عنف المستوطنين = عنف الدولة
يُشكّل قطف الزيتون في الضفة الغربيّة ركيزة أساسيّة في الاقتصاد الفلسطينيّ، وهو من أهمّ مصادر الدّخل بالنسبة لعشرات آلاف العائلات. تفيد تقديرات البنك الدولي ومركز التجارة الفلسطينيّ بأنّ محصول الزيتون في المواسم الجيّدة يدرّ على الاقتصاد الفلسطينيّ عائدات تبلغ نحو 200 مليون دولار. غير أنّ إسرائيل تفرض على القطاف في كلّ موسم قيوداً مشدّدة - رسمية وغير رسميّة. على خلفيّة الحرب في قطاع غزّة بلغت هذه القيود ذروة جديدة في الموسم المنصرم، 2023: وفقاً لتقديرات اتّحاد المزارعين الفلسطينيّين، نحو 50% من المزارعين الفلسطينيّين لم يتمكّنوا من قطف الثمار عن أشجارهم.الآليّة الرسميّة الأساسيّة التي تستخدمها إسرائيل لتقييد القطاف هي آليّة "التنسيق" التي تُلزم الفلسطينيّين بالتنسيق مع الجيش قبل خروجهم إلى القطاف. نشأت هذه الآليّة كطريقة يعالج بها الجيش عُنف المستوطنين تجاه قاطفي الزيتون الفلسطينيّين. لكنّ بدلاً من معالجة ممارسات المستوطنين مباشرة، يطالب الجيش الفلسطينيّين بالتنسيق معه مواعيد مجيئهم إلى أراضيهم، كأنّما لكي يأتي جنود لحمايتهم أثناء القطاف. لكن ما يحدث عمليّاً هو أنّ هذه الآليّة تقيّد القطاف، بل تمنعه تماماً، لأنّ موسم القطاف يُفترض أن يستمرّ أسابيع، بينما قام الجيش بتقليصه إلى أيّام معدودة فيمنع، بذلك، المزارعين من قطف الثمار عن جميع أشجارهم، كما يمنعهم من إعداد الأرض لموسم المزروعات الشتويّة. وفي كل الأحوال، هذه الآليّة بحدّ ذاتها لا تفيد في منع العُنف، إطلاقاً، لأنّ الجنود في كثير من الحالات لا يحضرون بتاتاً، رغم "التنسيق" الذي تمّ مع الجيش، وحتى عندما يحضرون لا يساعدون في منع العُنف، بل حدث اكثر من مرّة أن شاركوا فيه بأنفسهم.في السّنوات الماضية كانت الإدارة المدنيّة تخصّص لقطف الزيتون ثلاثة أيّام لكلّ تجمع. لكنّها في هذه السّنة، وبعد بدء الحرب في قطاع غزّة فوراً، ألغت الإدارة المدنية حتى هذه الأيّام القليلة التي كان تم تخصيصها. وقد عيّن الجيش بضعة أيّام بديلة لكنّه عاد وألغاها في بعض الحالات، مثلما بفعل، تحت ضغط المستوطنين، قرب مستوطنات "إلكنا"، "شعاري تيكفا" و"عِيتس إفرايم".هكذا، على سبيل المثال، قال رئيس مجلس محلّي قرية بورين، إبراهيم عمران، لبتسيلم إنّ نحو 12,000 دونم من الأراضي الزراعيّة التابعة لقريته، وتشكّل ثلثي إجمالي أراضي القرية، مصنّفة ضمن المنطقة C، بما في ذلك نحو 1,000 دونم مزروعة فيها 16,000 شجرة زيتون. تمّ تخصيص يومين فقط لسكان القرية لقطف الزيتون، في 25.10.23 و-26.10.23، لكنّها ألغيت فور بدء الحرب. ويقول أيضاً إنّ نحو 70% من سكّان القرية يعتمدون في مدخولهم على موسم قطاف الزيتون، وبسبب القيود على القطاف فقد خسروا عشرات آلاف الشواقل، هي الدخل الذي يشكل أساس رزقهم خلال السّنة كلها. والحديث هنا عن أموال مُعدّة لسداد التزامات مختلفة، مثل بدل إيجار، بناء منزل، أقساط جامعية، إلخ. معنى هذا أنّ منع القطاف في هذا الموسم قد أثّر عليهم بصورة مباشرة.يتوجّب "التنسيق" أيضاً من أجل الدخول إلى الأراضي الزراعيّة التي بقيت غربيّ جدار الفصل. رئيس المجلس القروي عكابا، تيسير عمارنة، قال لبتسيلم إنّ أهالي القرية يملكون نحو 2,500 دونم من الأراضي الزراعيّة غربيّ جدار الفصل، وهُم يأتون إليها كلّ يوم عبر إحدى بوّابات الجدار. أغلقت البوّابة فوراً بعد بدء الحرب ثمّ بعد مفاوضات بين مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وتلك الإسرائيليّة تقرّرت للأهالي ثلاثة أيّام "تنسيق" في نهاية تشرين الثاني. لم تكف هذه الأيّام لإنهاء قطاف الزيتون كلّه، ولا حتى لقطاف ما يكفي احتياج العائلات نفسها، ممّا أضرّ بمعيشة الأهالي.الوسائل غير الرسميّة لتقييد قطف الزيتون هي عُنف المستوطنين تجاه قاطفي الزيتون - والذي يرتكبونه تحت رعاية الجيش وبإذن منه، بل وبمشاركته الفعلية في كثير من الأحيان. منذ سنين يشهد موسم قطاف الزيتون ذروة في عُنف المستوطنين، وما زالت سياسة السّلطات الإسرائيليّة منذ سنين هي الامتناع عن ردع هذا العُنف المتكرّر. في هذه السّنة، منذ أن بدأت الحرب في قطاع غزّة، جُنّد الكثير من المستوطنين في منظومة الحماية المناطقيّة للجيش في الضفة الغربيّة. استغلّ المستوطنون صلاحيّات وظيفتهم هذه لكي يُغلقوا الطرق المؤدّية إلى الأراضي الفلسطينيّة أو لكي ينصبوا الحواجز في الطرق الزراعيّة، وهكذا منعوا الفلسطينيّين من الوصول إلى كروم الزيتون الواقعة في جوار المستوطنات.ارتفعت وتيرة هجمات المستوطنين وشدّتها تجاه قاطفي الزيتون بشكل كبير منذ أن بدأت الحرب. وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في الأمم المتحدة (OCHA)، منذ بداية الحرب وحتى منتصف كانون الثاني شنّ المستوطنون أكثر من 440 اعتداء عنيفاً ضدّ الفلسطينيّين، عشرات منها ضدّ قاطفي الزيتون. تضمّنت هذه الهجمات اعتداءات جسديّة على قاطفي الزيتون، اقتلاع كروم زيتون كبيرة، إتلاف كروم عبر تكسير الأغصان وقطع الجذوع بالمنشار وحرق أشجار، إضافة إلى قطف ثمار الزيتون وسرقتها.الكثير من أعمال العُنف حدثت وقوّات أمن إسرائيليّة حاضرة في المكان. كذلك نشر المستوطنون عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ تهديدات بأنّهم سوف يُلحقون الأذى بقاطفي الزيتون. على سبيل المثال، رئيس مجلس عورتا، سعد عوّاد، قال لبتسيلم إنّ هناك نحو 2,000 دونم من أراضي القرية لا يسمح الجيش بالوصول إليها بدون إجراء "تنسيق" لأنّها قريبة من مستوطنة "إيتمار". في هذه السّنة تمّ تخصيص يوم واحد فقط للقطاف، بداءً من السّاعة 8:00 صباحاً. في اليوم الموعود تمّ إبلاغه أنّ موعد بدء القطاف تأجّل ساعتين. عندما وصل أهالي القرية إلى أراضيهم وجدوا هناك نحو 20 مستوطناً يقومون بقطف الزيتون وعدداً من الجنود يؤمّنون لهُم الحراسة. حاول الأهالي وقف هذا الاعتداء لكنّهم لم ينجحوا، ثمّ غادروا أراضيهم نحو السّاعة 16:00 فيما استمرّ المستوطنون في قطف الزيتون عن أشجارهم وإتلافها.إفاداتعبد الله نعسان، من سكّان قرية المغيّر، قال في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:تملك عائلتنا أكثر من 900 دونم أرض مزروع فيها أكثر من 8,000 شجرة زيتون على جانبي شارع "ألون" وكنّا نستطيع دائماً الوصول إليها بحرّية طيلة أيّام السّنة، ويقع جزء من الأراضي في محيط بؤرة "عدي عاد" الاستيطانيّة، ويتطلّب الوصول إليها إجراء "تنسيق". في كلّ سنة كنّا نحصل على 5-7 أيّام "تنسيق". في هذه السّنة، بعد أن بدأت الحرب في غزّة، ألغت إسرائيل كلّ شيء. سدّ الجيش جميع المداخل والطرق الزراعيّة، وعددها ثمانية، بالصّخور وأكوام التراب.بوسيلة ما، تمكّنا عدّة مرّات من الدّخول سرّاً إلى أراضينا، ولكن لم نستطع دائماً الفرار من عُنف المستوطنين. هُم عادة يستخدمون طائرات شراعيّة ويرون من عُلوّ كلّ من يحاول الاقتراب من الأرض. عندئذٍ يبدؤون في مطاردتنا أو يستدعون الجيش، ثمّ يصادرون منّا المعدّات أو السيّارات. حتى الآن صادر الجيش منّا جرّارين زراعيّين.بعد ضغط شديد مارسناه عبر شخص من القرية يعمل في مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة حصّلنا ثلاثة أيّام "تنسيق" في بداية شهر كانون الأوّل لكي نقطف ثمار أشجار الزيتون المجاورة لشارع "ألون". عندما جئنا إلى هناك وجدنا جميع الثمار على الأرض ولم تعد تنفع بعدُ لإنتاج زيت صالح للأكل، ولم عد بالإمكان الاستفادة منها بأيّ شكل بسبب حُموضتها العالية. وحتى لو أردنا أن نُنتج من الثمار صابوناً فسوف تكون التكلفة عالية جدّاً بحيث يكون ذلك غير مُجدٍ اقتصاديّاً. هكذا خسرنا هذا الموسم.في المواسم السّابقة كنّا ننتج من أراضينا في كلّ سنة نحو 40,000 كغم زيت زيتون، ونبيع كلّ كغم في السّوق بسعر 30 ش.ج. للكيلو الواحد. كنّا نبيع في القرية أو في السّوق الفلسطينيّ ونصدّر كذلك للولايات المتحدة، ونكسب من ذلك مدخولاً جيّداً. ولكن في هذه السّنة لم نربح شيئاً، لم نتمكّن من قطف ما يكفي احتياج العائلة ممّا يعني أنّنا سوف نضطرّ أن نشتري لكي نعوّض النقص. من جهة أخرى، كانت لدينا مصاريف كثيرة على رعاية أشجار الزيتون، الأسمدة، المُبيدات، مصاريف الحراثة، ما مجموعه نحو 300,000 ش.ج. إضافة إلى ذلك، لدينا مصاريف أجور العمّال حيث يعمل لدينا أكثر من ثلاثين عاملاً في كلّ سنة خلال موسم القطاف. هؤلاء أيضاً تضرّروا إذ خسروا مصدر دخل، وهُم يعيلون 150 نفراً على الأقلّ. وهناك عشرة عمّال آخرون يعملون لدينا على مدار السّنة، وهؤلاء أيضاً تضرّروا.بعد السّابع من أكتوبر خرّب المستوطنون أشجارنا والأراضي. شاهدنا مستوطني المزارع الاستيطانيّة المنتشرة في الجزء الشرقيّ من القرية يجلبون قطعان أغنامهم لترعى داخل كرومنا، وقد أكلت هذه القطعان الأوراق والأغصان وخرّبتها. هذا يؤدّي إلى تيبّس الأشجار وموتها، وأحياناً يحتاج الأمر سنتين أو ثلاثة حتى تستعيد الأشجار عافيتها. لقد تمكّنا من اكتشاف مكان الجرّافات التي استخدمها المستوطنون في تجريف أراضينا الواقعة قرب بؤرة "عدي عاد" الاستيطانيّة، حيث توجد لنا هناك أكثر من 400 شجرة. عندما ذهبنا لتقديم شكوى في محطة شرطة "بنيامين" استجوب المحقّق اليهوديّ عمّي وسأله كيف استطعتم تصوير المستوطنين، كأنّما نحن المذنبون. نملك أيضاً معصرة زيتون أقمناها في العام 2010. نحن نعمل مع مزارعين من المغيّر والقرى المجاورة، مثل كفر مالك وترمسعيّا وأبو فلاح ودوما. وكان مدار عمل المعصرة متوائماً مع موسم القطاف، أي على مدار خمسين يوماً، بمتوسّط عشر ساعات عمل في اليوم. لقد كانت المعصرة تعمل وتُنتج يوميّاً ستّة أطنان من زيت الزيتون، وبالمجمل أنتجنا نحو 300 طن خلال الموسم. أمّا في هذه السّنة فقد كانت المعصرة شبه معطّلة حيث تمكّنا من إنتاج 60 طناً من زيت الزيتون فقط، أي ما يعادل 20% من الإنتاج السّنويّ العاديّ.وسيم لدادوة، من سكّان بلدة المزرعة القبليّة، قال في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:تعدّ عائلتنا الموسّعة نحو مائة نفر، ونملك معاً ما يقارب 450 دونماً نصفها كروم زيتون. لسوء حظّنا، تقع كرومنا في جوار مستوطنات "نحليئيل" و-"كيرم رعيم" و-"طلمون" و-"حورشاه". في الموسم الحاليّ لم نتمكّن بتاتاً من قطف ثمار الزيتون لأنّ الجنود والمستوطنين، الذين أتى بعضهم بزيّ عسكريّ، منعونا من الوصول إلى أشجارنا.في 11.10.23 حاول أهالي القرية، بمن فيهم عائلتي، المجيء إلى كروم الزيتون القريبة من البلدة، وهي أراضٍ تبعُد مئات الأمتار عن المستوطنات والدخول إليها لا ولم يتطلّب إجراء "تنسيق". مع ذلك، حين اقتربنا اعتدى علينا الجنود والمستوطنون. كان عددنا نحو ثلاثين شخصاً، ومعنا نساء وأطفال، وقد هدّدونا بالسّلاح وأخافوا الجميع. كذلك خرّبوا بعضاً من السّلالم وأدوات العمل التي جلبناها معنا. في أوقات أخرى حاول بعض المزارعين المجيء إلى كرومهم خفيةً، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل لأنّ الجيش والمستوطنين منتشرون ليلاً ونهاراً على قمم التلال. الجنود يُراقبون على مدار السّاعة ويستخدمون في ذلك الطائرات الشراعيّة أيضاً لكي يتعقّبوا المزارعين الذين يحاولون الاقتراب من كرومهم. إنّهم يُطلقون النار لكي يُخيفوهم.خسائرنا فادحة. كنّا ننتج في كلّ موسم نحو 250 صفيحة (تنكة) زيت زيتون وزن كلّ منها 15 كغم، أي أنّنا كنّا ننتج 3,750 كيلوغراماً من زيت الزيتون. متوسّط سعر الكيلوغرام الواحد 40 ش.ج. هذا كلّه خسرناه. ليس فقط عائلتنا وإنّما جميع أهالي القرية خسروا مبالغ كبيرة. أنا أعرف ذلك لأنّني ناشط زراعيّ وعضو في عدّة لجان في القرية.مساحة أراضي البلدة 14,200 دونم، منها 7,500 دونم تقع في الجانب الغربي من البلدة وتطوّقها المستوطنات التي ذكرتها أعلاه. كروم الزيتون خاصّتنا موجودة هناك. يمكن القول إنّ أكثر من 90% من محصول زيت الزيتون سُلبت منّا في هذا الموسم. معصرة الزيتون التي في بلدتنا تُنتج في كلّ موسم نحو 10،000 صفيحة زيت زيتون، أي ما يعادل 150 ألف كغم زيت. ولكن في هذا الموسم أنتجت المعصرة فقط 500 كغم زيت لأنّنا لم نتمكّن من قطف ثمار الزيتون. في هذه السّنة لم نتمكّن حتى من إنتاج ما يكفي من الزيت لاحتياجاتنا وسوف نضطرّ إلى شرائه - هذا إذا وُجد زيت زيتون في السوق حيث أنّ ما جرى لبلدتنا جرى لجميع البلدات والقرى في الضفة الغربيّة.خُذني أنا مثالاً: كانت عائلتي تُنتج في كلّ موسم عشرين صفيحة زيت زيتون. نحن نستهلك أربعة صفائح أي 60 كغم والبقيّة كنت أبيعها وكانت تدرّ مدخولاً ذا أهمّية لنا، بينما خرجت من هذا الموسم بثلاث زجاجات زيت فقط، أي خمسة كغم. هناك مُزارعون كانوا ينتظرون موسم قطاف الزيتون لكي يموّلوا عُرس أحد الأبناء أو بناء منزل أو دفع أقساط جامعة، ناهيك عن حالة فقراء المزارعين فهؤلاء ينتظرون موسم القطاف لأنّه مصدر دخلهم الوحيد وبالكاد يعتاشون منه.تبعات هذه الجريمة تطال أيضاً أشجار الزيتون نفسها. الثمار التي تبقى على الشجر تتعفّن وتُنمّي حشرات تضرّ بالشجرة، وهذا يسبّب أمراضاً قد تيبّس الشجرة أو تُميتها. إبقاء الثمر على الشجر يؤدّي أيضاً إلى خفض محصول الثمار بنسبة كبيرة في الموسم اللّاحق، وأحياناً تنخفض الكميّة إلى نصف المنتوج العادي.
14 شباط/فبراير 2024