The Elimination Project

ضيف الله عراعرة (47 عامًا)، أب لـ 11، تحدث عن تهجير المستوطنين لتجمع الشكارة في محافظة نابلس

الصورة
ضيف الله عراعرة. تصوير: سلمى الدّبعي, بتسيلم
ضيف الله عراعرة. تصوير: سلمى الدّبعي, بتسيلم

أعيش مع زوجتيّ وأولادي، عدا ابنتيّ الكبيرتين اللّتين تزوّجتا وانتقلتا للإقامة في مكان آخر، وكنّتي وأحفادي. أنا من عشيرة الكعابنة وهي في الأصل من شرقيّ بيت لحم لكنّ ظروف الحياة هناك كانت صعبة جدّاً حيث المنطقة صحراويّة ولا توجد فيها مراعٍ للمواشي فكنت أضطرّ لشراء الأعلاف والدّخول في دوّامة الدّيون. قبل عشر سنوات قرّرت وشقيقاي، عيد (60 عاماً) وخالد (55 عاماً)، أن ننتقل مع عائلاتنا إلى منطقة أخرى بحثاً عن الرّزق الحلال.

انتقلنا إلى منطقة دوما، على بُعد نحو 20 كيلومتراً جنوبي شرق نابلس. المكان هادئ وجميل وسكّانه أناس طيّبون. اشتريت هناك قطعة أرض مساحتها 1,5 دونم تقريباً، في منطقة الشكارة على بعد نحو كيلومتر ونصف الكيلومتر شرقيّ القرية؛ واشترى شقيقاي معاً نحو 6 دونمات. عشنا في المكان وربّينا مواشينا. إضافة إلى تربية المواشي، عملت أيضًا في قطف التمور في منطقة الأغوار مقابل أجْر يوميّ يبلغ 80 شيكل. إنّه عمل موسميّ، من نيسان إلى أيلول. بعد انتهاء الموسم كنت أعمل في إسرائيل، بتصريح عمل. في العام 2019، بدعم من منظمة غوث دوليّة، تمّ ربطنا بشبكة الكهرباء وشقّ شارع يوصل منطقتنا بدوما.

فقدتُ عملي في إسرائيل، مثل غيري، ثمّ امتنعت عن الدّخول إلى إسرائيل بعد أن سمعت عن اعتقال العمّال فيها لأنّ السّلطات سحبت تصاريحهم فجأة، عن الغرامات الماليّة الباهظة التي فُرضت عليهم وعن ظروف الاعتقال والتهديد والتنكيل الذي يتعرّضون له. 

في 7.10.23 تغيّر كلّ شيء. فقدتُ عملي في إسرائيل، مثل غيري، ثمّ امتنعت عن الدّخول إلى إسرائيل بعد أن سمعت عن اعتقال العمّال فيها لأنّ السّلطات سحبت تصاريحهم فجأة، عن الغرامات الماليّة الباهظة التي فُرضت عليهم وعن ظروف الاعتقال والتهديد والتنكيل الذي يتعرّضون له. حين تدهور وضعي الاقتصادي وضاقت بي الأحوال سلّمت أمري للّه ودخلت إلى إسرائيل بدون تصريح، في شهر آب 2025، كي أعمل في مكان أعرفه. لكنّ ظروف العمل هناك كانت لا تُطاق فتركت العمل بعد أسبوعين وعدت إلى المنزل.

صار الوضع في منطقتنا يزداد صعوبة. من نهاية شهر تمّوز وحتى بداية آب 2025 شقّ المستوطنون شارعاً من ناحية البؤرة الاستيطانيّة التي كانوا قد أقاموها قبل شهر من ذلك تقريباً شمالي غرب دوما، وهذا الشارع يمرّ قرب المنطقة التي نسكن فيها، إلى الشرق من القرية. بعد ذلك، بعد أن قتل مستوطن بالرّصاص الشابّ ثمين دوابشة في 13.8.25، مباشرة، وفي أثناء احتجاج أهالي دوما على شقّ الشارع في أراضي القرية، أقام مستوطنون بؤرة استيطانيّة جديدة تُدعى "جيبوري دافيد" إلى الشمال الشرقيّ من منازلنا، تبعُد عنها أقلّ من 500 متر. بعد أن مهّدوا الأرض جلبوا "كرفانات" جديدة، ارتبطوا بشبكة المياه ونصبوا ألواحاً شمسيّة، والآن توجد هناك 8-9 "كرفانات" تقريباً ولديهم نحو 25 رأساً من الأغنام وعشرات الأبقار.

الوضع في يومي الجُمعة والسّبت كان الأسوأ. كان يدهمُنا 10-12 مستوطناً، وقد فهمت أنّهم يجلبون معهم شتّى أنواع الأصدقاء لكي يُساعدوهم في الهجوم علينا. في بقيّة أيّام الأسبوع كان يأتي ما بين مستوطن وأربعة مستوطنين مع المواشي والحمار، يُفلتونها بين المنازل، يشتموننا ويحاولون استفزازنا وجرّنا إلى مواجهة لكي.

في آخر شهر آب، بعد أن جلب المستوطنون مواشي إلى البؤرة الاستيطانيّة الجديدة، صاروا يقتحمون تجمّعنا وتجمّع الزواهرة، وهو أقرب إلى البؤرة الاستيطانيّة. منذ ذلك الوقت بدأت معاناتنا الكبيرة. وحيث أنّنا تابعنا مع جرى للتجمّعات الأخرى، فقد أدركنا سريعاً أنّ مواشينا في خطر وكانت أوّل خطوة اتّخذناها نقل المواشي إلى مكان آخر. المواشي هي كلّ شيء بالنسبة إلينا. هي رأسمالنا وشقاء عُمرنا، وكما يقولون عندنا "المال يعادل الروح".

الوضع في يومي الجُمعة والسّبت كان الأسوأ. كان يدهمُنا 10-12 مستوطناً، وقد فهمت أنّهم يجلبون معهم شتّى أنواع الأصدقاء لكي يُساعدوهم في الهجوم علينا. في بقيّة أيّام الأسبوع كان يأتي ما بين مستوطن وأربعة مستوطنين مع المواشي والحمار، يُفلتونها بين المنازل، يشتموننا ويحاولون استفزازنا وجرّنا إلى مواجهة لكي يعتدوا علينا ويطردونا من المكان، ولكن نحن كنّا نمتنع عن الردّ رغم كلّ الاستفزازات والإهانات.

كانوا يُدخلون مواشيهم إلى داخل ساحات المنازل، يقطعون أنابيب المياه، يحطّمون الحنفيّات، يثقبون خزّانات المياه ويُلقون أحذية في داخلها. وكانوا يأخذون الملابس عن حبال الغسيل ثمّ يمزّقونها ويرنموها على الأرض. كانوا يحطّمون زجاج النوافذ ويسرقون كلّ ما تطاله أيديهم. سرقوا ألعاب الأطفال، شاكوشًا صغيرًا، مصابيح تعمل بالطاقة الشمسيّة، مدفئتي حطب ومُعدّات بناء بضمنها مفكّ آليّ وشاكوش كهربائيّ (كونغو) ومفكّات كثيرة. كانوا يتعمّدون إثارة الضجيج في اللّيالي، يُسمعون موسيقى صاخبة بالعبريّة، يُطلقون صافرات سيّاراتهم ويشغّلون مكبّرات صوت كانت تُخيف الجميع. لم يتركوا لنا لحظة نرتاح فيها.

كان المستوطنون يدهموننا كلّ يوم تقريباً، كأنّهم يقومون بوظيفة ثابتة، ودائماً كان يأتي معهم مستوطن واحد على الأقلّ مسلّح ببندقيّة أو مسدّس، وحدث أن جلب أحدهم عُبوة رذاذ فلفل. رشّوا رذاذ الفلفل على ابني أيمن، وكذلك على الناشطين الإسرائيليّين والأجانب الذين كانوا يأتون كي يُحاولوا مُساعدتنا. 

كان المستوطنون يدهموننا كلّ يوم تقريباً، كأنّهم يقومون بوظيفة ثابتة، ودائماً كان يأتي معهم مستوطن واحد على الأقلّ مسلّح ببندقيّة أو مسدّس، وحدث أن جلب أحدهم عُبوة رذاذ فلفل. رشّوا رذاذ الفلفل على ابني أيمن (25 عاماً)، وكذلك على الناشطين الإسرائيليّين والأجانب الذين كانوا يأتون كي يُحاولوا مُساعدتنا. حتى الناشطين تعرّضوا للاعتداءات ولم يسلموا من أيدي المستوطنين.

توجّهنا إل مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ، وكذلك الإسرائيليّ، لكي يُساعدانا. ذات مرّة جاءت مركبة "جيب" عسكريّة وقال لي الجندي، باللّغة العبريّة: "لا تتّصل بي مرّة أخرى وإلّا فسوف أهدم لك جميع المنازل". لكمني عدّة مرّات على صدري، أخذ بتلابيبي وألصقني إلى "الجيب"، ثمّ غادر. وفي مرّة أخرى جاءت الشرطة وقال لي أحد العناصر: "أين أوراق المُلكيّة على الأرض؟". عندما نظر في الأوراق قال لي: "هذه منطقة C. لا أستطيع أن أتّخذ أيّ إجراء بحقّ المستوطن. لا أستطيع أن أمنعه من الدّخول إلى هُنا، وأنت أيضاً يُحظر عليك منعُه". قلت له إنّهم يدخلون مع مواشيهم إلى منازلنا فكان ردّه: "دعْه يفعل. لا يحقّ لك أن تمنعه فهذه أرض إسرائيل. اذهب إلى الكويت أو الأردن أو سيناء. هذه أرض إسرائيل". قلت له إنّه يضربنا ويشتمنا فقال لي "قدّم شكوى. ممنوع أن تمدّ يدك عليه. سوف أعتقلك إذا مددت يدك إلى أيّ مستوطن".

قال لي أحد الجنود: "لا تتّصل بي مرّة أخرى وإلّا فسوف أهدم لك جميع المنازل". لكمني عدّة مرّات على صدري، أخذ بتلابيبي وألصقني إلى "الجيب"، ثمّ غادر. وفي مرّة أخرى جاءت الشرطة وقال لي أحد العناصر: "أين أوراق المُلكيّة على الأرض؟". عندما نظر في الأوراق قال لي: "هذه منطقة C. لا أستطيع أن أتّخذ أيّ إجراء بحقّ المستوطن. لا أستطيع أن أمنعه من الدّخول إلى هُنا، وأنت أيضاً يُحظر عليك منعُه".

قدّمنا عدّة مرّات شكاوى لدى محطّة شرطة "بنيامين"، أنا وآخرون من الأهالي، وقدّمنا تسجيلات وفرها الناشطون الإسرائيليّون. قالوا لنا إنّهم سوف يعتقلون المستوطنين ويُعاقبونهم، لكنّهم لم يفعلوا ذلك بل على العكس: بعد أن قدّمنا الشكوى اكتشفنا أنّ المستوطنين صاروا يعرفون أسماءنا جميعاً، يصرخون بنا قائلين إنّنا من بيت لحم، ينادون ولديّ أيمن ومحمد (16 عاماً) بالاسم؛ وأحياناً ينادوننا "عراعرة" وأحياناً أخرى "كعابنة"، فقط لكي يُظهروا لنا أنّهم يعرفون عنّا كلّ شيء. أمّا الجيش فقد كان يأتي بعد انتهاء الهجوم بساعة أو ساعتين ولا يفعل شيئاً. توقّفنا عن الاتصال بهم لأنّهم يتعاونون مع المستوطنين، يُساندونهم ويوفّرون لهُم الحماية.

في بداية شهر آذار 2026 أخرجنا النساء والأطفال من التجمّع ونقلناهُم إلى منزل في دوما، كي نُبعدهم عن الخطر وعلى أمل أن يُسهّل ذلك علينا مواجهة الوضع. واصل المستوطنون المجيء إلينا، يأكلون ويشربون أمام أنظارنا عمداً، لأنّنا كنّا صائمين في رمضان. في 2.3.26، حين أصدر الجيش أمراً يُعلن الأراضي التي نقيم عليها "منطقة عسكريّة مُغلقة" يُحظر تواجُد الناشطين الإسرائيليّين والأجانب فيها، فهمنا أن الأزمة في طريقها إلى التفاقم أكثر فأكثر.

بعد ذلك ببضعة أيّام صار المستوطنون يقطعون الأشجار ويقصّون الأسيجة التي حول المنازل. كنت في أحد المنازل مع عدد من الأهالي والناشطين الإسرائيليّين. اتّصلت بشرطة إسرائيل لأنّ المستوطنين كانوا يدقّون الأبواب ويُحاولون اقتحام المنزل عبر النافذة. قال لي الشرطيّ الذي ردّ عليّ: "سآتي إلى المكان، وإن وجدت هناك ناشطين فسوف أعتقلهم". في تلك اللّحظة فهمت أنّنا قد وصلنا النهاية. حين ابتعد المستوطنون قليلاً فتحنا الباب، ركضنا إلى سيّارة الناشطين وغادرنا المكان.

كان لدينا أمل أن نعود بعد شهر، عندما تنتهي صلاحيّة الأمر العسكريّ المذكور، لكنّهم مدّدوه لسنة أخرى. فقط بعد مضيّ عدّة أيّام تمكّن الناشطون من تحصيل تنسيق يُسمح لنا بموجبه بالمكوث لمدّة ثلاث ساعات فقط لكي نُخرج ملابسنا ومتاعنا. جئت إلى التجمّع مع أبنائي وعدد من الأهالي والأصدقاء.

كانوا قد خطّوا على الجُدران شعارات مُعادية، مثل "الموت للعرب". الأبواب كانت محطّمة، كلبة ولدت جراءها داخل منزلي، كلّ شيء كان مدمّراً ومبعثراً على الأرض. [...]. جميع المعدّات وأدوات العمل سُرقت. مزقوا الملابس وألقوها على الأرض. سرقوا أيضاً عُبوات غاز الطبخ، الأفران والمواقد، المراحيض المتنقّلة، خزّانات المياه، زوايا الحديد والأسيجة الشائكة. 

المنظر الذي تبدّى لنا كان مروّعاً. وقفت هناك أحاول أن أحبس دُموعي. كانوا قد خطّوا على الجُدران شعارات مُعادية، مثل "الموت للعرب". الأبواب كانت محطّمة، كلبة ولدت جراءها داخل منزلي، كلّ شيء كان مدمّراً ومبعثراً على الأرض. حتى المرآة كسروها. جميع المعدّات وأدوات العمل سُرقت. مزقوا الملابس وألقوها على الأرض. سرقوا أيضاً عُبوات غاز الطبخ، الأفران والمواقد، المراحيض المتنقّلة، خزّانات المياه، زوايا الحديد والأسيجة الشائكة. فككوا التخشيبة التي تسكن فيها زوجتي نوفة (47 عاماً) وألقوها على الأرض. مأساة بكلّ معنى الكلمة.

اضطررت إلى استئجار منزل قيد البناء، ما زال هيكلاً من الإسمنت بعد، توقّفوا عن إتمام بنائه بموجب أمر وقف عمل من الإدارة المدنيّة، أصدروه بحجّة أنّ البناء تمّ بدون ترخيص في المنطقة C. كان الطقس بارداً جدّاً والمنزل بدون نوافذ، بدون بلاط ولا مراحيض أو كهرباء أو ماء. أنا وزوجتاي وأولادنا كنّا نرتجف من البرد. كلّنا ملتفّ ببطانيّات في محاولة للاستدفاء. لم أشعر بمثل ذلك البرد في حياتي من قبل. كان الناشطون يجلبون لنا معهم حطباً للتدفئة من إسرائيل، لأنّ المستوطنين سرقوا مدافئ الغاز والنفط أيضًا، كما سرقوا مدافئ الحطب التي كنّا نستخدمها في التجمّع. تجمّعنا كلّنا في ثلاث غرف بما في ذلك المطبخ، ولم يكن في المنزل سوى باب واحد، هو الباب الرئيسيّ. لاحقاً، اضطررت إلى استئجار الطابق الثاني أيضاً لزوجتي الثانية، أسمهان نجوم (36 عاماً)، والطابق الثالث لابني أيمن وابنتيه وزوجته انتصار (21 عاماً). كان بدل إيجار كلّ طابق 600 شيكل. الشقق كلّها كانت متشابهة لناحية أنّ وضعها صعب وغير صالحة لسكنى البشر.

نحن نعيش منذ حوالي سنة بدون عمل ودون مصدر رزق نعتاش منه. أردت أن أبيع أغنامي لكنّ أبنائي رفضوا ذلك. قالوا لي "لا تبعْها. ممّ ستعيش؟" لكنّني من جهة أخرى لا أستطيع أن أحتفظ هنا بالأغنام. لا يوجد مكان، والمستوطنون يأتون إلى هنا أيضاً ويتجوّلون على "تراكتورونات". يأتون حتى المنزل ويتوقّفون قبالته. في إحدى المرّات قال لي أحد المستوطنين: "ضيف الله، أنت هنا؟". قلت له "نعم، استأجرت هذا المنزل كلّه من شدّة حُزني". ضحك وقال: "هي وقت مسألة وقت، لا أكثر". كان يأتي إلينا عدّة مرّات في الأسبوع الواحد. ويوجد مستوطن آخر يأتي إلى المنزل مع أبقاره. بمجرّد وصوله يدخل أبنائي إلى المنزل ويقفلون الأبواب، لأنّني لا أريد مشاكل. يرعى المستوطنون أبقارهم في أراضي الآخرين. نحن نعيش في حالة حرب حقيقية.

ذات مرة كنت أعيش في منزلي وعلى أرضي، بجانب إخوتي وأولادنا وبقيّة العائلة. أمّا اليوم فقد تشتّت شملنا. لي أخ بقي في دوما ولكن في ناحية أخرى من القرية، وأخي الثاني انتقل إلى منطقة سلفيت. أولادهما أيضاً تفرّقوا كلّ في جهة. هُنا لا أشعر أنّني في البيت. نحن بدو، معتادون على الحياة في الخلاء حيث الهدوء. لا أقدر على العيش مع أناس لا أعرفهم. قد يتأقلم أولادي ويعتادون حياة القرية، أمّا أنا وزوجتي فقد كبرنا على ذلك. نحن لسنا معتادين على هذه الحياة. لقد اقتلعونا من جذورنا مثلما يقتلعون نبتة من أرضها ويُلقونها في مهبّ الرّيح.

  • هذه الإفادة سجلتها باحثة بتسيلم الميدانية سلمى الدبعي في 4.6.26