الزراعة

أكثر من 90% من المياه المتوفرة في قطاع غزة غير صالحة للشرب

مُسنّ يملأ حاوية مياه من حنفية عامة تابعة لمنشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014
مُسنّ يملأ حاوية مياه من حنفية عامة تابعة لمنشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014

تشكل طبقة المياه الجوفية الشاطئية مصدرَ المياه الأساسيّ في قطاع غزة، وهي تخدم إسرائيل ومصر أيضًا. وقبل احتلال إسرائيل للقطاع عام 1967، كانت هذه الطبقة الجوفية تعاني الضخّ الزائد للمياه، الأمر الذي لم يتوقف حتى اليوم. واليوم، تضخّ سلطة المياه الفلسطينية في القطاع من هذه الطبقة الجوفية قرابة 180 مليون متر مكعب سنويًا، في حين يبلغ معدل امتلاء الطبقة الجوفية بالمياه 50-60 مليون متر مكعب سنويًا، فقط. وقد أدّى الضخّ الزائد على مرّ السنوات إلى انخفاض كبير بمستوى سطح المياه الجوفيّة، الأمر الذي أدّى إلى تلوّث مياه طبقة المياه الجوفيّة نتيجة لتغلغل المياه المالحة إليها وارتفاع المياه الجوفية المالحة التي كانت في أعماق البئر. وتبيع إسرائيل للقطاع اليوم مياهًا بحجم 4.2 ملايين متر مكعب سنويًا، وقد وافقت على بيع القطاع 5 ملايين متر مربع من المياه المحلاة سنويًا، إلا أنّ أعمال البنى التحتية اللازمة لنقلها لم تنتهِ بعد.

توجد في قطاع غزة أيضًا مشكلة متواصلة منذ وقت طويل تتمثل بعدم العناية بالمياه العادمة. الكثير من السكان غير مرتبطين بتاتًا بشبكة المجاري، بحيث تسيل المياه العادمة من المنازل إلى بالوعات ثم تتغلغل في المياه الجوفية وتلوّثها. وقد تفاقمت هذه المشكلة في السنوات الأخيرة، وخصوصًا بسبب النقص بالكهرباء اللازمة لتنقية المياه العادمة. كما أنّ إسرائيل ألحقت الأضرار أثناء حملة "الرصاص المصبوب" بمنشأة التنقية في القطاع ممّا أدّى إلى ارتفاع كمية المياه العادمة التي لا تُعالج. وبرغم ترميم جزء من البنية التحتية وتشييد بنية تحتية جديدة في المدن التي لم تكن مربوطة في السابق بشبكة المجاري، إلا أنّ منشآت التنقية في القطاع غير قادرة على مواكبة الضغط المطلوب من أجل تنقية المياه العادمة بالمستوى الكافي. وثمة مشاريع مختلفة لتحسين البنى التحتية تتقدم بوتيرة بطيئة جدًا في أعقاب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال مواد البناء والمعدات، وبسبب إجراءات المصادقة المتواصلة داخل المنظمات الدولية التي تمول هذه المشاريع.

تشير الفحوصات التي أجرتها سلطة المياه في القطاع إلى ارتفاع في مستوى نترات الصوديوم في المياه، وذلك بسبب التلويت وخصوصًا استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة وتغلغل مياه المجاري في الطبقة الجوفية. وفي كل يوم تتمّ العناية بقرابة 25% من مياه المجاري في القطاع –قرابة 30,000 متر مكعب يوميًا- فقط، حيث يُعاد تكريرها وتحليتها للأغراض الزراعية. قرابة 90,000 متر مكعب من المياه العادمة لا تُعالَج بها أو تجري معالجتها جزئيًا تصبّ يوميًا في مياه البحر المتوسط، ممّا يؤدّي إلى التلويث الذي يخلق أخطارًا صحّية ويلحق الضّرر بقطاع صيْد الأسماك.

منشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014
منشأة تنقية في قسم المياه في بلدية خان يونس. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 4/2/2014

ونتيجة لارتفاع مستوى نترات الصوديوم في المياه، فإنّ المياه الجوفية تحتوي نسبةً كبيرةً من النيتروجين والكلوريد، بحيث أنّ 90-95% من هذه المياه غير صالحة للشرب، بالإضافة إلى أنّ استخدامها للزراعة أمر إشكاليّ. وبحسب الفحص الذي أجرته سلطة المياه في القطاع يتضح أن 14 بئرًا فقط (قرابة 6.5% من مجمل الآبار) في القطاع تضخ مياهًا تستوفي تستوفي معايير منظمة الصحة العالمية.

97% من سكان القطاع مرتبطون بشبكة المياه، ومع ذلك فإنّ الارتباط بالشبكة لا يضمن توفير المياه بشكل منتظم. حيث يعاني القطاع نقصًا في المياه والكهرباء –اللازمة لغرض ضخّ المياه في الشبكة- ومشاكل مستعصية في البنى التحتية. ونتيحة لهذا الواقع، يعاني سكان القطاع انقطاعات مقصودة للمياه: فربع المرافق المنزلية فقط في قطاع غزة تتمتع بتوفر المياه يوميًا، ويستمرّ ذلك لفترة تراوح بين 6-8 ساعات في اليوم فقط. 40% من المرافق المنزلية تتمتع بمياه جارية مرة كل يومين، ولمدة 6-8 ساعات، و20% من المرافق المنزلية تتمتع بمياه جارية مرة كلّ ثلاثة أيام لمدة 6-8 ساعات، و15% من المرافق المنزلية (الواقعة في غزة ورفح وجباليا) تتمتع بمياه جارية لمدة 6-8 ساعات مرة كلّ أربعة أيام فقط.

ويُلزم توفير المياه غير المنتظم السكان بتجميع المياه في صهاريج (خزانات). وتوضع هذه الصهاريج على السطوح، ولكن أحيانًا يؤدي انقطاع التيار الكهربائي إلى توقف عمل المضخات التي من المفترض أن تضخ المياه إليها، وعندها يضطر السكان لتخزينها في صهاريج إضافية تقع على مستوى سطح الأرض.

وفاء الفران (42 عامًا)، متزوجة وأم لثمانية أولاد، من سكان حيّ الشجاعية في مدينة غزة، تروي في إفادتها أمام بتسيلم:

تلحق الانقطاعات بالتيار الكهربائي أذًى كبيرًا بتوفير المياه إلى منازلنا فحين ينقطع التيار الكهربائيّ يكون تدفق المياه ضعيفًا جدًا. لقد اضطررنا لشراء مضخة كي تصل المياه إلى الخزانات الموجودة على السطح. لدينا أربعة خزانات، سعتها الكلية 4,000 لتر. عندما تصلنا المياه نشغل المضخة ونملأ الخزانات. ولكن أحيانًا يكون التيار الكهربائي مقطوعًا في ذلك الوقت. في مثل هذه الحالة اعتدنا على تشغيل المضخة بواسطة مولد كهربائيّ كي لا نظلّ بلا مياه. إلا أنّ المولد الكهربائي يستهلك الكثير من الوقود وهو عبء اقتصاديّ. والآن لا تصل الوقود من مصر والوقود الإسرائلييّ باهظ الثمن، ولذا فإننا لا نشغل المولد بتاتًا، حتى في المساء حين تنقطع الكهرباء، ونكتفي بالشموع والمصابيح. قبل عدة شهور اشترى زوجي خزان مياه جديدًا وضعه عند مدخل المنزل الرئيسي، كي نستطيع ملأه في غياب الكهرباء. ومن هذا الخزان نخرج المياه بالدلاء لأنه غير موصول بأنابيب المنزل.

المياه التي تصل بالأنابيب لا نشربها، ولا نستخدمها لصنع الشاي أو القهوة أو للطبخ. نحن نشتري مياهًا عذبة من بائعي المياه. وأحيانًا أستخدم المياه العذبة أيضًا لغسل شعر بناتي، وفي الصباح نستخدمها لغسل وجوهنا لأنّ المياه من الأنابيب تلذع العينين.

يبلغ معدّل استهلاك المياه اليوميّ للفرد اليوم 70-90 لترًا. المعدل الأدنى للاستهلاك اليوميّ الذي توصي به منظمة الصحة العالمية هو 100 لتر يوميًا. وبرغم أنّ غالبية السكان مرتبطون بشبكة المياه، إلا أنّ جودة المياه المتدنيّة تدفعهم لشراء مياه الشرب من مياه جرت تحليتها في منشآت تحلية حكومية وخصوصية، أو منشآت تديرها جمعيات خيرية في أرجاء القطاع.

ابتسام خير الدين (48 عامًا)، متزوجة وأم لستة أولاد، من سكان حيّ السلطان في مدينة رفح، روت في إفادتها أمام بتسيلم:

ابتسام خير الدينالمياه التي نحصل عليها مالحة وغير صالحة للشرب ولها أحيانًا رائحة سيئة. نحن لا نستخدمها إلا لتنظيف البيت وغسل الصحون وغسل الملابس، مع أنّ هذه الأمور لا تنظف تمامًا. وأحيانًا تكون للملابس رائحة سيئة وتحمل البقع. كما تؤدّي هذه المياه إلى أضرار في الغسالة. وقد سبق وأصلحنا الغسالة عدة مرات، ودفعنا في كلّ مرة مبالغ تتراوح بين 50 و 70 ش.ج. وقال التقنيّ إنّ هذه الأعطاب تنشأ بسبب ملوحة المياه. نحن لا نشرب المياه ولا نستخدمها للطبخ. ولهذين الغرضين نشتري كلّ يوم المياه من بائعي المياه الذين يأتون إلى الحيّ، أو من أصحاب المصالح التجارية الذين يملكون خزانات المياه. نشتري كل يوم 50 لترًا من المياه العذبة بشيكلين اثنين للتر. وفي الآونة الأخيرة وبسبب الانقطاعات في التيار الكهربائي التي قد تمتدّ طوال 12 ساعة ومع عدم توفر النقود لشراء الوقود للمولد الكهربائيّ، فقد بدأنا من أجل تعبئة الخزانات بشراء المياه للتنظيف وغسل الملابس أيضًا.

فيضان مجارٍ في حي الزيتون في مدينة غزة، في أعقاب النقص بالكهرباء وخلل في مولد الكهرباء في محطة ضخ المجاري.  تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 13/11/2013
فيضان مجارٍ في حي الزيتون في مدينة غزة، في أعقاب النقص بالكهرباء وخلل في مولد الكهرباء في محطة ضخ المجاري.  تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 13/11/2013 

في يوم 1/11/2013 تعطل عمل محطة توليد الكهرباء في غزة، بسبب النقص بالسولار في القطاع، الأمر الذي ألزم تشغيل محطات ضخ مياه المجاري بواسطة المولدات الكهربائية. في يوم 13/11/2013، تعطل عمل إحدى محطات ضخ مياه المجاري في حيّ الزيتون في مدينة غزة في أعقاب خلل في المولد الكهربائيّ، مما أدّى إلى سيلان قرابة 35,000 متر مربع من مياه المجاري الخام في الحيّ، فأغرقته ودخلت البيوت.

وروى فتحي صقر (67 عامًا)، من سكان حي الزيتون في إفادته أمام بتسيلم:

فتحي صقر.  تصوير: محمد صباحنسكن أنا وزوجتي وأولادي السبعة الذين تتراوح أعمارهم بين 5-17 عامًا في الطابق الأرضيّ على بعد 20 مترًا من محطة ضخّ المجاري. في يوم الأربعاء 13/11/2013 وقرابة الساعة 13:00، أنهينا للتوّ تناول وجبة الغداء بعد عودة الأولاد من المدرسة، وفجأة بدأت مياه المجاري بالتغلغل في بيتنا. بدأنا برفع الفراش والسجاجيد والحُصُر والثياب التي ابتلت. بعدها حاولنا إغلاق مداخل التصريف في المنزل بقطع قماشية كي لا ترتفع مياه المجاري، لكن بلا فائدة. لقد علت مياه المجاري عبر الفتحات وامتلأ المنزل بها. أعدنا إغلاق الفتحات وبدأنا بضخّ المياه خارجًا. وضعنا أكياس رمل على باب البيت كي نمنع دخول مياه المجاري من خلاله. لقد تبللنا جميعنا جراء المجاري: أيدينا وأرجلنا وملابسنا، وسادت رائحة النتن. استغرقنا ساعات كي نخرج المياه ونجفف الأرض. بعدها لم نغسل إلا أيدينا وأرجلنا لأننا لم نرغب باستخدام الكثير من المياه كي لا يحدث فيضان آخر."

أوصى برنامج الأمم المتحدة للبيئة منذ العام 2009 بوقف ضخّ المياه من احتياطي المياه الجوفية الشاطئية في قطاع غزة، من أجل منع انهيار مرافق المياه في القطاع. مع ذلك فإنّ الضخ الزائد للمياه الجوفية متواصل حيث ينبع ذلك من ضمن سائر الأسباب من غياب مصادر مياه بديلة لسكان القطاع. واليوم لا يوجد أيّ برنامج مُطبّق لتوفير حلّ بعيد الأمد لأزمة المياه في القطاع. وتنذر سلطة المياه الفلسطينية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بأنّ طبقة المياه الجوفية قد تجاوزت نقطة اللا-عودة من ناحية إمكانية ترميمها، وأنه ابتداءً من العام 2016 لن يكون بالإمكان ضخّ المياه منها.

سعيًا لمواجهة أزمة المياه الشديدة في القطاع، أوصى برنامج الأمم المتحدة للبيئة جميع الأطراف المستفيدة من طبقة المياه الجوفية –إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحكومة حماس ومصر- بالعمل سوية من أجل وقف التدهور السريع الحاصل في منظومة المياه الجوفية الشاطئية الذي يخدم سكان القطاع، والعثور على مصادر مياه إضافية لتوفير مياه مناسبة للشرب لصالح سكان القطاع. وفي المقابل يجب على إسرائيل السماح فورًا بإدخال موادّ ومعدات لترميم وتطوير نظام المياه والعناية بالمياه العادمة.

• جميع الإفادات جمعها الباحث الميداني لبتسيلم في قطاع غزة محمد صباح.

مواد مقترحة

قرية الدقيقة جنوب جبال الخليل غير مرتبطة بشبكة المياه ويضطر سكانها لشراء المياه في حاويات بسعر باهظ يعادل أربعة أضعاف معدل سعر المياه للاستهلاك المنزلي في إسرائيل. تصوير: ناصر نواجعة، بتسيلم، 19/8/2012

أزمة المياه

أزمة المياه

في العام 1967 بعد الاحتلال مباشرة سيطرت إسرائيل على جميع موارد المياه في الأراضي المحتلّة ولا تزال جميع موارد المياه بين النهر والبحر تحت سيطرتها التامّة - سوى جزء صغير من طبقة المياه الجوفيّة المتاخمة للشاطئ تحت قطاع غزّة. تستخدم إسرائيل المياه كما يحلو لها متجاهلة احتياجات السكّان الفلسطينيين، إذ تفرض على سكّان الضفة الغربية وقطاع غزّة نقصًا حادًّا في المياه: في المنطقتين لا تتوفّر للسكّان مياه بقدر احتياجاتهم وفي قطاع غزة جودة المياه متدنّية ولا تصلح للشرب. حقّ الحصول على المياه والتمديدات الصحّية هو حقّ أساسيّ تنصّ عليه المواثيق الدولية التي التزمت بها إسرائيل ومن واجبها احترامها في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرتها. الضفة الغربية اتفاق المرحلة الانتقاليّة (أوسلو ب) الموقّع في 1995 أبقى السّيطرة على جميع موارد المياه في يد إسرائيل. كان يُفترض أن يسري الاتفاق لمدّة خمس سنوات فقط ولكنّ إسرائيل لا تزال تطبّقه حتى يومنا هذا. يقتضي الاتّفاق أن تحصل إسرائيل على 80% من المياه الجوفية الجبلية المشتركة بين الفلسطينيين وإسرائيل فيما يحقّ للفلسطينيين أن يستغلّوا فقط 20% منها. إضافة إلى ذلك حدّد الاتفاق ألاّ يقيَّد تزويد المياه للإسرائيليين فيما قيّد تزويد المياه للفلسطينيين بكمية محدّدة سلفًا - نحو 118 مليون كوب (متر مكعب) تزوّد من تنقيبات قائمة تضاف إليها 70-80 مليون كوب تزوّد من تنقيبات جديدة؛ كما اقتضى الاتفاق أن يشتري الفلسطينيون من إسرائيل 31 مليون كوب إضافية كلّ سنة. تستخدم إسرائيل المياه كما يحلو لها متجاهلة احتياجات السكّان الفلسطينيين إذ تفرض على سكّان الضفة الغربية وقطاع غزّة أزمة حادة في المياه والتي في معظمها من صنيعة البشر. يستخرج الفلسطينيون الذين تضاعف عددهم منذ العام 1995 نحو 60% فقط من كمية المياه التي حدّدها الاتّفاق وذلك لأسباب تقنيّة مختلفة وفي أعقاب إخفاقات غير متوقّعة في تنقيب مياه جوفية جديدة في الحوض الشرقي - الذي لا يُسمح للفلسطينيين بالتنقيب خارجه وكذلك بسبب عراقيل وضعتها إسرائيل كالامتناع عن الموافقة على المشاريع أو إعاقة الموافقة عليها لفترات طويلة. في المقابل يواصل الإسرائيليون التمتّع بكميّات مياه غير محدودة. لذلك تضطرّ السّلطة الفلسطينية إلى شراء مياه من شركة "مكوروت" الإسرائيلية بكميّات أكبر بكثير من تلك المحدّدة في الاتّفاق. تفيد معطيات سُلطة المياه الإسرائيليّة للعام 2019 أنّ السّلطة تشتري من شركة "مكوروت" 93 مليون ملم مكعب خُصّص منها للضفة الغربيّة 79.6 مليون وخُصّصت الكميّة المتبقّية لقطاع غزّة. يتمّ تزويد البلدات الفلسطينيّة بهذه المياه عبر برك محلّية تصلها المياه من برك مياه إقليميّة تتبع لشركة "مكوروت" الإسرائيليّة وتوجد داخل المستوطنات. لكنّ ثُلث كميّة المياه المزوّدة يضيع سُدىً إذ يتسرّب من الأنابيب بسبب تردّي حالة شبكة المياه الموصلة بين البلدات الفلسطينيّة في الضفة الغربيّة وكذلك تردّي شبكة المياه في داخل هذه البلدات، مدُناً وقرىً. أعدّت السّلطة الفلسطينيّة خططاً لإصلاح شبكات المياه هذه (التي تمرّ بالضرورة في المنطقة C) لكنّ إسرائيل ترفض الموافقة عليها. تفيد معطيات سُلطة المياه الفلسطينيّة أنّ مُجمل استهلاك المياه في الضفة الغربيّة في العام 2018 قد بلغ 195.8 مليمتر مكعب. نتيجة لهذا كلّه يضطرّ الفلسطينيون إلى مجابهة أزمة مياه دائمة معظمها من صُنع يد الإنسان. معطيات سُلطة المياه الفلسطينيّة تفيد بأنّ استهلاك المياه اليوميّ للفرد في الضفة الغربية في العام 2018 - للاستخدام المنزليّ والتجاريّ والصناعيّ (لا يشمل الزراعة وخصم الهدْر) - قد بلغ ما معدّله 90.5 لتر؛ مع الإشارة إلى أنّ كميّة الاستهلاك الأعلى كانت في محافظة أريحا إذ بلغت 268.7 لتر يوميّاً للفرد الواحد، وكان متوسّط الاستهلاك الأدنى في محافظة جنين حيث بلغ 50.2 لتر يوميّاً للفرد الواحد. هذه الكميّة أدنى من الحدّ الأدنى الموصى به من قبَل منظّمة الصحّة العالمية وهي 100 لتر يوميًّا للفرد الواحد - للاستخدام الشخصي والمنزليّ فقط. وحيث أنّ معطيات الاستهلاك الفلسطيني شملت أيضًا الاستخدام التجاري فإنّ معدّل الاستهلاك اليوميّ للفرد أدنى من ذلك بكثير. تصل أزمة المياه في الضفة أقصى شدّتها في الصيف. من أسباب ذلك تقليص شركة "مكوروت" كميّات المياه المزوّدة لجزء من البلدات الفلسطينية في فصل الصيف لكي تلبّي الطلب المتزايد على المياه في مستوطنات معيّنة؛ وانخفاض موسميّ في المياه المستخرجة من الآبار في بعض مناطق الضفة. تقليص كميّات المياه يسبّب انخفاضًا في ضغط المياه في الأنابيب ولكي تصل المياه لجميع المستهلكين تضطرّ سلطات المياه الفلسطينية المحليّة إلى تنظيم تزويد المياه للبلدات والأحياء المختلفة - توصيلها وقطعها - وفق جدول مواعيد. جرّاء ذلك يعاني كثير من الفلسطينيين من انقطاعات متكرّرة في تزويد المياه تدوم بين عدّة أيّام وأسبوع. إضافة إلى ذلك يؤدّي ضعف ضغط المياه في الأنابيب إلى عدم وصول المياه للمناطق المرتفعة أو البعيدة. المعطيات الإجماليّة عن معدّل استهلاك المياه في الضفة لا تعكس كلّ جوانب أزمة المياه التي يعانيها السكّان. تختلف كميّات المياه المزوّدة من منطقة إلى منطقة ومن بلدة إلى بلدة. في أعلى السلّم نجد المدن والبلدات المتطوّرة التي تمتلك شبكة مياه تمدّ المنازل بالماء على الأقلّ في جزء من ساعات اليوم. كذلك فإنّ شبكة الطرق المعبّدة في هذه الأماكن تتيح توصيل مياه الصهاريج المزوّدة من مصادر بديلة كالينابيع والتنقيبات الفلسطينية عندما تقلّص إسرائيل كميّات المياه المزوّدة عبْرها. ولكن هناك قرى تمتلك شبكة مياه لكنّها تعاني نقصًا حادًّا عند تقليص الكميّات المزوّدة وذلك بسبب ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة ظروف الطرق. في أدنى السلّم توجد عشرات البلدات التي لا تتيح إسرائيل وصلها بشبكة المياه فيضطرّ سكّانها إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج طيلة أيّام السنة بتكاليف باهظة. كثيرًا ما تكون كلفة توصيل المياه إلى هذه البلدات عالية جدًا بسبب الطرق غير المعبدة المؤدّية إليها حيث تمنع إسرائيل أصلًا شقّها. يفيد مسح أجرته في عام 2013 وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن عدد هذه البلدات كان حينئذً 180 بلدة تقع جميعها أو جزء منها في مناطق C. بلغ عدد سكّان هذه البلدات حينئذٍ نحو 30 ألف شخص. إضافة إلى القيود الصّارمة التي تفرضها إسرائيل على تطوير شبكات البنى التحتية في هذه البلدات يعاني سكّانها من استيلاء المستوطنين والسّلطات الإسرائيليّة على مصادر المياه الطبيعية التي اعتمدوا عليها طيلة السنين إذ يهدم هؤلاء آبار المياه وبرك الينابيع ويسدّون طرق الوصول إليها. تسعى السلطات الإسرائيلية من وراء ذلك إلى ترحيل سكّان التجمّعات عن منازلهم. معدّل استهلاك المياه اليوميّ في هذه التجمّعات يقارب 20 لترًا للفرد الواحد. وهم يشترون المياه المنقولة بالصهاريج بأسعار تبلغ أضعاف سعر المياه المزوّدة عبر الأنابيب. زد على ذلك أنّ هذه المياه ليست آمنة للشرب حيث تعتبر معايير الصهاريج التي تُنقل فيها المياه، من حيث الحفاظ على الشروط الصحّية، متدنية. يعكس هذا الواقع كيف تنظر إسرائيل إلى المياه - كما إلى الموارد الطبيعية الأخرى في الضفة الغربية - كأنّها ملكها وحدها كما تستخدمها لغرض مزدوج: أولاً لتلبية احتياجاتها هي - وخاصّة احتياجات المستوطنين في الضفة؛ وثانيًا لأجل سلب مناطق بعينها من أيدي الفلسطينيين وفرض سيطرتها عليها. قطاع غزة تحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عشر سنوات حيث فرضت الحصار في حزيران 2007. منذ ذلك الحين تمنع إسرائيل إدخال البضائع التي تعرّفها "مزدوجة الاستخدام" أي تعتبرها قابلة للاستخدام في أغراض مدنيّة وعسكريّة في آن. في إطار ذلك تقيّد إسرائيل إدخال موادّ البناء كالإسمنت والحديد وموادّ خام أخرى تلزم لترميم شبكات المياه والصّرف الصحّي في القطاع. تضرّرت هذه الشبكات بشكل كبير جرّاء الهجمات الإسرائيلية خلال حملاتها العسكرية التي شنّتها على قطاع غزة - وخاصة أثناء حملتَي "الرصاص المصبوب" في نهاية 2008 و"الجرف الصامد" في صيف 2014. تقدّر هذه الأضرار بقيمة نحو 34 مليون دولار؛ ومع نهاية العام 2015 كان في قطاع غزة نحو 100 ألف شخص ما زالوا غير موصولين بشبكة المياه العموميّة وفقًا للتقديرات. المياه الجوفيّة الساحليّة التي تتأثر بها كميّات المياه المزوّدة لسكّان غزة ملوّثة جرّاء الضخّ المفرط وتسرّب مياه المجارير. نتيجة لذلك تبلغ نسبة المياه غير الصالحة للشرب من المياه الجوفية المزوّدة في غزة للاستخدام المنزلي تبلغ 97%. ولأنّه لا تتوفر لغزة مصادر مياه أخرى يتواصل الإفراط في ضخّ المياه الجوفية حتّى أنّ آبار التنقيب على وشك الانهيار. يضطرّ سكّان غزة رغمًا عنهم إلى تقليص كميات المياه التي يشربونها وإلى شراء المياه المحلّاة المزوّدة في السوق الخاصّ. تفيد التقديرات أنّ نحو 68% من المياه المحلّاة ملوّث أيضًا وهذا يرفع احتمالات تفشّي الأمراض بين السكّان. وفقًا لمعطيات سُلطة المياه الفلسطينية، كميّة المياه المزوّدة للاستخدام المنزلي في غزة في العام 2018 بلغت 95.1 ملم مكعب، فيما بلغ مُجمل استهلاك المياه في قطاع غزّة في العام نفسه 193.7 ملم مكعب. من مُجمل المياه المزوّدة للاستخدام المنزلي في قطاع غزّة يضيع سدًى 35.6 ملم مكعب قبل وصوله إلى منازل السكّان لأنّ شبكة المياه هناك قديمة. نتيجة لذلك كان استهلاك المياه للاستخدام المنزليّ في العام 2018 بمعدّل 83.1 لتر يوميّاً للفرد الواحد. هذه الكمية أقلّ بكثير من الحدّ الأدنى الموصى به من قبَل منظمة الصحّة العالمية وهو 100 لتر يوميًّا للفرد الواحد. لأجل المقارنة، تفيد معطيات شركة "مكوروت" أنّ معدّل الاستهلاك اليوميّ للفرد الواحد في إسرائيل يبلغ 230 لتر، وأنّه ارتفع خلال العقد الأخير بنسبة 95%. أمّا معطيات سُلطة المياه الإسرائيليّة فتفيد بأنّ إجماليّ استهلاك المياه في إسرائيل في العام 2019 كان 2,237 مليون لتر مكعب، أي خمسة أضعاف إجمالي الكميّة التي استهلكها سكّان الضفة الغربيّة وقطاع غزّة معاً - علماً أنّ تعداد سكّان إسرائيل أقلّ من ضعفي تعداد سكّان الضفة والقطاع معاً.

11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

מזח דייגים בעיר עזה. צילום: מוחמד סבאח, בצלם

قطاع غزة

الغوص في أعماق اليأس: معاناة عائلات الصيّادين وبائعي الأسماك في قطاع غزّة جرّاء سياسات إسرائيل

في 12.8.20 قلّصت إسرائيل مساحة الصّيد في جنوب قطاع غزّة من 15 ميلاً بحريّاً إلى 8 بحجّة إطلاق بالونات حارقة من قطاع غزّة وفقاً لتصريحات رسميّة. في 16.8.20 أغلقت إسرائيل البحر تمامًا أما الصيادين وفي 2.9.20 فتحته لمسافة 15 ميلًا بحريًا. إنّ مبرر الجهات الرسمية لفرض هذه التقييدات هو إطلاق البالونات الحارقة من قطاع غزة. هذه ليست المرة الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة التي تحدّد فيها إسرائيل مسافة الصيد لهذا السبب. هذا الإجراء وهو بمثابة عقاب جماعيّ يضاف إلى ما سبقه من قيود فرضتها إسرائيل على صيّادي الأسماك في القطاع منذ فرضت الحصار في العام 2007: اعتقال الصيّادين ومصادرة مراكبهم ومنع استيراد الموادّ الخام اللّازمة لإصلاح وترميم المراكب - وإطلاق النّار على مراكب الصيّادين بحجّة تخطّي مساحة الصّيد التي تسمح بها. قُتل جرّاء هذه النيران نحو سبعة صيّادين وجُرح المئات حتى الآن. قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزّة انهار منذ زمن جرّاء هذه القيود ونتيجة لذلك لم يبق سوى 4,000 يعملون في الصّيد اليوم (بينما كان في قطاع غزّة 10,000 صيّاد قبل عشرين عاماً) وهؤلاء يعملون في ظروف خطيرة وقاهرة فرضتها عليهم إسرائيل، بالكاد يتمكّنون من إعالة أسرهم التي تدهور مستوى معيشتها إلى درجة الفقر المدقع. أدناه إفادات نساء وأمّهات صيّادين وبائعي أسماك من قطاع غزة يصفن مرارة العيش في هذا الواقع المطبوع بتقلّبات الحاضر وغموض المستقبل - استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. تصف النساء في إفاداتهنّ قلقهنّ الدّائم على أمن وسلامة أعزّائهنّ في عرض البحر ويفصّلن تبعات القيود التي تفرضها إسرائيل على سبُل كسب الرّزق والمصاعب الاقتصاديّة التي يواجهنها في تدبير احتياجات الأسرة - وهي مصاعب من المتوقّع أن تتفاقم جرّاء الآثار الاقتصاديّة لوباء الكورونا. أدناه إفادة انتصار الصّعيدي (52 عاماً) من مخيّم الشاطئ للاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أبناء - أدلت بها في 5.8.20 محدّثة عن المصاعب الاقتصاديّة والمآسي التي حلّت بها وبأسرتها: تزوّجت من مروان في 1984 وكان صيّاداً من قبل. هذه مهنته الوحيدة. كذلك أبنائي وأعمامهم يعملون في الصّيد. في البداية كان وضعنا الاقتصاديّ ممتازاً والعمل في الصّيد لم يكن محفوفاً بالمخاطر. في تلك الأيّام لم يكن الجيش يطلق النّار على الصيّادين ولم يعتقلهم ولم يصادر مراكبهم ومعدّاتهم. مساحة الصّيد كانت واسعة ولهذا كان الصيّادون يعودون بصيد وفير. كان مدخول زوجي عالياً إذ كان يكسب 2,000 – 3,000 شيكل في الأسبوع. لم ينقصنا شيء ولم يثر قلقي شيء. كان زوجي يعمل على حسكة خاصّة به ومنذ كان ولدانا خضر والسيّد صغيرين كان يأخذهما معه إلى البحر ويعلّمهما مهنة الصّيد ومع ذلك كنت مرتاحة ولم أخشَ على حياتهم. لكنّ الوضع تغيّر منذ الحصار. مع تقليص مساحة الصّيد تدهور وضعنا كثيراً. صار الصيّادون يخاطرون بحياتهم لكي يجلبوا لقمة العيش لأسرهم وصرت أخاف كثيراً على زوجي وأبنائي - ربّما يطلقون عليهم النّار وقد يعتقلوهم أو يصادروا معدّاتهم إلخ. كلّما سمعت عن إطلاق نار على الصيّادين في البحر أمضي السّاعات في قلق شديد إلى أن أرى أبنائي وأطمئنّ أنّهم بخير ولكي يهدأ قلبي أذهب إلى الميناء وأنتظرهم هناك وحين أراهم يهبطون من المركب سالمين أعود إلى المنزل". في العام 2012 توقّف زوجي عن العمل في الصّيد بسبب مشاكل في ظهره ومنذ ذلك الحين أصبح ابنانا المعيلان الوحيدان للعائلة. هما متزوّجان ولكلّ منهما أولاد وأسرة وجميعنا نعيش في بيت واحد. لقد اضطررت إلى بيع مصاغي بسبب الأوضاع الاقتصاديّة القاسية التي انتابتنا وفوق ذلك استدنت المال من الأقارب وما زلنا مدينين حتى اليوم لأنّنا لم نتمكّن من تسديد الدّين. في العام 2017 اعتقلوا خضر ولم نعرف عنه شيئاً إلّا بعد مرور عشرة أيّام إذ تبيّن أنّه رهن الاعتقال. جلبوه إلى محاكمة وحكموا عليه بالسّجن لمدّة سنة وأربعة أشهر. قالوا إنّ السّبب هو تجاوزه مساحة الصّيد المسموحة وأنّه فعل ذلك مرّات ومرّات من قبل ولم يتمكّنوا من القبض عليه سوى الآن. لقد عانيت كثيراً حين كان خضر في الحبس. في البداية كنت أبكي ليلاً نهاراً لم تغمض لي عين في اللّيالي ولم أذق طعم الفرح. وحين كنت أذهب لزيارته في السّجن كنت أبكي وأبكي - في الطّريق إلى السّجن أبكي وأثناء الزيارة أبكي وأبكي في طريق العودة. كانت تلك أيّاماً عصيبة حقّاً. حين اعتقلوا خضر صادروا أيضاً الحسكات ولمّا أعادوها كانت تالفة تماماً وبدون المعدّات - مجرّد خشب. بعد إطلاق سراح خضر وعودته إلى العمل حلّت بنا مصيبة: قبل سنة ونصف تقريباً في 20.2.19 خرج خضر للصّيد وفي اللّيل سمعنا أنّ الجيش الإسرائيليّ يطارد الحسكات وقد أخذ إحداها إلى ميناء أسدود. قال لي ابني السّيد إنّ خضر قد اعتُقل ولكنّ إحساسي كان ينبئني أنّه أصيب. مضت أربعة أيّام ولم أعرف شيئاً عن مصير ابني. أخلي سبيل الصيّادين لكنّ خضر لم يعد معهم. لاحقاً اتّضح أنّه أصيب برصاصة "مطّاطية" في عينه اليمنى وفقد بصره تمامً في كلتي عينيه. كان في مستشفى في إسرائيل ولم أره. رأيته للمرّة الأولى حين أعادوه إلى غزة - إلى مستشفى الشفاء - فأجهشت بالبكاء. منذ أن حدث ذلك أعيش هذه المأساة ويملأ قلبي الحزن على خضر لأنّه أصبح حبيس المنزل بين أربعة جدران عاطلاً عن العمل وعاجزاً عن إعالة أسرته. وضعه الاقتصاديّ سيّء جدّاً، مأساوي حقّاً، فهو لا يتلقّى مخصّصات جرحى أو دعماً من أيّة جهة كانت سوى بعض المتصدّقين الخيّرين يقدّمون له مبالغ صغيرة هنا وهناك. الأدوية وحدها التي يحتاجها تكلّف 150 شيكل شهريّاً. كذلك وضعه النفسيّ متردّ جدّاً. خضر لا يحبّ الخروج من المنزل في حالته هذه. إنّه يبقى حبيساً طوال اليوم وفي اللّيالي لا ينام. تنتابه حالات من العصبيّة. ليته أصيب في أيّ موضع آخر من جسده غير العينين لأنّ فقدان البصر أمرٌ صعب جدّاً وخاصّة بالنسبة إلى شابّ في مثل عمره. هو لا يزال في سنّ الـ32. أنا الأكثر تأثّراً بوضع خضر من بين جميع أفراد العائلة. أعتني به وأعيل أولاده. لم تجلب لنا مهنة الصّيد سوى المصائب والمآسي ووجع القلب. كنوز البحر بقيت في البحر وبقيت أنا مع وجعي على ابني الذي عاد من البحر تاركاً وراءه نور عينيه. ابني السيّد (33 عاماً) يعمل اليوم صيّاداً أجيراً وأحياناً يستأجر مركب صيد ويعمل لحسابه الخاصّ. مدخول العائلة الآن لا يتجاوز 500 شيكل شهريّاً وهذا لا يكفي لاحتياجات عائلتنا الكبيرة. أنا أتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعيّ مبلغ 1,800 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر وهي لا تكفي لتسديد الديون أيضاً. المشكلة هي أنّه لا توجد مجالات عمل أخرى في ظلّ الظروف الاقتصادية الصّعبة السّائدة في قطاع غزّة. حتى أحفادي الأطفال يقلّدون آباءهم أثناء اللّعب، يبنون حسكات صغيرة وآلات لغزل الشبك. يقولون: "نحن ذاهبون إلى العمل" "احترسوا من الجيش والرّصاص" وهكذا. أنظر إليهم وأقول لهم "إيّاكم والعمل في هذه المهنة. بتّ أخاف عليكم أكثر من خوفي على آبائكم!". أتمنّى أن تتحسّن الأوضاع ونعيش أيّاماً أفضل وأدعو من الله أن يعيد لخضر نور عينيه وأن تتحسّن نفسيّته. أدناه إفادة نورا نعمان (22 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لطفلين - أدلت بها محدّثة عن خوفها على زوجها الصيّاد مؤمن (31 عاماً) وعن المصاعب الاقتصاديّة: عندما يتوجّه مؤمن إلى عمله ينتابني الخوف ألّا يعود فلا أهدأ إلّا حين أراه عائداً إلى المنزل. في بداية العام 2018 خرج مؤمن للصيد. مرّت ساعات طويلة ولم يعد. خشيت على سلامته عندما سمعنا من صيّادين أقارب لنا أنّ الجيش اعتقله. بكيت وخفت كثيراً. حينذاك كان شقيقه معتقلاً لدى الجيش الإسرائيليّ أيضاً. خفت ألّا يعود مؤمن إلينا. كان ابني محمّد في ذلك الوقت رضيعاً ابن 7 أشهر فقط. ثلاثة أسابيع مرّت ولم نعرف إلى أين أخذوا مؤمن. طوال تلك الفترة كنت بالكاد أتناول الطعام أو أنام. في النهاية أخلي سبيل مؤمن. عندما رأيته داخلاً إلى المنزل لم أصدّق عينيّ وأجهشت بالبكاء. احتضنته والسّعادة تغمرني. بعد الاعتقال عاد مؤمن إلى عمله في الصّيد رغم المخاطر فهذه مهنته الوحيدة. في الفترة ما بين السّنوات 2013 - 2017 صادر الجيش ثلاثة مراكب له ولعائلته - لم يعيدوا منها حتى اليوم سوى واحداً. في العام الماضي اقتنى إخوة زوجي مركب صيد وصار زوجي يعمل معهم - خمسة إخوة يعملون على مركب واحد. يتلقّى زوجي 150 شيكل في نهاية كلّ أسبوع وهذا مبلغ لا يكفي لأسرة مؤلّفة من 4 أنفار، خاصّة وأنّ أولادنا صغار وهناك احتياجات يوميّة لهم، مثل الفوط الصحّية والحليب. حياتي كلّها قروض واستدانة من العائلة والأصدقاء. تتلقّى حماتي مبلغ 750 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر من وزارة الرّفاه توزّعها على أبنائها. وما يكسبه زوجي يذهب كلّه لتسديد الدّيون فهو يستدين أحياناً حين يحتاج إلى شراء شبك ومجاديف وعندما يبيع السّمك يسدّد قسطاً من الدّين. عندما أسمع عن إطلاق نار على الصّيادين أتّصل فوراً بإخوة زوجي لكي أطمئنّ على مؤمن ولكنّني لا أطمئنّ إلّا حين يعود إلى المنزل. قبل خروجه إلى البحر يوصيني مؤمن بنفسي وبأولادنا الصّغار لأنّه مثلي يخشى أن يقتلوه أو يعتقلوه وهذا يوتّرني أكثر فأكثر فأقول له "لا تتحدّث هكذا، ستعود بالسّلامة بإذن الله". "أحياناً أقول لمؤمن ليتك تعمل في مهنة أخرى بسبب مخاطر البحر وخطر الجيش الإسرائيليّ. أطلب منه أن يبحث عن عمل آخر ويتخلّى عن البحر. عندئذٍ يجيبني مؤمن قائلاً إنّ الوضع في القطاع سيّء ولا يوجد عمل آخر غير الصّيد ويطلب منّي أن أتحلّى بالصّبر والأمل بأن نشهد أيّاماً أفضل". أدعو الله أن يُبعد الجيش الإسرائيليّ عن زوجي وعن جميع الصيّادين وأتمنّى أن تتحسّن أوضاعنا لكي نستطيع تأمين مستقبل أولادنا الصّغار ونوفّر لهُم احتياجاتهم. كذلك أدعو الله أن يحفظ زوجي ويحميه فلا يُصاب. أدناه إفادة عُلا الصّعيدي (36 عاماً) من مخيّم الشاطئ في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أولاد - أدلت بها محدّثة عن زوجها الصيّاد ومشقّات مهنته: زوجي أحمد في الـ42 من عمره ويعمل صيّاداً منذ زواجنا قبل 18 عاماً. إنّها مهنة شاقّة ورغم أنّ عائلتي هي عائلة صيادين إلا أنّني لا أحبّ هذه المهنة لأنّها خطيرة جدّاً ولكن بما أنّها مصدر رزقنا الوحيد فنحن مضطرون إلى تقبّلها على مخاطرها. نحن نمرّ الآن بأزمة ماليّة. عندما بدأ الحصار انخفض مدخول زوجي إلى 700 شكيل شهريّاً واليوم لا يتجاوز مدخوله الـ500 شيكل شهريّاً رغم أنّه يشقى في عمله. هذا مبلغ ضئيل جدّاً ولا يكفي لمعيشتنا. في الماضي كنت أتلقّى كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر مخصّصات من وزارة الرّفاه بقيمة 1,800 شيكل لكنّهم خفضوا المبلغ بعد أربع سنوات إلى 700 شيكل. هذه المبالغ لا تكفي لمعيشتنا ولا حتى لاحتياجاتنا الأساسيّة اليوميّة أو لملابس العيد لأولادنا. منذ تفشى وباء الكورونا ازداد الوضع سوءاً لأنّ الأزمة الاقتصاديّة في قطاع غزّة تفاقمت والناس يشترون الأسماك بكميّات أقلّ من ذي قبل. كذلك انخفض عدد القادمين إلى القطاع من خارجه ولذلك قلّت المناسبات الكبيرة وبالتالي انخفض الطلب على السّمك. يعمل زوجي على مركب يملكه أخوه. يخرج نحو السّاعة 15:00 ويعود بعد السّاعة 3:00 فجراً. عندما يخرج زوجي للصّيد أدعو الله أن يحفظه ويحميه من الجيش ورصاص الجنود. لا أطمئن إلّا حين يعود إلى المنزل أو يتّصل بي. طالما هو في عرض البحر أظلّ فريسة الخوف والقلق عليه وخاصّة حين أسمع صوت إطلاق الرّصاص نحو الصيّادين. أتوتّر كثيراً وأتّصل به فوراً لكي أتأكّد أنّه بخير. كذلك أولادنا يخافون ويقلقون كثيراً عندما يسمعون صوت الرّصاص. يتساءلون تُرى من الذي اعتُقل من الصيّادين ويتمنّون ألّا يكون والدهم. أنا أحاول أن أهدّئ من روعهم وأقول لهم "صبراً، بابا سوف يعود" وإذا تأخّر زوجي في العودة يذهب ابني أنس (9 سنوات) إلى ميناء غزة وينتظره هناك لشدّة خوفه وقلقه عليه. الصّيد أسوأ مهنة لرجُل بالنسبة للزّوجات. أخشى على زوجي من برد الشتاء القارس وأخاف عليه من مخاطر البحر ولكن أكثر ما يقلقني إطلاق الرّصاص على الصيّادين. اليوم الذي أسمع فيه من الناس عن حادثة إطلاق نار على الصيّادين يمضي عليّ وشعور يرافقني بأنّني سأفقد زوجي في كلّ لحظة وأظلّ أصلّي وأدعو الله أن يعيده إلينا سالماً معافى. "لقد سبق أن اعتقل الجيش زوجي عدّة مرّات وكانت الأخيرة في العام 2018. في العام 2007 ظلّ رهن الاعتقال نصف سنة. كما صادر الجيش لنا مركبين وأربعة محرّكات ولا تزال محتجزة في ميناء أسدود. في معظم الأحيان لا يعيد الجيش المراكب والمحرّكات التي يصادرها". ليت حالنا يتحسّن. أتمنّى أن يعيدوا لنا المراكب المصادرة فيُصبح لزوجي مركب خاصّ به. وحبّذا لو يوسّعوا المساحة المسموح فيها الصّيد. أطلب العيش الكريم وأن نقدر على تأمين مستقبل أولادنا وتوفير احتياجاتهم وتحقيق أمانيهم. وأتمنّى أن يعملوا في مجال آخر غير الصّيد البحريّ لأنّه مهنة شاقّة ومحفوفة بالمخاطر. أدناه إفادة أ.م. (49 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين، وهي أمّ لتسعة أبناء وزوجها يعمل بائع أسماك - أدلت بها محدّثة عن تأثير الوضع على عمل زوجها: تزوّجت في العام 1989. زوجي يعمل في الصّيد وبيع الأسماك منذ أن كان في الـ12 من عمره. كان يعمل مع والده بائع الأسماك ومع أقاربه الصيّادين. لدينا تسعة أبناء تتراوح أعمارهم بين 6 و-29 عاماً ونقيم قرب الشاطئ. كثير من أقاربنا يعملون في الصّيد البحريّ. في السّنوات الأولى بعد زواجنا لم تكن المنافسة كبيرة في تجارة الأسماك وكان صيد الأسماك وفيراً. كان زوجي يخرج إلى سوق الأسماك في الثالثة فجراً فيجلب المنزل كميّات كبيرة من الأسماك من التجّار والصيّادين يغسلها ويرتّبها ثمّ يذهب بها إلى السّوق. عموماً كان ينجح في بيع البضاعة كلّها خلال ساعتين تقريباً ويعود إلى المنزل. كان مدخولنا جيّداً إذ تراوح بين 3,000 و-4,000 شيكل شهريّاً. طوال سنوات كثيرة تمتّعنا بمستوى معيشة عالٍ. اقتنينا منزلاً خاصّاً بنا وكان فيه كلّ ما أحتاجه وحتى أنّني اقتنيت لنفسي مصاغاً ذهبيّاً. ربّينا هنا بناتنا وأبناءنا خلال الفترة التي كانت الأعمال فيها جيّدة فلم ينقصهم شيء. كنّا مرتاحين نعيش في حُبور وسعادة. تغيّرت أحوالنا قبل نحو 13 عاماً عندما فُرض الحصار على قطاع غزة. في أعقاب الحصار خفتت حركة البيع والشراء في الأسواق وقلّصوا مساحة الصّيد وأحياناً منعوا الصّيد تماماً وقلّ السّمك وارتفعت أسعاره بالنسبة للتجّار والمستهلكين. في السّابق كان الناس يشترون في الصّيف - موسم كثرة الأسماك - 4 - 5 كغم أمّا اليوم فيشترون فقط كغم واحداً أو اثنين. أحياناً يعود زوجي إلى البيت ومعه نصف البضاعة أو حتى كلّها. لكي يتفادى كساد البضاعة يبقى لساعات طويلة في السّوق أحياناً حتى العصر أو المغرب ولكن عبثاً. والأنكى أنّ الأسماك الكاسدة تفسد أحياناً لأّنه لا يمكن حفظها في ثلّاجات بسبب مشاكل الكهرباء. منذ الحصار تدهور وضعنا الاقتصاديّ كثيراً. لا يملك زوجي بسطة أو دكّاناً في السّوق وإنّما هو يستأجر مساحة متر أو مترين مقابل عشرة شيكل لليوم الواحد. جميع أولادنا يعملون في بيع الأسماك مع والدهم ولكنّ مدخولهم جميعاً لا يتعدّى الـ1,500 شيكل شهريّاً - ونحن عائلة مؤلّفة من 14 نفراً. اثنان من أبنائنا متزوّجان وأحدهما أب لولدين ولكنّنا نقيم جميعاً في المنزل نفسه. نحن لا نتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه رغم أنّنا عائلة كثيرة الأولاد وذلك لأنّ زوجي ليس أجيراً. لقد بعت جميع مصاغي. في الماضي اقتنيت أرضاً ولكنّني اضطررت لبيع قطعة مساحتها 250 متراً لكي أسدّد الديون وأزوّج أولادي. أحد أبنائي كان طالب جامعة لكنّه أوقف تعليمه لأنّنا لم نتمكّن من دفع القسط الدراسيّ. ومنذ تفشّى وباء الكورونا تدهور الوضع أكثر فأكثر: المطاعم والفنادق تكاد لا تشتري الأسماك لأنّها تُغلق لفترات طويلة وكذلك لا يوجد زوّار من الخارج في غزّة لأنّ المعابر مغلقة. لقد أضرّ هذا بعمل زوجي في السّوق. ينغّصني كثيراً أنّني لا أستطيع توفير احتياجات أبنائي. أنا لم أقدر على شراء ملابس لهم في العيد وفي بداية السنة الدراسيّة فاضطرّوا لاستخدام أغراض السنة الفائتة: الملابس والحقائب وحتى الأحذية. كم يتألّم قلبي لهذا فقد كان بودّي أن أشتري لهم كلّ شيء جديد لكنّ الوضع لا يسمح. كلّما طلبوا شيئاً مثل المشاركة في رحلة أظلّ أماطلهم وقلبي يتقطّع - لأنّني أريد أن أرى السّعادة والفرح في أعينهم. لهذه الأسباب أنا في اكتئاب عميق وأشعر بالاختناق ولكنّني أدرك من ناحية أخرى أنّه لا يوجد عمل آخر لا لزوجي ولا لأبنائي فلا يبقى سوى أن نأمل تحسّن أوضاعنا.

9 أيلول/سبتمبر 2020