قطاع غزة

جندي قتل فتىً (15 عامًا) بإطلاق قنبلة إضاءة على رأسه. الفتى كان يقف على الجانب الآخر من السياج الحدودي لقطاع غزة ولم يشكّل خطرًا على أحد

5 تشرين الأول/أكتوبر 2016، حُدّث في 23 أيار/مايو 2022

عبد الرحمن الدباغفي تاريخ 9.9.16، عند الساعة 19:10، قتل جندي الفتى عبد الرحمن الدباغ، 15 عامًا، من سكان البريج، حين أطلق عليه قنبلة إضاءة من مسافة قصيرة جدًا أثناء مظاهرة قرب الجدار الأمنيّ شرق مخيم البريج. أصابت القنبلة منطقة أعلى عين الدبّاع فكسرت عظام الجمجمة وعلقت بينها فيما استمرّت بالاشتعال لثواني طويلة وهي ملتصقة بوجهه. شريط الفيديو الذي صوّره أحد المشاركين في المظاهرة ووصل إلى بتسيلم يوثّق لحظات ما بعد عملية إطلاق القنبلة، والتي شوهد فيها الدباغ ممددًا على الأرض فيما قنبلة الإضاءة مشتعلة لِصْقَ وجهه. في البلاغ الذي وصل وسائل الإعلام العبرية قال الجيش إنّ قواته الموجودة في المنطقة لم تطلق النار.

تبيّن من تحقيق بتسيلم أنّه ككلّ يوم جمعة، بعد الساعة الثانية ظهرًا، تظاهر ما يقارب مائة شابّ وفتى بالقرب من الجدار الأمني شرقي مخيّم البريج. من الجانب الآخر للجدار كانت هناك أربع سيارات جيب عسكريّة وما لا يقلّ عن عشرة جنود، قسم منهم وقف بالقرب من سيارات الجيب والآخرون وقفوا على أكوام التراب من خلفهم، باتجاه الشرق. قسم من المتظاهرين ألقى الحجارة باتجاه الجنود، من بينهم الدباغ الذي ألقى الحجارة بواسطة مقلاع. وفق أقوال شهود كانوا في المكان، أطلق الجنود الرصاص الحيّ في الجوّ وباتجاه أقدام المتظاهرين وألقوا قنابل الغاز المسيل للدموع، وكذلك قنابل الصوت وقنابل الإضاءة.

زهاء الساعة 15:00 اقترب الدباغ، برفقة نحو عشرة متظاهرين آخرين، إلى سياج أسلاك يبعد نحو عشرة أمتار عن الجدار الحدوديّ غربًا. قصّ هؤلاء سياج الأسلاك، واجتازوه مقتربين من الجدار الأمنيّ (السياج الحدودي). أخذ الشبّان حينًا يقتربون مسافة أمتار معدودة من الجنود وحينًا يبتعدون عنهم. وفق أقوالهم، أطلق الجنود عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الإضاءة.

عبد الرحمن الدباغ يرفع مقلاعًا قبل مقتله بساعات معدودة.
عبد الرحمن الدباغ يرفع مقلاعًا قبل مقتله بساعات معدودة.

استمرّ رشق الحجارة وكذا إطلاق النار على المتظاهرين حتى ساعات المساء. بعد الساعة 19:00 بقليل، وكان الدباغ قد ابتعد عن الجدار الأمنيّ مسافة 10-15 مترًا، أطلق عليه أحد الجنود بتصويب مباشر قنبلة إضاءة قطرها 40 ملم من خلال قاذفة قنابل. أ.د، البالغ من العمر 31 عامًا، من سكان مخيّم دير البلح، وصف في إفادة قدّمها لمحقق بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة ما شاهده:

أطلق الجنود باتجاهنا قنبلتين من قنابل الإضاءة بتصويب مباشر. أصابت القنابل الجدار وتسببت في اشتعال النيران. بعد الساعة 19:00 بقليل، تقدّم جندي بضع خطوات وأدخل بندقيته عبر الجدار. أطلق قنبلة إضاءة مباشَرَة على عبد الرحمن. أصابت القنبلة رأسه. سقط على الأرض وظلّ وجهه يشتعل.

اقتربت منه بسرعة لكن أحد الجنود قال لي بالعربية: "تراجعْ وإلاّ أطلقت النار عليك". قلت له أنّي أريد فقط أن أحمله. تقدّمت خطوتين باتجاه عبد الرحمن وأطلق الجنديّ بعض الرصاصات باتجاه قدميّ. توقفت. ثمّ شغّل الجندي مؤشر ليزر من بندقيّته ووجّهه صوبي. بعد أن خمدت النار على وجه عبد الرحمن سمح لنا الجنود بالتقدّم نحوه. كان وجهه محترقًا والدماء تسيل منه. كان مغميًا عليه ولم يتحرّك. صرخت وطلبت مساعدة من الشبّان فجاءوا وحملوه.

ح.ه. من سكان مخيّم البريج، 25 عامًا، كان في المظاهرة وروى لمحقق بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة:

وضع عبد الرحمن يديه الاثنتين إلى ما فوق الرأس مشكّلاً إشارة النّصر (V)، ورجع عدة خطوات إلى الخلف. بعدها تقدّم أحد الجنود وأطلق النار باتجاهه، وتراجع عبد الرحمن إلى الخلف. سمعتُ انفجار قنبلة أطلقت باتجاهنا. رأيت عبد الرحمن يسقط على الأرض ووجهه يشتعل. حاولت الاقتراب منه لإسعافه لكنّ أحد الجنود أمرني بالابتعاد. وجّه صوبي سلاحه وأطلق رصاصة بقُربي. واصلت الوقوف في مكاني وصحتُ على الشبان ليساعدوني على العناية به. ظلّ عبد الرحمن ممدّدًا على الأرض إلى أن خمدت النار في وجهه. طلبت من الجنود ويداي مرفوعتان أن يمكّنوني أنا وشابًّا آخر من الاقتراب. تقدّمنا عدّة أمتار إلى أن وصلنا إليه.

بعد أن خمدت النار سمح الجنود للمتظاهرين بالاقتراب من الدباغ، وبعضهم اقتربوا منه وحملوه إلى سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر كانت متوقفة على بعد نحو 300 متر من الجدار الأمنيّ. من هناك تمّ نقل الدباغ إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.

في التشريح الجنائي الذي أجري للجثة في المستشفى تبيّن أنّ الدباغ أصيب في الجزء الأيسر من الرأس، وتحديدًا أعلى العين اليسرى. تسبّبت الإصابة في كسر في الجانب الأيسر من عظام الجمجمة، وتمزّق ونزيف في أيسر الدماغ، وحروق خارجيّة في منطقة الإصابة. في شهادة الوفاة ذُكر بشكل واضح أنّ الجروح التي تسببت في وفاة الدباغ نجمت عن إصابه رأسه بقنبلة إضاءة.

يتّضح من تحقيق بتسيلم أن جنديًّا أطلق القنبلة على الدباغ في حين لم يشكل خطرًا على حياة الجنود، إذ وقفوا في الجانب الآخر من الجدار الأمنيّ وهم محميّون تمامًا. الدباغ هو القتيل العشرون في غزة منذ اندلاع المظاهرات بالقرب من الجدار الأمنيّ في تشرين الأول 2015.

قنبلة الإضاءة التي أطلقها جنديّ على رأس عبد الحمن الدباغ. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 29.9.16
قنبلة الإضاءة التي أطلقها جنديّ على رأس عبد الحمن الدباغ. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 29.9.16

قنابل الإضاءة ليست وسيلة لتفريق المظاهرات. إنّها معدّة- كما يوحي اسمها- لإضاءة منطقة معتمة أو نقل رسائل لقوّات أخرى. يجوز إطلاقها في الجوّ فقط، لكي تحلق عاليًا وتضيء المنطقة. ويُحظر بكل تأكيد إطلاقها بتصويب مباشر نحو أجساد المتظاهرين.

في حالات مشابهة في السابق اعتادت منظمة بتسيلم التوجّه إلى جهاز تطبيق القانون العسكريّ مطالِبة بالتحقيق في الحادثة وباتخاذ الإجراءات ضدّ المسؤولين؛ لكنّ منظمة بتسيلم كانت قد أعلنت منذ أشهر عدّة أنّها لا تنوي التوجه بشكاوى إضافيّة حيث أنّ هذا الجهاز ليس سوى آليّة لطمس الحقائق ولا يسعى إلى الكشف عن الحقيقة أو تحقيق العدالة. قرار بتسيلم لا يلغي بالطبع التزام الجهاز بواجب القيام بمهمّته والتحقيق مع كافة المسؤولين عن هذه الحادثة؛ ولكن حتى لو تمّ فتح تحقيق، تعلّمنا التجربة أنّ احتمال التوصّل إلى نتائج ذات أهمّية هو احتمال ضعيف.

 تحديث: في 1.8.18 أعلن الناطق بلسان الجيش عن فتح تحقيق جنائيّ. في 15.3.21 أبلغت النيابة العسكريّة بتسيلم بأنّ الملفّ قد أغلق دون تقديم لائحة اتّهام.  

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب

قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط. في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21. بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين. نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل: في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: : تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها. أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي. أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21 أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز. بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى. عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان. في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى: كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي. نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن. عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر. في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل. في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد. كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021