بسام نجار (62 عامًا)، أب لـ 11، من سكان بورين، تحدث عن فقر عائلته في أعقاب سحب ترخيص العمل في إسرائيل منه، بعد عشرات السنين
أنا متزوّج من امرأتين وأقيم في قرية بورين. ما زال ستّة من أولادي يُقيمون معنا وأنا أعيلهم: سديل (19 عامًا)، هديل (17 عامًا)، سيدرا (16 عامًا)، علي (15 عامًا)، صالح (9 سنوات) وميرنا ابنة الشهرين. أولادي الخمسة الآخرون متزوّجون ويُعيلون أسرَهُم. عملتُ في إسرائيل منذ أن كنتُ في الـ23 من عُمري، في شركات كثيرة، مثال شركة البناء "مجموعة برزاني". كنت مسؤولًا عن طلبيّات موادّ ومعدّات البناء: الحديد، الإسمنت وكلّ شيء، كما كنتُ مُديرًا على العمّال، وأشرفت عليهم. كنتُ أتقاضى 85 شيكلًا في السّاعة. في إحدى الشركات عملتُ مدّة 18 عامًا. كنتُ أحصل على تصريح دُخول لإسرائيل ساري المفعول لمدّة ستّة أشهُر، وكان يتمّ تجديده تلقائيًّا. كلّ شيء سار على ما يُرام حتّى اندلعت الحرب في غزّة في 7 تشرين الأوّل 2023، وكنتُ حينئذٍ في المنزل. منذ ذلك اليوم تغيّر كلّ شيء. فُرض إغلاق على الضفّة الغربيّة كلّها ولم أستطع الوُصول إلى مكان عملي في إسرائيل. توقّعتُ أن يكون الأمر مؤقّتًا وأن يستمرّ لفترة قصيرة، شهر على الأكثر، لكنّه ما زال مستمرًّا حتّى يومنا هذا. أتواصَل بشكل دائم مع مُشغّلي، وهو أيضًا يتّصل بي ليسألني عن أحوالي. وهو يأمل أن تنتهي الحرب، وفي كلّ مرّة يقول لي إنّنا سنعود للعمل خلال شهر أو شهرين.
كان لي في إسرائيل مكتب أضع فيه جميع المستندات المتعلّقة بالعمل، وكانت لي خزانة مليئة بأمتعتي الشخصيّة وحاجيّات العمل: مستندات وخرائط تخصّ ورشات البناء. أغلقتُ المكتب في يوم الخميس المُوافق 5.10.23 عند السّاعة 17:00، ولم أعُدْ إليه منذ ذلك الحين.
كنتُ أحصل على تصريح دُخول لإسرائيل ساري المفعول لمدّة ستّة أشهُر، وكان يتمّ تجديده تلقائيًّا. كلّ شيء سار على ما يُرام حتّى اندلعت الحرب في غزّة في 7 تشرين الأوّل 2023. منذ ذلك اليوم تغيّر كلّ شيء. فُرض إغلاق على الضفّة الغربيّة كلّها ولم أستطع الوُصول إلى مكان عملي في إسرائيل.
أعُدْ إليه منذ ذلك الحين.
بعد ذلك التاريخ فقدت كلّ شيء. أنا الآن عاطل عن العمل. أنتظر أن تنتهي الحرب كي أعود لمزاولة عملي كالسّابق، لكنّنا في هذه الأثناء نعاني ضائقة شديدة. لقد صرفت كلّ مدّخراتي وأنا اليوم مَدين للقصّاب ودكّان البقالة وجميع أصحاب الحوانيت في المنطقة. انتقلت لشراء لحم الحبش بدلاً من لحم العجل، لأنّه أرخص. أحاول أن أقتصد في الاستهلاك بكلّ الطرق، غير أنّ أسرتي كبيرة والمصاريف كثيرة. طفلتي ميرنا تحتاج إلى حليب أطفال اصطناعيّ بتكلفة 50 شيكلًا أسبوعيًّا، وحفّاضات بتكلفة 35 شيكلًا أسبوعيًّا. بتّ أخجل من صاحب الصيدليّة لكثرة الدّين الذي تراكم عليّ.
إضافة إلى ذلك، زوجتي الأولى، خلود خالد نجّار (57 عامًا)، مُصابة بمرض السكّري وتعاني من ارتفاع ضغط الدّم وتحتاج إلى علاج طبّي دائم. وزوجتي الثانية، ابتسام (41 عامًا)، أصيبت بالسكّري خلال حملها الأخير، كما تعاني من مشكلة في الغدّة الدرقيّة وتحتاج إلى عمليّة جراحيّة ومتابعة طبّيّة. هذه كلّها مصاريف كثيرة.
بتّ أخجل من صاحب الصيدليّة لكثرة الدّين الذي تراكم عليّ. إضافة إلى ذلك، زوجتي الأولى، خلود خالد نجّار، مُصابة بمرض السكّري وتعاني من ارتفاع ضغط الدّم وتحتاج إلى علاج طبّي دائم. وزوجتي الثانية، ابتسام، أصيبت بالسكّري خلال حملها الأخير، كما تعاني من مشكلة في الغدّة الدرقيّة وتحتاج إلى عمليّة جراحيّة ومتابعة طبّيّة. هذه كلّها مصاريف كثيرة.
ابنتي سديل تدرس في جامعة النجاح، طالبة سنة ثانية، ولا أعرف كيف سأسدّد قسطها الدراسيّ. أنا أتوق لنهاية هذه الحرب. قسط التعليم مُكلف - كلّ فصل يكلّفني 2,850 شيكلًا، إضافة إلى الكتب ولوازم القرطاسيّة وتكلفة المُواصلات إلى الجامعة والاحتياجات الأخرى. سديل تحتاج كلّ يوم إلى 50 شيكلًا تقريبًا بدل مُواصلات ومصاريف أخرى، وأنا لا أعرف ماذا أفعل لأنّني لا أملك أيّ مال. طلبت منها أن تتخلّى عن الفصل الصيفيّ وربّما أيضًا الفصل الأوّل في السنة القادمة، أي أن تؤجّل حاليًّا متابعة دراستها لأنّني لست متأكّدًا من قدرتي على دفع القسط الدراسيّ.
عندما كنت أعمل اعتدت أن أدعم حتى أولادي المتزوّجين. لديّ حفيدة ستتقدّم في هذه السنة لامتحانات التوجيهي، وبالتأكيد سوف تسجّل للدراسة في الجامعة في السنة القادمة، ولكن لا أعرف كيف سنتدبّر هذا الأمر، وماذا سأفعل حين يأتي دور أولادي الآخرين ليدخلوا الجامعات حين يكبرون، علمًا أنّ مصاريف مدارسهم كبيرة الآن أيضًا.
ولا أعرف كيف سأسدّد قسطها الدراسيّ [لابنتي سديل] [...]. كلّ فصل يكلّفني 2,850 شيكلًا، إضافة إلى الكتب ولوازم القرطاسيّة وتكلفة المُواصلات إلى الجامعة والاحتياجات الأخرى. سديل تحتاج كلّ يوم إلى 50 شيكلًا تقريبًا بدل مُواصلات ومصاريف أخرى [...]. طلبت منها أن تتخلّى عن الفصل الصيفيّ وربّما أيضًا الفصل الأوّل في السنة القادمة، أي أن تؤجّل حاليًّا متابعة دراستها.
بحثت عن عمل في مناطق مختلفة في الضفة الغربيّة ولم أعثر على أيّة فرصة، لأنّه لا أحد يعرفني في المنطقة، مهنيًّا أقصد. لقد عملت طوال حياتي في إسرائيل، وأنا خبير ولديّ تجربة كبيرة في مجال البناء، ولكن هذا لا يفيدني في شيء للأسف، لأنّه لا أحد ينظر إليّ، فهُم يتعاملون مع الأسماء التي يعرفونها في المنطقة. لا أحد يرغب في أن يعمل مع شخص لا يعرفه.
طلبت من أشخاص يعملون في مجال البناء أن يُساعدوني في العثور على عمل، لكنّهم جميعًا قالوا لي إنّ هذا سيكون صعبًا، فالناس لا يبدأون في هذه الفترة مشاريع جديدة بسبب الوضع، والجميع يخشون أيضًا أن تتدهور الأوضاع أكثر. أنا أخجل أن أطلب مخصّصات ماليّة من السلطة المحليّة لأنّني معروف كشخص ميسور الحال، حتى أنّني على مرّ السّنين كنت أدعم المحتاجين.
طلبت من أشخاص يعملون في مجال البناء أن يُساعدوني في العثور على عمل، لكنّهم جميعًا قالوا لي إنّ هذا سيكون صعبًا، فالناس لا يبدأون في هذه الفترة مشاريع جديدة بسبب الوضع، والجميع يخشون أيضًا أن تتدهور الأوضاع أكثر.
منذ شهرين تقريبًا استدنتُ من القصّاب لحومًا بقيمة 300 شيكل ولم أسدّد المبلغ بعد، والآن لا أعرف ماذا سأفعل. عُدت إليه وقلت له: "أنا لستُ مُحتالًا، لكنّني لا أملك المال"، فقبل أن أشتري مرّة أخرى بالدّين. اشتريت لحم حبش بمبلغ 200 شيكل، فقال لي "إذا احتجت تعال دون أيّ تردُّد فأنا أعلم أنّك شخص مُحترَم". خرجت من الدكّان وأنا أحبس دُموعي بصُعوبة. ما هذا الحال الذي انزلقت إليه؟ ماذا جرى لي، حتى متى سأبقى هكذا كلّما احتجت شيئًا أشتريه بالدّين؟ وضعي صعب لدرجة أنّ أمّي، رحمة النجّار (82 عامًا)، جلبت لي معها كيس أرزّ سعة 5 كغم كي أستطيع أن أُطعم أولادي.
الديون المتراكمة عليّ بلغت 40 ألف شيكل. آمل أن تعود الأمور إلى مجراها، كما كانت قبل السّابع من أكتوبر، فأعود بدوري لمُزاولة عملي. لا أستطيع أن أعثر على عمل آخر، فالوضع في الضفّة الغربيّة سيّئ جدًّا ولا توجد أيّة فُرص. أنا لا أجيد حتى العمل في الزراعة، إذ لم يسبق أن عملت في هذا المجال، ولا أملك أرضًا زراعيّة، لأنّ المستوطنين استولوا على الأراضي التي فلحها أبي وأجدادي طوال عشرات السّنين ثمّ ورثتها عنهم. منذ سنوات طويلة لا يمكنني الوُصول إلى تلك الأراضي سوى بتنسيق يتمّ فقط في موسم قطاف الزيتون. ومنذ أن اندلعت الحرب لم نصل إلى هناك بتاتًا، لأنّ المستوطنين يمنعوننا من ذلك. حاول الأهالي هُنا مرارًا وتكرارًا الوُصول إلى أراضيهم في هذه المنطقة، لكنّ المستوطنين هاجموهم وطردوهم في كلّ مرّة.
لا أملك أرضًا زراعيّة، لأنّ المستوطنين استولوا على الأراضي التي فلحها أبي وأجدادي طوال عشرات السّنين ثمّ ورثتها عنهم. منذ سنوات طويلة لا يمكنني الوُصول إلى تلك الأراضي سوى بتنسيق يتمّ فقط في موسم قطاف الزيتون. ومنذ أن اندلعت الحرب لم نصل إلى هناك بتاتًا، لأنّ المستوطنين يمنعوننا من ذلك.
حاولت أن أربّي النحل، وما زلت. بنيت 3 خلايا ولا أزال أتعلّم الموضوع من أشرطة مسجّلة على "يوتيوب". لا أملك أيّة تجربة في هذا المجال لكنّني أحاول. لا يوجد خيار آخر لديّ. أنا أحاول تدبّر معيشتي وإعالة أسرتي.
الكثير من العمّال يتسلّلون إلى داخل إسرائيل في ظروف غاية في الخطورة. أنا أصبحت كهلًا ولا أستطيع تسلّق جدار الفصل أو الرّكض وكلّ هذه الأمور. ولكنّ أولادي يذهبون إلى هُناك.
اثنان من أولادي يُعيل كلٌّ منهما ثلاثة أطفال، وكلاهُما كان يعمل في إسرائيل قبل الحرب وفقد عمله مع اندلاع الحرب. اليوم يتسلّل الاثنان إلى داخل إسرائيل دون تصريح وفي ظروف شديدة الخطورة. أثناء وُجودهما هناك أظلّ خائفًا وقلقًا عليهما طوال الوقت. حاولت ثنيهما عن الذهاب، لكنّهما قالا لي: "اهتمّ إذًا بإعالة أطفالنا. أعطنا مالًا"، فما كان منّي إلّا أن صمتّ. ماذا كان بوُسعي أن أقول لهما؟ أنا لا أملك حلًّا ولا أملك حتّى قرشًا واحدًا.
اثنان من أولادي يُعيل كلٌّ منهما ثلاثة أطفال، وكلاهُما كان يعمل في إسرائيل قبل الحرب وفقد عمله مع اندلاع الحرب. اليوم يتسلّل الاثنان إلى داخل إسرائيل دون تصريح وفي ظروف شديدة الخطورة. أثناء وُجودهما هناك أظلّ خائفًا وقلقًا عليهما طوال الوقت. حاولت ثنيهما عن الذهاب، لكنّهما قالا لي: "اهتمّ إذًا بإعالة أطفالنا. أعطنا مالًا".
وكما قال المثل: "شو أجْبرك عَ المُرّ؟ قال: اللّي أمَرّ مِنُّو".
عندما شاهدت شاحنة القمامة التي اكتظّ فيها عشرات العمّال في محاولة لدُخول إسرائيل والعمل هُناك شعرت بحُزن كبير على العمّال وما يجري لهُم. لا أحد يسأل عنّا أو يهتمّ لأمرنا. سمعت أنّ المجلس يوزّع مُساعدات ومبالغ ماليّة صغيرة جُمعت من السكّان، نحو 700 شيكل لكلّ عامل، ولكن أنا لم أتلقّ شيئًا، وكذلك أولادي. هُم يخاطرون بحياتهم ويتسلّلون إلى إسرائيل لأجل كسب ما يكفي لسدّ الرّمق وسداد التزاماتهم. منازلهم التي بنوها ما زالوا يسدّدون أقساطها، ولديهم أطفال صغار وعائلات تحتاج مصروفًا كبيرًا.
جاري كان يعمل قبل الحرب في إسرائيل بتصريح، مثلي، وهو أيضًا فقد عمله منذ اندلاع الحرب. قبل بضعة أشهر أصيب في رجله وهو يحاول القفز من فوق جدار الفصل. نزف بشدّة ونجا بأعجوبة. بعد أن تحسّن وضعه عاود مجدّدًا محاولة التسلّل إلى إسرائيل. قلتُ له: "أنت مجنون! كيف تعود إلى هناك؟ لقد نجوتَ مرّة واحدة فهل تظنّ أنّك ستنجو في كلّ مرّة؟"، فأجابني قائلًا: "ماذا أفعل؟ من سيُطعم أولادي؟". أنا أفهمه، هو مُجبر على العمل. لو كنت أكثر شبابًا لحاولت الدّخول بدون تصريح، لأنّ المخاطر مهما كانت لن تفوق صعوبة البقاء في البيت والاستدانة كلّ مرّة من دكّان آخر.
ابنتي آيات متزوّجة من سائد حسّونة وقد رُزقا ثلاثة أولاد. قبل 45 يومًا اعتُقل سائد في إسرائيل، إذ قُبض عليه بدون تصريح عمل، ومنذ ذلك الحين لم نسمع عنه شيئًا. عند إخلاء سبيله سوف يضطرّ إلى دفع غرامة ماليّة، وربّما ستكون لذلك تبعات إضافيّة لا يتحمّل وزرها سوى هؤلاء العمّال البؤساء.
- هذه الإفادة سجلتها باحثة بتسيلم الميدانية سلمى الدبعي في 7.5.26