هناء القريناوي
29 أيلول/سبتمبر 2024
(34 عامًا)، من سكان مخيم البريج للاجئين، روت عن فقدان شقيقتها أماني وزوجها اللذين قُتلا جرّاء القصف وعن ابن أختها الرضيع الذي أصبح يتيمًا في رعايتها
حتى بداية الحرب، كانت أختي أماني (36 عامًا) في شهرها السابع من الحمل. خلال 16 عامًا من زواجها، حاولت الحمل دون جدوى وخضعت للكثير من العلاجات، بما في ذلك أربع محاولات فاشلة للتلقيح الاصطناعي. نجحت محاولة التلقيح الخامسة وحملت.
في صباح يوم 7 تشرين الأول، انتاب أماني الخوف من الصواريخ وبدأ لديها المخاض. توجهت مع أختنا سهام إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، لكن الظروف هناك كانت صعبة وتم نقلها إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات للاجئين. لكن في مستشفى العودة أيضًا لم يتمكنوا من استقبالها لعدم وجود قسم للخدّج، فنقلوها مرة أخرى وهذه المرة إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة. بسبب وجود خطر على الجنين، أُدخلت إلى قسم الولادة وتلقت حقنًا لتثبيت الحمل. كانت الظروف في مستشفى الشفاء صعبة للغاية. في النهاية، وبسبب الأعداد الهائلة من الجرحى الذين وصلوا إلى هناك، قاموا بإخلاء قسم الولادة. وفي أواخر تشرين الأول نقلوا جميع النساء إلى مستشفى الحلو الدولي الخاص، المتخصص في علاجات الخصوبة وغيرها، في حي النصر غرب مدينة غزة.
بقيت أماني في مستشفى الحلو يومين أو ثلاثة فقط. سمعتْ من أحد الأطباء أن الجيش يهدد بقصف المستشفى فقررت المغادرة. وفي 1.11.23، قُصف المستشفى بالفعل. أرادت أماني العودة إلينا، إلى البريج، لكن الوضع لدينا كان صعبًا جدًا واعتقدتُ أن ذلك خطير جدًا عليها. انتقلتْ بدلاً من ذلك إلى منزل أقارب في مخيم النصيرات ومكثتْ هناك حوالي شهر ونصف الشهر. خلال تلك الفترة، قُصف منزل عائلة زوجها، محمد القريناوي (38 عامًا)، الذي هو ابن عمنا أيضًا، ومنزلنا الذي كان بجواره. في القصف قُتل والده، علي القريناوي (65 عامًا) وشقيقه إبراهيم القريناوي (38 عامًا) وأخي حازم موسى القريناوي (39 عامًا). بعد القصف، انتقلنا إلى منزل أقارب لنا، يقع هو الآخر في مخيم البريج. لكن محمد ووالدته بقيا في منزلهما الذي لم يُدمَّر بالكامل.
في 11.12.23، وُلد ابن أماني، أسامة، بعملية قيصرية في مستشفى الأقصى في دير البلح. أسمته هي وزوجها أسامة. خرجتْ من المستشفى في اليوم نفسه وانتقلتْ إلى منزل أقارب في مخيم النصيرات. طوال عشرة أيام، كان زوجها محمد يزورها كل يوم للاطمئنان عليها ثم يعود إلى مخيم البريج لرعاية والدته المسنة. في 26.12.23، حوالي الساعة 12 ليلًا، قُصف مبنى عائلته مرة أخرى، لكنه في هذه المرة دُمر بالكامل. كان منزلًا مكونًا من خمسة طوابق وكان يسكنه الكثير من النساء والأطفال. قُتل محمد مع والدته مريم القريناوي (60 عامًا) وشقيقه سالم القريناوي (34 عامًا). تم إنقاذ من نجا من القصف من تحت الأنقاض، لكن لم يتمكنوا من انتشال جثث القتلى لأن القصف العنيف كان مستمرًا. في اليوم التالي، اجتاح الجيش مخيم البريج وبعد حوالي خمسين يومًا فقط، عندما انسحب الجيش، قام الأقارب بانتشال الجثث بمساعدة رجال الدفاع المدني والبلدية.
بعد القصف فورًا ذهبنا إلى أماني. لكننا لم نرد أن نخبرها أن زوجها وأفراد عائلته قد قُتلوا. قلنا إنه كان هناك قصف وأنه لم يُعرف مصيرهم بعد. كانت في صدمة تامة وقالت إنها ستتحلى بالصبر وستبقى متمسكة بالأمل بأن يجدوا زوجها حيًا من أجل الرضيع أسامة. في تلك المرحلة، نزحنا أنا وبقية أفراد العائلة إلى مدرسة الصلاح في دير البلح، لكن المكان كان مزدحمًا جدًا. في البداية، خشينا أنه إذا انضمت إلينا أماني وأسامة الصغير، فسوف يتعرض للأمراض هناك ولذلك، فضلنا أن يبقيا عند أقاربنا في النصيرات. لكن بعد ذلك هدد الجيش بقصف مخيم النصيرات، فقررت أماني الانضمام إلينا، رغم كل شيء.
بعد أن انضمت أماني إلينا في المدرسة، قررتْ أنها تريد العودة إلى عملها في جمعية ترعى الأطفال الأيتام واتفقنا على أن أعتني أنا بأسامة عندما تكون هي في العمل. أرسلتها الجمعية إلى العمل في مدرسة خديجة في دير البلح، مقابل المدرسة التي نزحنا إليها. كانت مدرسة خديجة أيضًا بمثابة مخيم للمهجرين وتم تخصيص جزء منها للجرحى والمسنين. شمل عمل أماني تنظيم أنشطة للأطفال وتوزيع الأموال على العائلات وسلال غذائية للأطفال. في صباح يوم 27.7.24 ذهبت أماني إلى العمل وتركت أسامة معي. قالت لي إن أمامها يومًا حافلًا جدًا وإنها قد تبقى في العمل حتى المساء. في الساعة 11:00 صباحًا، سمعت فجأة قصفًا عنيفًا بالقرب منا. رأيت أن الطائرات الحربية الإسرائيلية كانت تقصف مرارًا وتكرارًا وتُنشئ حزامًا ناريًا. قال الناس وسمعت من الناس أن القصف كان يستهدف مدرسة خديجة. تركت أسامة مع زوجات إخوتي وركضت بسرعة إلى المدرسة. عندما وصلت إلى هناك، رأيت في كل مكان جرحى قد أصيبوا بإصابات خطيرة، قتلى وأشلاء جثث. كان معظم الضحايا من الأطفال والنساء. دُمّر المكان بالكامل. فجأة، رأيت أختي أماني بين الجثث. كانت مصابة في رأسها وظهرها وكان المنظر قاسيًا لدرجة لا يمكن وصفها. قال شبان أخرجوها من تحت الأنقاض إنها أصيبت بجروح خطيرة، لكنني كنت أعرف على وجه اليقين أنها لم تعد على قيد الحياة. تم إخلاؤها إلى مستشفى شهداء الأقصى ورافقتُها. عندما وصلنا، قال الأطباء إنها ماتت. في تلك اللحظة، كل ما استطعت التفكير به هو أسامة. كيف سيعيش ويكبر بدون والدين؟ بدأت أبكي وأصرخ، كنت في حالة صدمة. جلست بجانب جثتها لمدة ساعتين تقريبًا وبكيت. لم يكن لدي هاتف، فاستعرت هاتفًا من صديقة لأخبر والدي وإخوتي أن أماني قُتلت. وصلوا إلى المستشفى وودعوا أختي بحزن وألم شديدين.
حتى بعد دفنها، لم أستطع استيعاب أن أماني قد قُتلت. بعد الجنازة، عدتُ إلى المدرسة لأطمئن على أسامة وفي الطريق أخبرني الناس في الشارع بأن الجيش يهدد بقصف المدرسة وأن كل من كان هناك قد غادر. وجدتُ أسامة مع زوجات إخوتي في خيمة تابعة لأقارب لي في دير البلح. أخذتُه في حضني عانقته وبكيت. بعد ثلاثة أيام، عدت أنا وأسامة إلى المدرسة التي لم تُقصف في النهاية وما زلنا نعيش في إحدى غرف الصفوف فيها حتى الآن.
فراق أختي لا يطاق، لكنني أتقبل قضاء الله. يبلغ أسامة من العمر اليوم تسعة أشهر ونصف الشهر. كانت أماني تطلب مني دائمًا أن أحافظ عليه وأعتني به وكأنها شعرت مسبقًا بأنها ستموت. كانت تقول لي دائمًا: "أنتِ من سيعتني به، لأنكِ تشبهينني". لقد كان كل شيء في حياة أماني وعندما قُتل والده حاولتْ أن تعوّضه. الجميع في مدرسة المهجرين يعرفون كم كانت أماني تهتم به وتدلّله. الآن أحاول أنا أن أقدم له كل ما يحتاج إليه. أغير له ملابسه وأطعمه وأحاول أن أعوضه عن غياب والدته، عن الحنان والحب اللذين لن يحصل عليهما منها. يعيش معنا في مخيم المهجرين خمسة أطفال فقدوا آباءهم، لكن أسامة هو الأصغر والرضيع الوحيد الذي فقد أباه وأمه معًا. بعض هؤلاء الأطفال هم من أقاربنا وأمهاتهم يساعدنني في رعايته ويدللنه أيضًا لتعويضه عن وفاة والدته.
قبل أن تُقتل، كانت أختي تحاول أن تُري الرضيع أسامة صورة والده الذي قُتل على الهاتف وتقول له: "انظر، هذا والدك"، لكي يعرفه. الآن أنا أريه صور والده ووالدته على الهاتف لكي يعرفهما وأقول له في الصباح: "انظر، هذان والداك، قل لهما صباح الخير". لا أعرف ما هو ذنب أسامة الذي حُكم عليه بأن يعيش ويكبر بدون أم وأب. لا يوجد أي مبرر لذلك. لقد قُتلا بدم بارد وبقي ابنهما يتيمًا. أنا حزينة وأشفق عليه وعلى أختي وزوجها اللذين انتظرا طفلاً لمدة 16 عامًا وعندما حصلا على أسامة أخيرًا، قُتلا على الفور وتركاه إلى الأبد.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد، في 29.9.24