جنود يطلقون النار على قصيّ تميمي (19 عامًا) ويقتلونه دون أن يشكّل خطرًا على أحد

الصورة
روتين قاتل: مقتل قصي تميمي

في يوم 25.10.22 قرابة منتصف الليل، نُشِرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ أنباء عن دخول قوّات عسكريّة إلى نابلس. على إثر ذلك، تجمهر شبّان من قرية النبي صالح في محافظة رام الله قرب البرج العسكريّ القائم عند مدخل القرية. أطلق الجنود عليهم قنابل الغاز المسيِّل للدموع القنابل الصوتيّة، فغادر الشبّان بعد وقت قصير.

الصورة
قصيّ تميمي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
قصيّ تميمي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

ونحو الساعة 1:30 بعد منتصف الليل، عندما بدأت تصل أنباء عن سقوط قتلى وجرحى في نابلس، تجمّع نحو ثلاثين شابًّا قرب منزل قصيّ ال تميمي (19 عامًا) على بُعد نحو نصف كيلومتر من البرج. قرّر قصيّ تميمي وشابّان أو ثلاثة شبّان آخرون التقدّم باتّجاه منطقة البرج العسكريّ وتوقّفوا على بُعد نحو ثمانين مترًا منه وأشعلوا الإطارات المطاطية. وبعد حوالي عشر دقائق انضمّ إليهم شابّان آخران، أحدهما هو ماهر تميمي، شقيق قصيّ.

بعد ذلك ببضع دقائق، أطلق الجنود باتّجاههم ثلاث قنابل غاز مسيِّل للدموع فالتقط أحد الشبّان إحداها ثم عاد ورماها إلّا أنّها سقطت بعيدًا عن البرج. تراجع الشبّان بضعة أمتار واختبأ بعضهم في حديقة مجاورة، لكنّ قصيّ بقي على الجانب الآخر من الشارع واختبأ خلف حاوية القمامة. وفي حوالي الساعة 2:00 بعد منتصف الليل، نادى الشبّان على قصيّ لكيّ ينضمّ إليهم لكن قبل أن يتمكّن من الردّ عليهم، أطلق أحد الجنود النار عليه وأصابه في الجزء العلويّ من جسده. تمّ نقل قصيّ إلى المستشفى وهناك أُقرَّت وفاته.

ادّعى الجيش بأنّ الجنود لاحظوا مشتبهاً به يلقي نحوهم عبوة ناسفة فردُّوا بإطلاق النار. ونُشِر في وسائل الإعلام أنّه في أعقاب الحادث أن شرطة التحقيق العسكرية فتحت تحقيقاً في الحادثة.

باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد جمع إفادات من أفراد عائلة قصيّ تميمي: 

وعد تميمي (26 عامًا) قال في إفادته:

في تلك الليلة كانت أحداث في نابلس. نحو الساعة 1:30 قبل الفجر، تجمعنا قرب منزل عمّي، بجانب المقبرة الواقعة في وسط القرية. كنّا حوالي ثلاثين شابًّا وأردنا تنظيم نشاط احتجاجيّ ما. نزل ثلاثة ـ أربعة شبّان، بينهم قصيّ تميمي، إلى منطقة البرج بينما بقينا نحن قرب المنزل. رأيناهم يتوقفون أمام الشارع المغلق الذي توجد في أحد طرفيه بوّابة حديديّة مغلقة وفي الطرف الآخر برج عسكريّ. كانت هناك سيّارة جيب عسكريّة تقف بجانب البرج، كما هي الحال عادةً. فهذا لم يكن أمرًا استثنائياً. لم نرَ جنودًا. قام بعض الشبّان بإشعال إطارات مطاطية بجانب البوّابة. لم يقم أحدٌ برشق الحجارة ولم يكن هناك إطلاق نار من قبَل الجنود.

نحو الساعة 1:40 أخذت شابّين في سيّارتي، هما محمد وماهر تميمي، شقيق قصيّ، إلى المكان الذي كان فيه قصيّ والشبّان الآخرون. ابتعدتُ قليلًا وأوقفتُ السيّارة جانبًا ثمّ أخذتُ أنظرُ إلى الشبّان الواقفين بجانب الإطارات المشتعلة. بعد ذلك بعشر دقائق أطلق الجنود من البرج قنابل غاز مسيل للدموع، أعتقد أنّها كانت ثلاث قنابل. التقطَ أحد الشبّان قنبلة وحاول إعادة رميها باتّجاه البرج، لكنّ القنبلة سقطت على مسافة بعيدة.

كان قصيّ يقف خلف حاوية قمامة موجودة هناك، في مرمى نيران الجنود. وكان بقيّة الشبّان على بُعد أمتار قليلة منه، بجانب حديقة محمّد تميمي التي لا تقع في مرمى نيران الجنود. فجأةً، بعد نحو ربع ساعة من إطلاق قنابل الغاز، سمعتُ صوت إطلاق نار من جهة البرج. صاح قصيّ: "رِجلي!" وسقط أرضًا. سحبَه الشبّان جانبًا وقدْتُ أنا السيّارةَ واتّجهتُ إليهم على الفور. وضعوا قصيّ في المقعد الخلفيّ للسيّارة ومَدَّدوه على أرجلهم. اِنهار ماهر وبكى. أوقف أحد الشبّان النزيف بيده وصرخ طالبًا المساعدة. صرخ محمّد على قصيّ أن يصحو. لكنّ قصيّ لم يتحرّك ولم يُصدر أيّ صوت.

سافرتُ بسرعة إلى المستشفى في سلفيت. في الطريق اتّصلتُ بالهلال الأحمر واستدعيتُ سيّارة إسعاف فأوضحوا لي عبر الهاتف أنّه يجب وقف النزيف والحرص على أن لا يتحرّك. ضغط أحد الشبّان بقميصه لكي يوقف النزيف. بعد أن قطعتُ مسافة كيلومترين اثنين تقريبًا، ارتعش قصيّ فجأةً ثمّ أصبح جسده هامدًا تمامًا. بدأ الشبّان بالصراخ. بعد عشرة كيلومترات التقينا بسيّارة الإسعاف التابعة إلى الهلال الأحمر ونقلنا قصيّ إليها. صعد معه ثلاثة شبّان في سيّارة الإسعاف سافرتُ أنا خلفهم ووصلتُ إلى المستشفى نحو الساعة 2:30. حاول الأطبّاء هناك إنعاش قصيّ إلّا أنّهم أقرّوا وفاته في الساعة 2:50.

الصورة
جنازة قصي تميمي، 19 عامًا، النبي صالح. أورين زيف (أكتيف ستيلز) ، 25.10.22.
جنازة قصي تميمي، 19 عامًا، النبي صالح. أورين زيف (أكتيف ستيلز) ، 25.10.22.

محمّد تميمي (28 عامًا) قال في إفادته:

في الساعة 1:40 قرّرتُ أنا أيضًا النزول نحو البرج. سافرتُ بسيّارة وعد تميمي سويّةً مع شقيق قصيّ، ماهر. أنزلَنا وعد ثمّ ركن السيّارة على مقربة منّا وبقي في السيّارة. كان قصيّ وبعض الشبّان الآخرين قد تقدّموا نحو البرج فانضممتُ أنا وماهر إليهم بينما كانوا يشعلون الإطارات. لم يقم أحدٌ برشق الحجارة ولا حتّى بشتم الجنود الذين كانوا في البرج. وقفنا على بُعد أكثر من سبعين مترًا عن البرج. بعد وقت قصير من وصولنا، أطلق الجنود الذين في البرج ثلاث قنابل غاز مسيل للدموع باتّجاهنا. حاول أحد الشبّان أن يَرُدّ رمْي قنبلة، لكنّها لم تصل إلى البرج وسقطت بعيدًا عنه. في هذه الأثناء شاهدتُ ثلاثة جنود يختبئون خلف الكتل الخرسانيّة المجاورة للبرج. اختبأنا جميعًا في حديقة محمّد تميمي، لأنّها لا تقع في مرمى النيران المباشر للجنود وهي أكثر أمانًا.

لم يكن قصيّ معنا بل كان يقف مقابلنا على بُعد بضعة أمتار واختبأ خلف حاوية قمامة. في حوالي الساعة 2:00 سألتُ قصيّ إن كان هاتفه في حوزته، لأنّ بطّاريّة هاتفي كانت قد فرغت تقريباً. سألني عن السبب فأجبْتُه أنّني أريد تصوير الجنود. ردّ قصيّ بأنّه لا يحمل هاتفه. نحن معتادون أن نوثّق هذه الأحداث. كان ماهر يقف إلى جانبي وسمعتُه يقول لقصيّ أن يأتي إلينا لأنّ هنا أكثر أمانًا. حينها بالضبط أُطلِق الرصاص الحيّ على قصيّ مباشرةً فسقطَ ولم يتحرَّك. رقدَ مثل جنين في الرحم وكانت رِجلاه تحته.

ركضتُ أنا وماهر وشابّ آخر نحوه. في البداية رأيتُ ابتسامة على وجه قصيّ فاعتقدتُ أنّه يمزح معنا. سمعتُه يقول: "رِجلاي"، وظننتُ أنّه أصيب في رجله. حملناه وأخذناه إلى الحديقة التي كنّا نختبئ فيها. مدّدناه على الأرض وحاول أحد الشبّان فحص رجليه، لكنّه لم يرَ شيئًا. شعرتُ بشيء ساخن يسيل من منطقة إبطه، لا أتذكّر أيّ جهة، وفهمنا أنّه دم. نادينا على وعد لكي يأتي فرأيناه يقود السيّارة في طريقه إلينا. أدخلنا قصيّ إلى المقعد الخلفيّ ومدّدناه على أرجلنا. جلستُ أنا في الوسط وتحدّثتُ معه لكي يبقى صاحيًا. لكنّ ذلك لم يساعد. حاولتُ الضغط على موضع الجرح لكن كان من الصعب عليّ تحديد مكانه في أثناء السفر. ضغطتُ بقميصي على أحد الأماكن التي كان ينزف منها، تحت الإبط.

بعد أن سافرنا مسافة كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات، ارتعش قصيّ فجأةً ثمّ ارتخى جسده تمامًا. لم نستسلمْ وواصلنا السفر حتّى التقينا بسيّارة الإسعاف التي استدعاها وعد في الطريق. نقلناه على الفور إلى سيّارة الإسعاف وصعدتُ أنا وماهر وشابّ آخر معه. بدأ أحد المُسعفين بإجراء عمليّات إنعاش له وسمعتُه يقول إنّ القلب قد مات، لكنّه ظلّ يحاول إنعاشه. عندما وصلنا إلى المستشفى، بدأ فريق من الأطبّاء والممرِّضين بإجراء عمليّات إنعاش. حاولوا لمدّة عشر دقائق أو ربع ساعة، لكنّ ذلك لم يساعد وقصيّ لم يستجب. ثمّ أبلغوني بأنّه مات.