أصواتٌ من غزّة

صفاء الغندور

(31 عامًا)، أمّ لطفلين وحامل في الشهر السابع، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تتحدّث عن الخوف والتجويع والتهجير، وعن شقيقها المفقود منذ أشهر

الصورة
بسام العجوري، والد صفاء، وطفلاها زهير ووفاء. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.
بسام العجوري، والد صفاء، وطفلاها زهير ووفاء. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.

في 7 تشرين الأوّل، قبل عام ونيّف، سمعتُ في ساعات الصباح أصوات انفجارات بينما كنتُ أجهّز طفلَيَّ زهير (11 عامًا) ووفاء (10 أعوام) للذهاب إلى المدرسة. فخفتُ ولم أرسلهما إلى المدرسة. وفي وقت لاحق فقط بدأتُ أسمع من الجيران أنّ حماس هاجمت بلدات في إسرائيل. تابعنا الأخبار وفهمنا أنّه من المتوقّع أن تندلع حرب وأنّ الأيّام القادمة ستكون صعبة.

بعد يومين- ثلاثة أيّام أمر الجيش سكّان شمال القطاع بالنزوح إلى الجنوب. فقرّرتُ أنا وزوجي البقاء في منزلنا لأنّه لم يكن لدينا مكان آخر نذهب إليه. وليس لدينا أقارب يمكنهم استضافتنا في جنوب القطاع. وشعرنا أيضًا بأنّ كلّ الأماكن خطيرة وليس هناك أيّ مكان آمن. رأينا أنّ السكّان الآخرين بدأوا بالانتقال جنوبًا.

اشتدّت عمليّات القصف بالطائرات الحربيّة والقصف المدفعيّ، وسقطت الصواريخ والقذائف قرب منزلنا. وكان هناك قتلى وجرحى في كلّ مكان. وكنّا نسمع طوال الوقت دويّ انفجارات من حولنا، ومرّت علينا أيّام من الخوف والرعب. أصعب الهجمات كانت هنا في مخيّم جباليا. كان هناك قتلى في كلّ مكان. وفي مرحلة معيّنة تمّ قصف منزل جيراننا، الذي كان على بُعد نحو 10 أمتار عن منزلنا. في ذلك الوقت كنّا 15 شخصًا في المنزل، بسبب قدوم المزيد من أفراد العائلة إلينا. تطايرت شظايا البناء والزجاج فوق منزلنا وتغلغلت إلى داخله، ومعها أشلاء جثث أيضًا. كان الأطفال خائفين جدًّا وأخذوا يصرخون، فحاولتُ تهدئتهم.

شيئًا فشيئًا بدأنا نعاني من نقص في الغذاء والماء، وقد تفاقم الوضع حتّى وصلنا إلى حالة من المجاعة الفعليّة. لم يكن لدينا ما نأكله، لا نحن ولا بقيّة الناس في شمال القطاع، لأنّ الجيش الإسرائيليّ فرض حصارًا على المنطقة. كما لم يكن لدينا كهرباء منذ بداية الحرب، وقمنا بشحن بطاريّات الهواتف والمصابيح لدى الجيران مقابل دفع خمسة شواقل عن كلّ مصباح وشاقلين عن كلّ هاتف.

انقطعت إمدادات المياه ولم يكن من الممكن الحصول على مياه صالحة للشرب إلّا عند وصول حاويات المياه إلى منطقتنا أو إلى محطّات تعبئة المياه، على بُعد ساعة سيرًا على الأقدام عن المنزل. في بعض الأحيان كان الأطفال يساعدوننا ويذهبون إلى هناك لملء المياه. وفي بعض الأحيان كنّا مضطرّين إلى شرب مياه غير صالحة للشرب. لم يكن هناك طعام طازج على الإطلاق: خضروات، فواكه أو منتجات لحوم. لم يعد هناك طحين أيضًا. اضطررتُ إلى طحن خليط من الحبوب المخصّصة للماشية والدواجن لكي أخبز أرغفة. بدأ طفلاي يعانيان من التهابات معويّة وآلام في البطن. لم يعد هناك غاز أيضًا، وحتّى الآن لا يوجد غاز هنا. نحن نشعل المواقد لكي نطبخ.

في مرحلة ما بدأوا بإدخال الطحين إلى شمال القطاع، وكان زوجي يذهب إلى ميدانَي الكويت والنابلسي لإحضار الطحين. وفي إحدى المرّات أطلق الجيش النيران الحيّة على الناس، وفي ذلك اليوم عاد بدون طحين.

أبي، بسّام (55 عامًا)، مريض بمرض السكّري ويعاني من ارتفاع ضغط الدم. طوال هذه الفترة كان يعاني من نقص في الدواء، كما أنّ التغذية لدينا، المعتمدة بشكل أساسيّ على المعلّبات، أضرّت بصحّته. أخذناه إلى مستشفى وقال الطبيب هناك إنّه يحتاج إلى غسيل كلى. منذ ذلك الحين وهو يخضع لغسيل الكلى ثلاث مرّات في الأسبوع في مستشفى كمال عدوان.

خلال هذه الفترة نزحنا عدّة مرّات من مكان إلى آخر، وأحيانًا لقضاء ليلة واحدة فقط. في الليل كانت تشتدّ حدّة القصف الجوّي والمدفعيّ، ولذلك كنّا نذهب أحيانًا إلى مختلف المدارس ومخيّمات النازحين وعيادات الأونروا، ونقضي الليلة هناك ثمّ نعود في الصباح إلى منزلنا. كلّ هذه الأماكن التي ذهبنا إليها كانت ممتلئة تمامًا. في إحدى المرّات نمنا عند مدخل المراحيض. لأنّه بعد عدّة مرّات من تعرّض منزلنا أو محيطه القريب لشظايا وإطلاق نار، كنّا نفضّل رغم ذلك الذهاب إلى هناك ليلًا، لأنّنا كنّا نخشى البقاء في المنزل.

الصورة
ميسرة العجوري. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.
ميسرة العجوري. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.

ما زلنا إلى الآن في شمال قطاع غزّة، نعيش ظروفًا قاسية للغاية. في أواخر كانون الأوّل 2023 اختفت آثار أخي، ميسرة العجوري (30 عامًا). في تلك الفترة انتقلت عائلتي إلى منزلنا، لكنّ أخي كان لديه صالون حلاقة في بلدة جباليا، وكان أحيانًا ينام فيه أو في منزل استأجره هناك، وفي أحيان أخرى كان يأتي إلينا. لكنّ الجيش فرض بعدها حصارًا على مخيّم جباليا للّاجئين، فتوقّف عن المجيء إلى هنا لأنّ ذلك أصبح خطيرًا.

لا أتذكّر التاريخ، لكنّه أحضر لنا في أحد الأيّام غسيلًا وطلب أن نغسله، وقال إنّه سيعود في اليوم التالي لأخذه. لكنّه لم يأتِ في اليوم التالي. كانت الاتّصالات منقطعة في تلك الفترة. انتظرنا يومين ولم يصل إلى الآن. ما علمناه فقط هو أنّ الجيش أمر سكّان بلدة جباليا بالنزوح إلى جنوب-غرب القطاع. انتظرنا أسبوعين ولم يعد ميسرة.

بعد انسحاب الجيش من البلدة وعودة السكّان إليها ذهبنا إلى هناك للبحث عن ميسرة. لم نجده في صالون الحلاقة الخاصّ به، وعندما وصلنا إلى المنزل الذي استأجره اكتشفنا أنّه تعرّض للقصف. نحن لا نعرف إذا كان هو موجودًا هناك عند القصف. بحثنا أيضًا في المستشفيات وأبلغنا الصليب الأحمر، لكنّنا لم نتمكّن من الحصول على أيّ معلومة. لا نعرف حتّى هذا اليوم ما إذا كان ميسرة قد قُتِل أو أنّه معتقل لدى الجيش الإسرائيليّ. أمّي تبكي عليه طوال الوقت، وأنا أفكّر فيه باستمرار وأصبحت منهكة نفسيًّا من شدّة القلق والخوف عليه.

في نيسان الماضي داهم الجيش مخيّم جباليا للّاجئين حينما كنتُ في العيادة لغرض مراقبة الحمل. قال الناس إنّ الجيش وزّع منشورات تأمر السكّان بإخلاء المخيّم، فعدتُ بسرعة إلى المنزل. قالت أمّي إنّ الوضع خطير وإنّ علينا الانتقال إلى منزل خالتي في حيّ الشيخ رضوان غرب مدينة غزّة. كان منزل خالتي خاليًا لأنّها انتقلت إلى الجنوب.

غادرنا جميعًا تحت القصف المدفعيّ وإطلاق النار. كان الوضع خطيرًا جدًّا. توجّه معظم السكّان إلى مراكز النزوح في مدارس مخيّم الشاطئ. تمكّنا من الوصول إلى منزل خالتي ومكثنا هناك عشرين يومًا تقريبًا. كانت تلك أيّامًا قاسية وخطيرة. نفد الطعام القليل الذي أحضرناه معنا خلال هذه الفترة ولم يبقَ لدينا شيء. ذهب زوجي وطفلاي إلى تكيّة لإحضار الطعام من هناك. كنّا نأكل الأرزّ فقط كلّ يوم تقريبًا.

عندما انسحب الجيش من مخيّم جباليا عدنا إلى منزلنا، إلى منطقة منكوبة، كان كلّ شيء مدمّرًا، الشوارع نفسها كانت مدمّرة ومليئة بالحفر، وكان من المستحيل التعرّف عليها. تمّ تدمير الكثير من المنازل، وكانت الجثث ملقاة في كلّ مكان وليس هناك سيّارات إسعاف لإخلائها. بدأ الناس بإخلائها مستخدمين عربات تجرّها حمير أو خيول.

اليوم أنا حامل في الشهر السابع وأحتاج إلى طعام صحّيّ، وهو أمر لا يمكن الحصول عليه هنا. حتّى القليل الذي يمكننا الحصول عليه باهظ الثمن بالنسبة لنا. أحيانًا أشتري المكمّلات الغذائيّة والفيتامينات من الصيدليّة بدلًا من شراء الطعام. تلقّيتُ رزمة من ملابس الأطفال من إحدى منظّمات الإغاثة.

قلبي يتقطّع على طفلَيَّ. دُمِّرت مدرستهم وخسروا سنة دراسيّة كاملة. بدلًا من الدراسة أو اللعب مع الأصدقاء فإنّهما يعيشان في خوف ويقفان في طوابير محطّات توزيع الماء والطعام وشحن الهواتف.

إنّهما يفتقدان مدرستهما وأصدقاءهما ومعلّميهما. هنا في شمال القطاع يحيط بنا الخوف من كلّ جانب. لم تعد لدينا حياة هنا. أحاول الخروج خلال ساعات النهار لزيارة عائلتي ثمّ أعود على عجَل في أسرع وقت ممكن بسبب الخوف من القصف وإطلاق النار من المروحيّات الرباعيّة. اليوم ذهبتُ إلى السوق ورجعتُ بسرعة بسبب الخوف. اشتريتُ بصلة واحدة بـ 20 شاقلًا، وقرن فلفل بـ 5 شواقل، وحبّتين من الباذنجان بـ 10 شواقل. الأسعار مرتفعة للغاية وهناك أشياء كثيرة لا نجيز لأنفسنا شراءها.

نحن الآن بعد عام من الحرب، المحْق والزوال من الوجود، الخوف والرعب. صمدنا هنا في شمال القطاع، لكن تعرّضنا لأحداث لا يمكن وصفها. رغم التهديدات والخوف، فأنا سأبقى هنا في بيتي. ليس هناك مكان يمكن الذهاب إليه، فكلّ المناطق، جنوبًا وشرقًا وغربًا، موسومة من قبَل الجيش كأهداف، وهو لا يفرّق بين المدنيّين والمسلّحين. كلّنا أهداف له والعالم يتفرّج ساكتًا. يقتلون ويجرحون الناس هنا كلّ يوم. عائلات بأكملها كنتُ أعرفها مُحيتْ من سجلّ السكّان. فقدنا أقارب وأصدقاء وجيرانًا. أنتظر بفارغ الصبر خبرًا سارًّا عن أخي ميسرة، فقط لكي أعلم أنّه على قيد الحياة. نريد فقط أن يعود إلينا بسلام، وأن تنتهي هذه الحرب الكابوسيّة المرعبة كلّها.

* هذه الإفادة سجّلتْها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، في 3.10.24.

تحديث: في 6.10.24 انتقلت صفاء وأفراد عائلتها، مرّة أخرى، إلى منزل خالتها في حيّ الشيخ رضوان في غرب مدينة غزّة.