The Elimination Project

طلعت زيادة، رئيس نقابة الممرضين والممرضات في مستشفى رفيديا في نابلس، تحدث عن ضائقة عاملي التمريض الذين لا يتلقون رواتبهم الكامل وعن انهيار الخدمات الصحية في الضفة

أعمل منذ 23 عامًا ممرّضًا في مستشفى رفيديا في نابلس، وفي السّنوات الأخيرة أشغل منصب رئيس نقابة الممرّضين والممرّضات في المستشفى.

منذ عام 2021 تقريبًا ونحن نعاني، مثل بقيّة عاملي القطاع العامّ، من اقتطاعات وخصومات في رواتب موظّفي الحكومة. في البداية تمّ خصم 30% من الراتب، ثمّ 40% وبعد ذلك 50%.

منذ عام 2021 تقريبًا ونحن نعاني، مثل بقيّة عاملي القطاع العامّ، من اقتطاعات وخصومات في رواتب موظّفي الحكومة. في البداية تمّ خصم 30% من الراتب، ثمّ 40% وبعد ذلك 50%. ولا تزال الاقتطاعات والصرف غير المنتظم للرواتب مستمرّة حتّى اليوم. الرّواتب الأخيرة التي تلقّاها موظفو السّلطة كانت 2,000 شيكل فقط، دُفعت بعد مضيّ نحو خمسين يومًا على الدّفعة التي قبلها. هذا الأمر أثّر بشكل صعب جدًّا على جميع موظفي الحكومة، بضمنهم العاملون في مجال التمريض.

أنا أعرف ممرّضين وممرّضات كُثرًا يحملون شهادة تمريض (دبلوما)، بدون لقب أكاديمي، ويرغبون في متابعة دراستهم للّقب الأوّل؛ وأعرف آخرين يرغبون في متابعة الدراسة للّقب الثاني أو لحيازة لقب إدارة أجهزة صحيّة، لكنّهم اضطرّوا إلى وقف دراستهم لأنّهم عجزوا عن دفع القسط الجامعيّ.

الأزمة مستمرّة، وقد تعمّقت وتجذّرت على مدى سنوات طويلة. المشكلة الأشدّ صعوبة تواجه العاملين الذين لديهم أطفال أو طلّاب في الجامعات [يحتاجون إلى دعمهم]، أو أولئك الذين أخذوا قروضًا من البنك. معظم موظفي الحكومة رواتبهم متدنّية نسبيًّا - تبدأ من 2,000 شيكل، وقد تصل إلى نحو 7,000 شيكل وفقًا لعدد سنوات الخدمة والمؤهّلات العلميّة.

90% من العاملين قد أخذوا قروضًا بنكيّة - لأجل تمويل الدّراسة، الزواج، بناء منزل، شراء سيّارة، أو دراسة أولادهم في الجامعات. واليوم، تشكل إعادة هذه القروض، في ظلّ عدم تلقّي راتب كامل، عبئًا ثقيلًا جدًّا على موظّفي الحكومة، ومن ضمنهم الممرِّضون والممرِّضات.

في كل مرة كنا نطالب فيها بتلقي رواتبنا كاملة ودون أي خصومات، ونشرح لوزارة الصحة الوضع الصعب الذي نمر به، كان يصدر قرار بتقليص أيام العمل بسبب عدم قدرة السلطة على دفع المستحقات المتراكمة للعاملين أو على دفع الرّواتب كاملة.

بسبب النقص في العاملين، يطلبون ممّن يستطيع ذلك أن يعمل ثلاث ورديّات - صباحيّة، مسائيّة وليليّة. لكنّ هذا يُنافي المنطق إذ كيف يُمكن لإنسان أن يبقى مستيقظًا طوال 24 ساعة وأن يقدّم علاجات مضبوطة للمرضى؟ لا يوجد من يقدر على ذلك.

في البداية تم تقليص يوم عمل واحد في الأسبوع، ثم يومين، وبعد ذلك ثلاثة أيام. حاليًّا، بسبب النقص في العاملين، يطلبون ممّن يستطيع ذلك أن يعمل ثلاث ورديّات - صباحيّة، مسائيّة وليليّة. لكنّ هذا يُنافي المنطق إذ كيف يُمكن لإنسان أن يبقى مستيقظًا طوال 24 ساعة وأن يقدّم علاجات مضبوطة للمرضى؟ لا يوجد من يقدر على ذلك.

توفير الطّعام أصبح مشكلة أيضًا، إذ بات المستشفى عاجزًا عن توفير الطعام للعاملين، أو المرضى. منذ العام 2025، يعتمد المستشفى في تقديم الطعام المقدّم للمرضى بشكل أساسيّ على تبرّعات المُحسنين الذين يساعدون في توفير الاحتياجات الأساسيّة للعاملين والمرضى؛ وعادة يتمّ تقديم وجبة واحدة فقط في اليوم، وهي صغيرة ولا تُشبع.

لوجبة العشاء خلال أسبوع العمل الحاليّ تمّ تقديم قطعة جبنة صغيرة بحجم عُلبة كِبريت، حبّة بندورة واحدة، قطعة خبز وقطعة حلاوة. كان ذلك أشبه بالوجبات التي يجلبونها للسّجناء.

أنا أشكر الله كلّ يوم لأنّه لا توجد عليّ ديون. حتى أنّني شرعت في بناء منزل ثمّ اضطُررت لوقف البناء عندما بدأت الأزمة، لأنّني لم أقدر على الاستمرار. المهمّ أن لا أكون مدينًا لأحد. وضعي أفضل من وضع زملائي وزميلاتي لأنّني أب لطفلة واحدة ولا أعيل أسرة كبيرة مثل كثيرين منهم، إضافة إلى أنّ زوجتي تعمل أيضًا.

في كل يوم أستمع إلى شكاوى زملائي وزميلاتي بشأن الصعوبات الاقتصادية، وعن عدم قدرتهم على الاستمرار. إنهم يشترون كل شيء بالدين. وعندما يُصرف جزء من الراتب، يهرعون لسداد ديونهم للبقالة واللحام وبائع الخضار ولغيرهم، ثم يعودون مجددًا إلى الدوامة ذاتها من الاستدانة وتراكم الديون من كل حدب وصوب.

ضغط العمل الملقى على كاهل موظّفي الجهاز الصحي يولّد عبئًا هائلًا. لأنّ عدد العاملين آخذ في التناقص. فمنذ بدء أزمة الأجور التي تواجهها السلطة، توقّفوا عن توظيف عاملين جدد. لدينا، في مستشفى رفيديا، نقص يقدّر بنحو 30 ممرّضًا وممرّضة.

لا تقتصر المشكلة على الرواتب فحسب، بل إنّ ضغط العمل الملقى على كاهل موظّفي الجهاز الصحي يولّد عبئًا هائلًا. لأنّ عدد العاملين آخذ في التناقص. فمنذ بدء أزمة الأجور التي تواجهها السلطة، توقّفوا عن توظيف عاملين جدد.

لدينا، في مستشفى رفيديا، نقص يقدّر بنحو 30 ممرّضًا وممرّضة. مرّت سنوات دون وجود وظائف جديدة، ولا يتمّ توظيف بدلاء في حالات الوفاة أو التقاعد. في الوضع الطبيعي، تبلغ النسبة بين مقدّمي الخدمات الطبية والمعالَجين واحدًا لكلّ أربعة. أمّا اليوم، وفي أعقاب تقليص حجم العمل، فقد وصلت النسبة إلى عضو طاقم واحد لكلّ عشرين مريضًا.

هذا عدد كبير جدًّا، وهو بعيد كلّ البُعد عن المعايير الدوليّة للخدمات الطبّيّة. ترجمة ذلك في الواقع هي تراجُع مستوى الخدمة الطبّية، ارتفاع في حالات الخطأ الطبّي، كثرة الشكاوى من قبَل المرضى، وتفاقُم المشاكل في العيادات والمستشفيات، لأنّ المرضى يحتاجون إلى العلاج والرّعاية، والطواقم غير قادرة على توفيرهما بالمستوى والسّرعة المطلوبَين.

اليوم لا توجد لدى العاملين الرّغبة أو القُدرة على تحمّل النقد أو الشكوى من قبَل المرضى، لأنّ وضعهم النفسيّ والاجتماعيّ صعب للغاية. يقولون لي: "كيف تنتظرون منّا أن تقدّم خدمة إنسانيّة في حين لا أحد يكترث لأمرنا نحن، وفي حين لا نستطيع شراء خبز وحليب لأطفالنا؟".

كلّهم يأتون إلى العمل على مضض، دون أيّة رغبة. لا أحد يرغب في العمل. الجميع مُتعَب والبال مشغول بالهُموم اليوميّة: من أين سأدبّر نقودًا لشراء بعض حاجيّات المنزل؟ ماذا سأقول لصاحب دكّان البقالة عندما يسألني متى سأسدّد الدّين؟ من أين سأجلب مالًا لتسديد القسط الجامعيّ، لشراء حاوية غاز، لتجديد رخصة السيّارة أو حتى لوقود السيّارة. هناك أشخاص يعبّئون في سيّاراتهم سولار بمبلغ 20 شيكلًا فقط، أي ما يكفي لسَفرة واحدة ضروريّة.

هكذا هي حياة موظّفي الحكومة منذ أن توقّفت إسرائيل قبل عدّة سنوات عن تحويل الأموال المستحقّة للسّلطة الفلسطينيّة بعد خصم دُيونها. السّلطة باتت غير قادرة أيضًا على دفع المستحقّات للمستشفيات الخاصّة.

هكذا هي حياة موظّفي الحكومة منذ أن توقّفت إسرائيل قبل عدّة سنوات عن تحويل الأموال المستحقّة للسّلطة الفلسطينيّة بعد خصم دُيونها (أموال المُقاصّة). السّلطة باتت غير قادرة أيضًا على دفع المستحقّات للمستشفيات الخاصّة، لذلك تواجه المستشفيات عجزًا في الميزانيّة ولا تتمكّن من الوفاء بالتزاماتها تجاه موظّفيها.

في نابلس، المستشفى التخصّصي والمستشفى العربي التخصّصي يدفعان منذ أشهُر للعاملين في جميع الأقسام فقط 50% من راتبهم؛ والعاملون في مستشفى النجاح الجامعيّ يتلقّون 70% فقط من رواتبهم.

لقد أضرّت الأزمة بكلّ جهاز الصحّة في المدينة. إسرائيل تحتجز أموال السّلطة الفلسطينيّة بهدف تشويش عمل السّلطة وبالتالي تقويضها وإسقاطها، وهذا الأمر يضرّ بمُجمل جهاز الصحّة – العامّ والخاصّ. الجهازان الأهمّ في أيّ نظام حُكم هُما جهاز الصحّة وجهاز التعليم لكونهما أساس كلّ مجتمع وهُما يحدّدان هل يتقدّم المجتمع أم يتقهقر وينهار.

مستشفى رفيديا الجراحيّ، الذي أعمل فيه، يخدم كلّ منطقة شمال الضفة الغربيّة. وهو يضمّ القسم الوحيد في الضفة الغربيّة المختصّ بعلاج الحُروق، إضافة إلى قسم أعصاب وقسم جراحة دماغ يخدمان كلّ منطقة شمال الضفة الغربيّة، وفيه أيضًا قسم القلب والأوعية الدمويّة الذي يخدم مرضى من جميع أنحاء الضفة الغربيّة. يوجد في المستشفى 220 سريرًا للعلاج الدّاخليّ، ومنها 100 سرير للعمليّات الجراحيّة. كذلك يضمّ المستشفى قسمًا لأمراض النساء والتوليد، وقسم أطفال وقسم خُدّج.

لم يعد بإمكان المزوّدين الاستمرار في تزويد المستشفيات بالأدوية والمعدّات الطبيّة، لعدم قدرة الحكومة على دفع المبالغ المستحقّة لهم، بسبب احتجاز إسرائيل لأموال السلطة الفلسطينيّة.

لدينا نقص في المعدّات الطبيّة أيضًا. على سبيل المثال، هناك نقص في المحاليل الوريديّة والمعدّات الطبية الحيوية الأخرى، وذلك بسبب ديون تبلغ مليارات الشواكل لشركات الأدوية وللمزوّدين. لم يعد بإمكان المزوّدين الاستمرار في تزويد المستشفيات بالأدوية والمعدّات الطبيّة، لعدم قدرة الحكومة على دفع المبالغ المستحقّة لهم، بسبب احتجاز إسرائيل لأموال السلطة الفلسطينيّة. هناك نقص في كلّ شيء في المستشفى، ومن ضمن ذلك في القوى العاملة. هناك نقص في المساعدين الطبيّين وعاملي النظافة ورجال الأمن، لعدم قدرة وزارة الصحّة على توظيف عاملين جدد. هذه الأمور كلّها تؤدّي إلى تدهور مستمرّ في مستوى الخدمة الطبيّة، ومَن يدفع الثمن دائمًا هو المواطن الفلسطينيّ.

قبل عدّة أشهُر افتُتح عندنا في مستشفى رفيديا قسم لأمراض القلب، بتمويل من المجتمع المحلّي وبفضل تبرّعات قدّمها مُحسنون. لكنّ هذا القسم ما زال حتى اليوم لا يعمل كما هو مطلوب وذلك بسبب نقص في الطاقم الطبّي. الوزارة عاجزة عن توظيف عاملين جُدد ليشغلوا مختلف الوظائف في القسم. قسم كهذا، مختصّ بأمراض القلب، يحتاج إلى طاقم مهنيّ عالي المستوى من ناحية المؤهّلات والخبرة، لكنّ الوزارة غير قادرة على تحمّل تكلفة تشغيلهم، أو دفع رواتب عاملين جُدد عمومًا.

  • هذه الإفادة سجلتها باحثة بتسيلم الميدانية سلمى الدبعي في 9.6.26