أصواتٌ من غزّة

شريف الكفارنة

الصورة
שריף אל-כפארנה. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 6.3.24.

31 عامًا، أب لأربعة من بيت حانون، يتحدّث عن ابنه يزن (10 أعوام) الذي كان يعاني من الوَهَن العضليّ واحتضر متضوِّرًا جوعًا ووجعًا حتّى الموت خلال الحرب، بسبب انعدام الغذاء والعلاج الملائمين:

عندما اندلعت الحرب كنتُ أسكن أنا وزوجتي مروة (31 عامًا) وأطفالنا الثلاثة، يزن (10 أعوام) ومعين (8 أعوام) وأيل (4 أعوام) في منزلنا في بيت حانون شمال القطاع. ولد يزن وهو يعاني من الوهَن العضليّ وخضع للعلاجات في مستشفيات في غزّة والقدس أيضًا. في السنوات الأربع الأخيرة تلقّى العلاج الطبيعيّ (فيزيوثيرابي) وحافظنا على نظام غذائيّ خاصّ له، وهو ما أتاح له أن يعيش حياة عاديّة. تلقّى أدوية لتقوية العضلات، وحُقنًا لتحسين الأداء، وفيتامينات وكالسيوم، وكان قادرًا على الحركة بشكل طبيعيّ.

في بداية الحرب انتقلنا إلى مخيّم جباليا للاجئين وبقينا هناك لمدّة ثمانية أيّام. كنّا ما زلنا قادرين حينذاك على أن نوفّر ليزن النظام الغذائيّ الذي يحتاج إليه، والذي يشمل الفواكه، وخاصّة الموز، والبيض والحليب والخضار واللحوم – بالقدر الذي استطعتُ أن أتحمّله.

في 13.10.23 أمرنا الجيش بالنزوح جنوبًا. انتقلنا في البداية إلى مخيّم النصيرات للاجئين، وسط القطاع. وصلنا إلى مخيّم للمُهجَّرين، لكنّنا لم نمكث فيه سوى يوم واحد فقط، بسبب الاكتظاظ. كنت أخشى أن يُصاب أطفالي، أو زوجتي التي كانت حاملًا، بالأمراض. فانتقلنا إلى مخيّم للمُهجَّرين في إحدى المدارس في دير البلح. كان مكتظًّا هو أيضًا، حيث كان هناك 54 شخصًا في داخل غرفة صفّ واحدة، وكان الطقس باردًا جدًّا أيضًا لأنّ المدرسة تقع على شاطئ البحر. بقينا هناك 130 يومًا، وفي 23.10.23 أنجبت زوجتي ابننا محمّد هناك. كانت تلك 130 يومًا من المعاناة.

لم نستطع أن نوفّر ليزن الغذاء الذي يحتاج إليه – لا البيض ولا الفواكه ولا الخضار. لم تكن متوفّرة هناك تقريبًا، ولم نستطع تحمّل تكلفة ما كان هناك منها. لم يصل الكثير من المساعدات إلى هناك، وكانوا يوزّعون المعلّبات والحبوب في الأساس، وعدا ذلك كان لدينا خبز وشاي، بشكل أساسيّ. في الظهيرة كنّا نعدّ له عصيدة السميد، ولأنّه كان من المستحيل الحصول على الحليب الطازج أيضًا، استخدمنا مسحوق الحليب. أحيانًا كنتُ أسافر حتّى رفح للبحث له عن السميد، وعندما لم أتمكّن من العثور عليه كنتُ اشتري له الحلاوة. كما لم نتمكّن من الحصول على الأدوية التي كان يتلقّاها قبل الحرب، وبالطبع لم يتلقّ العلاج الطبيعيّ أيضًا. لم يكن هناك ماء أو كهرباء وكان المكان متّسخًا. وبسبب سوء التغذية فقد عانى جميع أطفالنا من عسر الهضم.

شعرنا بأنّ صحّة يزن تتدهور. كان يشعر بآلام شديدة، ولا ينام في الليل ولا في النهار. أخذتُه إلى مستشفى شهداء الأقصى وقال الطبيب إنّه لا يوجد علاج وإنّ عليه أن يحصل على طعام يناسبه. بالإضافة إلى ذلك، عانى يزن من التهاب في الصدر وكان بحاجة إلى مضادّ حيويّ (سيكلور)، لكنّه لم يكن متوفّرًا في الصيدليّات. أخذتْ حالته تتدهور.

الصورة
يزن الكفارنة قبل الحرب وقُبيل وفاته. الصورتان قدمتهما العائلة مشكورة.
يزن الكفارنة قبل الحرب وقُبيل وفاته. الصورتان قدمتهما العائلة مشكورة.

يزن، الذي كان وزنه 15 كيلوغرامًا قبل الحرب، فقد وزنه بسرعة. قبل 35 يومًا قرّرنا الانتقال إلى رفح على أمل أن نتمكّن من العثور له على أدوية وطعام صحّيّ أكثر هنا وكذلك على بيئة أنظف. انتقلنا إلى مدرسة أخرى أصبحت مخيّمًا للمهجَّرين ونحن نقيم هنا في الممرّ، في الطابق الثالث. إنّه ممرّ مُشرَع للريح، ويوجد هنا ما يشبه خيمة من بطانيّات. كلّ ما لدينا هو ثلاث فرشات وبعض البطانيّات.

لكن حتّى في رفح لم نتمكّن من الحصول على أدوية أو طعام مناسب ليزن، واستمرّت حالته في التدهور. أخذتُه إلى مستشفى أبو يوسف النجّار وبعد أن فحصه الأطبّاء قالوا إنّه يجب أن ندخله إلى المستشفى بسبب سوء التغذية وفقدان الوزن الحادّ، كما كان يعاني من تراكم البلغم في صدره. أعطوه محاليل غذائيّة عبر الوريد وأوصلوه بجهازي استنشاق وأوكسجين. لكنّ حالته استمرّت في التدهور.

في 2.3.23 أحضرت له ملابس نظيفة وعندما بدّلنا له ملابسه نظرتُ إليه وتألمتُ ألمًا شديدًا. لم يبقَ منه إلّا الجلد والعظم. انخفض وزنه إلى النصف.

في تاريخ 3.3.23، الساعة 4:00 فجرًا، اتّصلت بي زوجتي وأبلغتني بأنّ يزن قد تُوفّي. ذهبتُ على الفور إلى المستشفى. حضنتُه.

دفنّا يزن في اليوم نفسه هنا في المقبرة في رفح. خسارته فظيعة. أنظر إلى الفرشة التي كان ينام عليها هنا حتّى دخوله إلى المستشفى ولا أشعر إلّا بالأسى والحزن العميق. حاولتُ دائمًا أن أوفّر ليزن كلّ شيء يحتاج إليه وأن أعتني به، لكنّ الظروف هنا صعبة جدًّا الآن لدرجة أنّه لم يعد لديّ ما أقدّمه له. قتله الجوع الفتّاك الذي يسود هنا الآن.
 

* التشخيص الطبي الدقيق للحالة غير معروف لبتسيلم.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 6.3.24.