم للابتعاد عن الجنود. صعد عبد الرحمن أبو هميسة تلّة صغيرة تمتدّ في محاذاة السياج الحدودي على بُعد نحو خمسين مترًا منه.

جمل أبو مصلح، 20 عامًا، كان يقف بالقرب من أبو هميسة. في الإفادة التي قدّمها في تاريخ 30.7.17 لباحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة، روى جمل ما حدث:

جمل أبو مصلح، 20 عامًا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 30.7.17.صعد عبد الرحمن التلّة، وذهب معه اسماعيل جبر ومؤمن الخالدي. وبينما كان عبد الرحمن يتقدم، أصابته رصاصة أطلقها أحد الجنود الذين كانوا في مركز الساتر الترابي، على بُعد 50 مترًا تقريبًا. أصيب عبد الرحمن في طرف جسده الأيمن، وقع على الأرض وبدأ يصرخ "جمل، ساعدني!" وينطق بالشهادتين. خفت، وقلت له إنّي لا أستطيع الوصول إليه، لأني كنت خائفًا. في اللحظة التي أصيب فيها عبد الرحمن، أصيب أيضًا إسماعيل وسقط إلى جانبه. حاول مؤمن الخالدي أن يجرّ عبد الرحمن إلى الخلف، وعند ذلك أصيب هو أيضًا وسقط، ولهذا لم أتمكّن من الاقتراب منهم.

بعد أن توقّف إطلاق النار، صعدت إلى أعلى التلّ. حملتُ المصاب إسماعيل جابر على كتفي وسحبته في اتجاه الغرب مبتعدًا عن الحدود، شباب آخرون حملوا عبد الرحمن ومؤمن الخالدي. أدخلت إسماعيل إلى سيارة الإسعاف والشباب كانوا خلفي، وصلوا وأدخلوا عبد الرحمن إلى سيارة الإسعاف نفسها، ولم يكن يتنفّس. كان قد توفّي.

مؤمن الخالدي، 23 عامًا، روى في إفادة قدّمها في تاريخ 30.7.17 لباحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة:

بينما كنت واقفًا مع عدد من الشباب، قالوا لي إنّهم سمعوا شخصًا يصرخ من فوق. صعدت إلى أعلى تلّة ترابيّة صغيرة ورأيت عبد الرحمن ملقىً على الأرض. طلب المساعدة وكان يعيد ويكرّر النطق بالشهادتين. على بُعد مسافة قصيرة منه، في الاتجاه الأقرب إليّ، كان إسماعيل جابر مستلقيًا على الأرض. أخذت في سحب عبد الرحمن من ساقيه، وعندها أطلق عليّ الجنود عيارًا أصابني في الفخذ الأيمن. تركت عبد الرحمن، ابتعدتُ عنه بضعة أمتار وسقطت على الأرض. ظلّ عبد الرحمن وإسماعيل ممدّدان على الأرض بجانبي. عندما حاول إسماعيل أن ينهض أطلق الجنود رصاصة أخرى عليه فسقط مرّة أخرى.

شرعت في الصراخ نحو المتظاهرين، الذين كانوا بعيدين عنا، لكي يأتوا ويساعدوا. جاء عدد منهم وحملوا اسماعيل، وعبد الرحمن الذي لم يكن يتنفس. نقل الشباب كليهما إلى سيارة إسعاف كانت تقف بعيدًا، ثمّ عادوا إليّ. كان جُرحي ينزف وزحفتُ على الأرض لكي أبتعد عن الحدود.

مؤمن الخالدي، 23 عامًا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 30.7.17.
مؤمن الخالدي، 23 عامًا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 30.7.17.

عندما وصل الشباب إليّ حملوني على أيديهم لمسافة 250-300 مترًا. عندما لم يجدوا سيارة، نقلوني على درّاجة نارية، وفي الطريق صادفتنا سيارة إسعاف فنقلتني إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث قاموا بتضميد الجرح وأجروا لي صورًا تبين منها أن هناك ثقبان في فخذي الأيمن، ثقب دخول وثقب خروج العيار الناري.

عندما وصل أبو هميسة إلى مستشفى شهداء الأقصى كان قد توفّي، وقد أظهر الفحص ثقب دخول رصاصة في كتفه الأيمن وثقب خروج في الجزء العلوي من ظهره. أمّا الخالدي فقد أصابه عيار ناريّ في فخذه الأيمن، بينما إصابة جابر كانت جرّاء إطلاق النار على ساقه اليسرى وفخذه الأيسر. خرج كلاهما من المستشفى في اليوم التالي.

قبل نحو عامين، في تاريخ 10.10.15، ألقي القبض على أبو هميسة مع خمسة شبان فلسطينيين آخرين، اثنان منهم قاصران، بعد أن عبروا الحدود في أعقاب مظاهرة بالقرب من السياج الحدودي. أثناء الاعتقال وخلال الأيام الثلاثة التالية، قام الجنود بالتنكيل بالمعتقلين الستّة، وأبقوهم مكبّلين في العراء طيلة الفترة كلّها، ضربوهم مرارًا، منعوهم من النوم، بل إنّهم أطفأوا السجائر في قدمي ويدي أحد المعتقلين القاصرين. أدين أبو هميسة بالتسلل إلى إسرائيل وحكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر، وفي تاريخ 26.1.16 أطلق سراحه.

في إفادة قدّمتها في تاريخ 30.7.17 لباحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، تحدّثت والدته، حكمت أبو هميسة، 52 عامًا، عن ابنها:

حكمت أبو هميسة، 52 عامًا، والدة عبد الرحمن الذي قتل برصاص الجنود بالقرب من السياج الحدودي في قطاع غزة. تصوير: أولفت الكرد، بتسيلم. 30.7.17.عندما اعتُقل عبد الرحمن كان في الصفّ التاسع. خسر أربعة أشهر دراسيّة، ومنعونا من زيارته طيلة فترة اعتقاله. حالتي النفسية كانت صعبة جدًا، وكنت حزينة جدًا بسبب اعتقاله.

فرحت جدًا حين أُطلق سراحه في تاريخ 26.1.16 . كان ذلك يومًا لن أنساه. انتظرته عند حاجز إيريز من التاسعة صباحًا إلى أن وصل، في الساعة الرابعة. التقيت به خارج الحاجز، عانقته وقبّلته ثمّ عدنا إلى البيت. بعد ذلك، عاد عبد الرحمن إلى المدرسة، ثمّ ترفّع إلى الصف العاشر. حالته النفسية كانت صعبة ولذلك لم يرغب في مواصلة الدراسة. كان عصبيًا جدًا، وأحيانا كان يصرخ، ولم يحب التحدث إلى أي شخص.

سجّلته في مؤسّسة للتأهيل المهني تابعة للأونروا، لكي يتعلّم مهنة تفيده في المستقبل، ولكي تتحسّن حالته النفسيّة، التي ساءت بسبب حبسه في السجن الإسرائيلي.

في يوم الجمعة الماضي 28.7.1،7، جاء جارنا إلى منزلنا وأخبر زوجي بأن عبد الرحمن قد أصيب. شغّلت بناتي التلفزيون وشاهدن في الأخبار نبأ مقتل ابني. لم أصدّق ما شاهدته في التلفزيون. شرعت في تلاوة الآية القرآنية "إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ثمّ أغمي عليّ. أيقظني أولادي وسافرت إلى المستشفى مع زوجي وبناتي وجارنا.

عندما وصلنا إلى مستشفى شهداء الأقصى، توجّهت إلى مكتب الاستقبال وسألت عن ابني. قال لي الأطباء إنه ميت، وأنه الآن في ثلاّجة الموتى. لم أصدّقهم. كان لديّ أمل أن يكون عبد الرحمن على قيد الحياة مازال، لكنّ الأطباء أكّدوا لي أنه قد مات. وقعت على الأرض وأخذت في الصراخ والعويل على فقدان ابني.

بعد ذلك، توجّهت إلى غرفة ثلاّجات الموتى في المستشفى. فتح أحد الممرّضين الدُّرج الذي رقد فيه عبد الرحمن. عندما رأيته راقدًا في الثلاجة أخذت في الصراخ والعويل، عانقته على أمل أن يستيقظ وأن نتمكّن من أخذه معنا إلى البيت. كنت مصدومة من موت ابني الغالي الذي فقدته ولن تراه عيني بعد اليوم. ودّعته في تلك اللحظة. قلبي يتمزّق ألمًا على فراق ابني. عندما عانقته أحسست كأنّي أريد أن أضعه داخل قلبي فلا أفارقه أبدًا، لكن الموت فرّق بيننا. بعد أن ودّعته في المستشفى، عدت إلى البيت في حداد عليه وألم كبير يعتصر قلبي.

أنا الآن مشتاقة لعبد الرحمن. مشتاقة لضحكته وحبّه ونكاته. رغم الألم والحزن اللّذين أشعر بهما جرّاء فراقه، أصلّي من أجله وأتمنّى له الرحمة.

عبد الرحمن أبو هميسة الذي قتل برصاص الجنود بالقرب من السياج الحدودي في قطاع غزة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم. 2016.أظهر التحقيق الذي أجرته منظمة بتسيلم أنّ جنودًا قتلوا عبد الرحمن أبو هميسة وجرحوا اسماعيل جبر ومؤمن الخالدي حين أطلقوا عليهم أعيرة نارية من مسافة نحو خمسين مترًا، رغم أنّ الثلاثة لم يشكّلوا خطرًا عليهم. في عام 2016 قُتل في مكان قريب كلّ من محمد أبو سعد وعبد الرحمن الدباغ. وبمقتل أبو هميسة يرتفع عدد الضحايا الفلسطينيين إلى 24، قُتلوا بأيدي جنود خلال المظاهرات التي جرت قرب السياج الحدوديّ منذ شهر تشرين الأوّل عام 2015. أيٌّ من هؤلاء القتلى لم يشكّل خطرًا على حياة الجنود. أبو هميسة هو القاصر الثالث من بين الضحايا.

لدى التمعّن في سلسلة الأحداث القاتلة التي جرت قرب السياج الحدوديّ، يتبيّن بوضوح أنّ الجيش يتّبع سياسة إطلاق نار مخالفة للقوانين حين يطلق نيرانه على متظاهرين لا يشكذلون خطرًا على الجنود. لا ينكر الجيش هذه الوقائع، ولكنّه في تصريحاته الرسمية لوسائل الإعلام يظهرها على أنّها "إطلاق نار تجاه محرّضين مركزيّين" أو خطوات يتوجّب اتّخاذها "لمنع إلحاق الضرر بالسياج الحدوديّ". وسواء كان المبرّر هذا أو ذاك، فالجليّ أنّنا أمام واقع تُستخدم فيه النيران القاتلة وعلى نحوٍ مخالف للقانون ضدّ متظاهرين فلسطينيين لا يشكّلون خطرًا، ولكن يُنظر إلى دمائهم على أنّها رخيصة.

طيلة السنين الماضية كانت منظمة بتسيلم تتوجّه بمطالبات إلى جهاز تطبيق القانون العسكري بهدف الدفع نحو مساءلة ومحاسبة جدّيتين في حالات قتل فلسطينيين، ولكنّ تلك المطالبات لم تُسفر عن أيّة نتيجة. في حالات كثيرة لم يتمّ فتح تحقيق، وعلى أيّة حال، فإنّ الأحداث التي أجري فيها تحقيق انتهت على نحوٍ شبه دائم إلى التستّر وطمس الحقائق. لذلك قرّرت منظمة بتسيلم الامتناع عن التوجّه إلى النيابة العسكرية طلبًا للتحقيق؛ علمًا أنّ المنظمة في الوقت نفسه تواصل العمل بطرق أخرى للدفع نحو المساءلة والمحاسبة. تحقيقًا لهذه الغاية، نحن مستمرّون في التحقيق في مثل هذه الأحداث ونشرها على الملأ. مع ذلك، فالأمر المفروغ منه هو أنّ إجراء التحقيق ومحاكمة المسؤولين جميعًا عن هكذا أحداث يبقى من واجب الجهاز العسكريّ. ولكن طالما النيابة العسكرية تواصل اتّباع سياسة التستّر وطمس الحقائق فليس هناك ما يردع أفراد قوّات الأمن عن مواصلة إطلاق النيران القاتلة على فلسطينيين لا يشكّلون خطرًا على حياتهم.

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023