The Elimination Project

سمير بني فضل (40 عامًا)، أب لستة، من سكان تجمع الطوايل، تحدث عن اعتداء مستوطنين عليه وعلى ابنه، عن اعتقاله وتهجير عائلته من المكان

كنت أقيم مع عائلتي في خربة الطوايل وكنّا نعتمد في معيشتنا على تربية الأغنام؛ لدينا أيضًا منزل آخر في بلدة عقربا، لكن لا توجد في القرية إمكانيّة لتربية الأغنام. في الشتاء كنا ننتقل مع المواشي إلى منطقة عين السخن، لتوفر المياه الساخنة هناك، لكن المستوطنين الذين أقاموا بؤرة استيطانية في المنطقة طردونا من هناك منذ عام 2024.

الصورة
سمير بني فضل. تصوير: سلمى الدّبعي, بتسيلم
سمير بني فضل. تصوير: سلمى الدّبعي, بتسيلم

حاولت أن أدافع عن ابني، لكنّ المستوطن - الذي أعرفه جيّداً - أطلق رصاصتين في الهواء من سلاحه الرشّاش لكي يُرهبني؛ وأيضاً شتمني بألفاظ نابية وهدّد أن يُطلق النار عليّ. كنت أرى [ابني] جواد بين أيدي المستوطنين يصرخ ويستغيث، وأنا عاجز عن فعل أيّ شيء. 

في يوم الثلاثاء المُوافق 17.3.26، نحو السّاعة 9:30 صباحاً، خرجت مع ابني جواد (15 عاماً) كي نرعى مواشينا - قطيع يعدّ قرابة 170 رأساً من الأغنام - في منطقة خربة الطوايل. بعد أن قطعنا بالكاد مسافة 300 متر اتّجه نحونا مستوطن على "تراكتورون"، وكان مسلّحاً برشّاش. من بعده، جاء أربعة مستوطنين آخرين راجلين، اثنان منهم كانا مسلّحَين ببندقيّتين طويلتين. قال لي أحدهما: "هُنا ممنوع". أجبته: "في كلّ يوم تمنعنا من الوُصول إلى منطقة أخرى، إلى أين أذهب؟"، ثمّ استدرت لكي أغادر المكان لأنّني لا أريد أن أتورّط مع المستوطنين. ولكن في تلك اللّحظة هجم المستوطنون الأربعة الذين أتوا راجلين على ابني جواد، الذي كان على خلفي على بُعد نحو خمسة أمتار منّي. ضربوه بالسّلاح على رأسه وأوقعوه أرضاً ثمّ واصلوا ضربه بأرجلهم وأسلحتهم.

حاولت أن أدافع عن ابني، لكنّ المستوطن - الذي أعرفه جيّداً - أطلق رصاصتين في الهواء من سلاحه الرشّاش لكي يُرهبني؛ وأيضاً شتمني بألفاظ نابية وهدّد أن يُطلق النار عليّ. كنت أرى [ابني] جواد بين أيدي المستوطنين يصرخ ويستغيث، وأنا عاجز عن فعل أيّ شيء. كان قلبي يتمزّق ولكن خفت أن يُطلقوا النار عليّ. من الجنون أن أهاجم مستوطنين مسلّحين.

كان جواد جريحاً والدّم يُغطّي وجهه ويديه. أجابني المستوطن بلهجة تهكّم: "ماذا، هل تظنّ نفسك صديقي؟". قلت له: "لا أرغب أبداً أن أكون صديقك. ألا ترى أنّه جريح؟ أريد سيّارة إسعاف". أجابني: "فليمُت ابنُك، هذا لا يهمّني".

لم يتركنا المستوطنون إلّا عندما أتى عدد من الأهالي إلى المكان. كذلك أتى مسؤول الأمن في مستوطنة "جيتيت" وأخذ يصوّر المستوطنين كأنّما هُم الضحايا. قلت له: "لماذا لا تصوّر ابني؟". كان جواد جريحاً والدّم يُغطّي وجهه ويديه. أجابني المستوطن بلهجة تهكّم: "ماذا، هل تظنّ نفسك صديقي؟". قلت له: "لا أرغب أبداً أن أكون صديقك. ألا ترى أنّه جريح؟ أريد سيّارة إسعاف". أجابني: "فليمُت ابنُك، هذا لا يهمّني".

أخذ مسؤول الأمن بطاقة هويّتي واحتجزها حتى وصل الجيش، بعد خمس دقائق تقريباً. قيّد الجنود يديّ وعصبوا عينيّ فوراً، دون أن يسألوا أو يستفسروا عن أيّ شيء. كان المستوطنون قد قصّوا عليهم رواية كاذبة تماماً. حاول الجنود أن يأخذوني إلى إحدى مركبات "الجيب" العسكريّة لكنّني رفضت التحرّك حتى تأتي سيّارة إسعاف. قلت لهم: "لن أتحرّك حتى يتلقّى ابني العلاج". بعد نحو عشر دقائق جاءت سيّارة إسعاف إسرائيليّة ولفّ المُسعفون رأس ابني جواد بضمادات. بعد ذلك أخذني الجنود إلى "الجيب" العسكريّ ونقلوني إلى مستوطنة "مجدليم" ومن ثمّ إلى معسكر الجيش في زعترة، عند مفترق "تبوح".

في المساء حققوا معي في شرطة "أريئيل" فاتّضح لي أنّهم يتّهمونني بأنّني اختطفت سلاح أحد المستوطنين وضربته على صدره ورأسه. أنكرت ذلك. كانت المحقّقة تتحدّث العربيّة جيّداً. قالت لي: "أنت تكذب". قلت لها "أنا لا أكذب". كرّرت قولها: "أنت تكذب". قلت لها: "من غير اللّائق أن تتحدّثي معي هكذا. أنا في سنّ الـ39 عاماً ولم أكذب في حياتي كلّها". كلامي هذا اعتبرته المحقّقة وقاحة وكتبتْ في محضر التحقيق أنّني تواقحتُ معها.

صرختْ عليّ قائلة: "سأجلب إلى هُنا ابنك وزوجتك". قلت لها: "اجلبيهم". سألتني: "وماذا لو قالا شيئاً آخر؟". قلت لها: "إذا فعلوا، اعتقليهما". بعد ذلك قالتْ لشرطيّ كان في غرفة التحقيق أنّ "رأسي يابس" وأنّني أريد منها أن تجلب ابني وزوجتي. قلت لها: "ماذا تُريدينني أن أقول؟ أن اعترف بأفعال لم أقم بها كي تهدمي منزلي وتُدخليني إلى السّجن لسنوات؟ لن أقول أنّني فعلت شيئاً لم أفعله في الواقع. هذا ما لديّ لأقوله، وليست لديّ أقوال أخرى".

في المساء حققوا معي في شرطة "أريئيل" فاتّضح لي أنّهم يتّهمونني بأنّني اختطفت سلاح أحد المستوطنين وضربته على صدره ورأسه. أنكرت ذلك. كانت المحقّقة تتحدّث العربيّة جيّداً. قالت لي: "أنت تكذب". قلت لها "أنا لا أكذب". كرّرت قولها: "أنت تكذب". 

سألتني: "إذن، لماذا أُطلقَتْ رصاصتين؟". قلت لي: "أنت لا تعرفين أنّ المستوطن هو الذي أطلق الرّصاص نحونا؟". قالت لي: "ربّما أخفتُموه". قلت لها: "لديه سلاح كبير ويُمكنه أن يقتلني ويقتل ابني وعشرين آخرين، وأنت تقولين إنّنا قد أخفناه؟ نحن لم نفعل شيئاً، هُم الذين أتوا إلينا. أرادوا أن يسرقوا أغنامنا، أن يضربونا ويأخذوا أكبر عدد من الأغنام، لكنّهم فشلوا في ذلك لأنّ الأهالي هرعوا إلى المكان".

استمرّ التحقيق نحو نصف سّاعة، ثمّ نقلوني إلى زنزانة في المُعتقل. نحو السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل نقلوني إلى سجن "عوفر"، وهناك بدأ العذاب الحقيقيّ. منذ لحظة دُخولي جرّدوني من ملابسي كلّها، لم يُبقوا على جسمي قطعة واحدة. حلقوا شاربي وذقني وشعر رأسي بشكل مشوّه عمداً بقصد إذلالي. شتموني وأهانوني وضربوني.

بعد ذلك أدخلوني إلى الزنزانة. في الزنازين، كانوا في وقت العدّ يصرخون بنا وعندئذٍ علينا جميعاً أن ننبطح فوراً على أرضيّة الغرفة، ووجوهُنا نحو الأرض، داخل منطقة محدّدة بخطّ أصفر مرسومة على الأرض طولها 2.00م وعرضُها 1.20م. كان علينا جميعاً أن نحشر أنفسنا داخل هذه المنطقة. إذا خرجت رجْل أحد المعتقلين عن الخطّ كانوا يضربونه بعُنف، وإذا تأخّر أحدهم عن الوُصول إلى داخل الخطّ كانوا يضربونه. شاهدتهم يضربون بقسوة شخصاً من بيت لحم يبلغ من العُمر 67 عاماً وتصعّب في السّير، فقط لأنّ رجليه كانتا خارج الخطّ. لقد عانى جرّاء الضرب طوال عدّة أيّام.

ناداني أحد الضبّاط وقال لي: "من الأفضل لك أن لا ترجع إلى منطقة الطوايل لأنّنا لسنا مسؤولين عمّا سيحدث لك" [...] لا ترجع. قد يؤذي المستوطنون أولادك أو أغنامك أو أنت نفسك".

في اليوم الـ12 تقريباً في سجن "عوفر" ناداني أحد الضبّاط وقال لي: "من الأفضل لك أن لا ترجع إلى منطقة الطوايل لأنّنا لسنا مسؤولين عمّا سيحدث لك". قلت لهم: "أريد أن أعود إلى منزلي". قال لي: "أنا أقول هذا لمصلحتك. لا ترجع. قد يؤذي المستوطنون أولادك أو أغنامك أو أنت نفسك".

بقيت في سجن "عوفر" مدّة 13 يوماً تقريباً. مثلت أمام المحكمة في اليوم الخامس واليوم التاسع واليوم الثالث عشر، وفي النهاية أطلقوا سراحي لقاء كفالة ماليّة بقيمة 5,500 شيكل. إضافة إلى هذا المبلغ دفعت 2,500 شيكل أتعاب محامٍ. عندما رجعت إلى منزلي عرّجت على عقربا أوّلاً فاتّضح لي أنّ زوجتي والأولاد والأغنام قد رحلوا عن منطقة الطوايل إثرَ الهجوم علينا وانتقلوا إلى منزلنا في عقربا. أنا كنت في السّجن وجواد كان جريحاً، ولم تستطع زوجتي أن تبقى وحدها في المكان وسط هذا الخطر.

بعد إخلاء سبيلي قال لي شخص من أهالي الطوايل إنّ المستوطنين أتوا إلى حيث أقيم وسألوا عنّي، وحين قال لهُم الأهالي إنّني في السّجن أجابهُم المستوطنون: "كلا، لقد أخلوا سبيله اليوم". وقالوا لشخص آخر: "إذا سبّبتم مشاكل، فسنفعل بكُم مثلما فعلنا بسمير".

منذ ذلك الحين لم أعُد إلى هُناك. بقيت في منزلي في عقربا، لكنّنا لا نستطيع أن نربّي الأغنام هنا. لا توجد مساحة كافية لإيواء الأغنام، ولذلك اضطررت إلى استئجار قطعة أرض مجاورة أضع فيها الأغنام، وهي أيضاً لا تكفي. أغنامي لا تخرج بعدُ إلى المرعى ولذلك فأنا مضطرّ إلى شراء الأعلاف والتبن لإطعامها كلّ يوم. أنا أخسر مالاً كلّ يوم. في هذه الفترة من السّنة تبلغ وفرة الكلأ في المراعي ذروتها وبالتالي لا حاجة لشراء الكثير من الطعام للأغنام، لكنّنا الآن ممنوعون من الوُصول إلى المراعي. المصائب تحيط بنا من كلّ الجهات، وبتنا لا نعرف ماذا نفعل بالأغنام.

  • هذه الإفادة سجلتها باحثة بتسيلم الميدانية سلمى الدبعي في 13.5.26