أصواتٌ من غزّة

أمال عزيز وديمة أبو اشكيان

أمال عزيز (39 عامًا)، أرملة وأم لثلاثة، من سكان مخيم جباليا للاجئين، تحدثت عن ابنة أخيها، التي بقيت وحيدة تعاني من إصابات بالغة بعد أن قُتل جميع أفراد عائلتها جرّاء القصف، وعن عذابات النزوح

في بداية الحرب، بقيت في منزلي في منطقة العلمي في مخيم جباليا للاجئين، مع أولادي الثلاثة، بكر (16 عامًا) وحلا (14 عامًا) وأسماء (11 عامًا). كانت عائلتي تسكن في منطقة أخرى في مخيم جباليا للاجئين. مثل جميع سكان قطاع غزة، فوجئت بإطلاق القذائف على المستوطنات الإسرائيلية في 7 تشرين الأول 2023. بعد ذلك مباشرة اندلعت الحرب وتحول قطاع غزة إلى ميدان حرب. كان الخطر يتربص بالناس في كل مكان. في كل يوم كنا نعلم عن منازل قصفت أو أن الجيش هدد بقصفها.

في 20.10.23، هددوا بقصف منزل عائلة العجرمي المجاور للمبنى الذي يسكن فيه أشقائي وأعمامي. انتقل أشقائي وعائلاتهم من المبنى. تفرقت عائلة أخي أمين. انتقلت زوجته، أسماء الحلبي (28 عامًا)، مع أطفالهما: ديمة (11 عامًا) ودانا (5 أعوام) وتالا (4 أعوام) وعبد النور (عامان ونصف) وكنان (9 أشهر)، إلى شقة والديها في مبنى مكون من ثلاثة طوابق، ليس بعيدًا عن مبنى أشقائي. بقي أمين لينام في مكان عمله، إذ كان يعمل حارسًا في مستشفى كمال عدوان.

في 23.10.23، حوالي الساعة 2:00 فجرًا، سمعت فجأة قصفًا عنيفًا. تابعت الأخبار وبعد بضع دقائق رأيت خبرًا عن قصف منزل عائلة الحلبي. اتصلت على الفور بأخي أمين، الذي كان في ذلك الوقت في العمل في مستشفى كمال عدوان. ردّ عليّ وهو يبكي وقال لي إن ابنته تالا أحضرت إلى المستشفى وقد فارقت الحياة.

على الرغم من الوضع الخطير، ذهبت على الفور سيرًا على القدمين إلى مستشفى كمال عدوان. اتصلت بأشقائي وأخبرتهم عن القصف فتوجهوا إلى منزل عائلة الحلبي وأكدوا أنه تم قصفه وتدميره بالكامل.

بقيت في المستشفى مع أمين وذهب أشقائي الآخرون إلى منزل عائلة الحلبي للمساعدة في انتشال الجثث. بدأت الجثث تصل إلى المستشفى، وكان بعضها ممزقًا. كانت زوجة أخي، أسماء، وأبناء أخي دانا وتالا وعبد النور وكنان من بين القتلى. أثناء انتشال الجثث، سمع رجال الإنقاذ، بمن فيهم أفراد الدفاع المدني، صوت ديمة وهي تنادي من تحت الأنقاض "أنا هنا! أنا على قيد الحياة!". عملوا لمدة سبع ساعات لرفع الأنقاض من فوقها وإنقاذها.

في المستشفى، حاولت تهدئة أمين، الذي كان في حالة نفسية صعبة للغاية. عندما تمكنوا أخيرًا من إنقاذ ديمة ووصلت إلى المستشفى مصابة بجروح خطيرة. أدخلوها على الفور إلى غرفة العمليات ثم نقلوها بعد الجراحة إلى قسم العناية المركزة.

بالإضافة إلى أفراد الأسرة، كان هناك 50 نازحًا آخر في مبنى عائلة الحلبي. قُتل 30 شخصًا ممن كانوا في هذا المبنى وأصيب 20 شخصًا آخر بجروح متفاوتة، بعضها خطيرة.

بعد دفن زوجة أمين وأطفالهما الأربعة، نقلنا ديمة لمواصلة العلاج في مستشفى الشفاء وأجريت لها هناك عدة عمليات أخرى. كانت تعاني من كسور في الساقين، حروق، إصابة وحروق في الرأس وجروح أخرى في الأوتار والأعصاب.

في 25.10.23، قصف الجيش الإسرائيلي مبنى التاج في حي الرمال وتم إجلاء العديد من الضحايا إلى المستشفى، لذلك طلبوا منا إخراج ديمة لإفساح مجال. أخذنا ديمة إلى منزلنا في مخيم جباليا للاجئين. كانت الطريق إلى المنزل صعبة للغاية بالنسبة لها، لأننا اضطررنا إلى حملها ونحن نمشي على الأقدام وكانت لا تزال في حالة خطيرة، متألمة، خائفة ومصدومة.

بعد يومين من وصولنا إلى المنزل، فهمت أنه يجب إعادة ديمة إلى المستشفى. طلبت من مستشفى كمال عدوان إرسال سيارة إسعاف ورافقتها إلى المستشفى. أجروا لها فحوصات ورأوا أنها تعاني من مشاكل في الكليتين والكبد. بدأوا بمعالجتها وتم إدخالها إلى المستشفى لمدة 45 يومًا. كنت أنا ووالدها أيمن معها طوال الوقت وبقي أولادي في المنزل. بعد ذلك، اقتحم الجيش الإسرائيلي جباليا وهدد باقتحام المستشفى. اضطررنا إلى إخراج ديمة والعودة بها إلى منزلي.

أصبح الوضع في المنطقة صعبًا للغاية. نزح العديد من السكان وأصبحت الشوارع خالية وبقينا وحدنا معزولين في المنزل. كانت ديمة تعاني من الأوجاع. كنت إلى جانبها أعتني بها طوال الوقت. اضطررت، أنا أيضًا، إلى الخروج للبحث عن الطعام وذهبت بعيدًا للحصول على علبة تونة أو علبة لحم أو مياه للشرب.

بعد ذلك أخذنا ديمة إلى المستشفى فأزالوا الجبس عن ساقيها. تمكنت من العثور على أخصائي علاج طبيعي للعمل معها، لأنني كنت أخشى أن تظل محدودة الحركة. بسبب حالة ديمة، التي لم تكن قادرة على المشي بسبب الكسور والحروق وكانت بحاجة إلى حفاضات، بقينا في المنزل ولم نتمكن من النزوح جنوبًا. أردت أن أبقى معها قريبًا من المستشفى وأخصائي العلاج الطبيعي.

بقينا في هذا الوضع اليائس لمدة نصف سنة تقريبًا، حتى أصبح الوضع في المنطقة أكثر خطورة واقتربت الدبابات من منزلنا. في 2.5.24 اضطررنا إلى النزوح. خرجت مع أخي أمين والأطفال. أجلسنا ديمة على عربة صغيرة وقام بكر بدفعها. مشينا سيرًا على الأقدام إلى مخيم الشاطئ للاجئين وهناك وجدنا ملجأ في مستودع ما، وما زلنا نعيش فيه في ظروف صعبة للغاية. بالكاد استطعنا توفير بعض الطعام أو الماء. كنتُ أجري تمارين العلاج الطبيعي لديمة، بنفسي. كنت أتحدث معها طوال الوقت وأحاول تخفيف معاناتها ودعمها. كانت تعاني من الألم والقلق إضافة إلى اشتياقها الشديد لأمها وإخوتها.

عندما كان يسمح الوضع، من حين إلى آخر، كان أمين يذهب شمالًا، إلى مستشفى كمال عدوان للعمل. في 2.10.24 ذهب إلى هناك والتقى بشقيقينا محمد وأيمن. كان يخطط للعمل لمدة أسبوع في المستشفى ولأن يُحضر معه، حين يعود، ملف ديمة الطبي، الذي تركه وراءه، وبعض الملابس لها. نام في منزل أخينا محمد، بالقرب من منزل عائلتي.

في 9.10.24، حوالي الساعة 13:00، قصف الإسرائيليون مبنى أبو نصر في مخيم جباليا للاجئين، بالقرب من مبنى أشقائي. كان محمد وأيمن وأمين بالقرب من المبنى مع سناء، زوجة عمي (48 عامًا)، وابنها عبد الله (20 عامًا) وعدد قليل من الأشخاص من عائلة شبير. كان هؤلاء جميعًا يحاولون جمع أمتعتهم استعدادًا للنزوح جنوبًا. لكن قبل أن يتمكنوا من المغادرة، تم قصف المبنى. اتصل أخي محمد وأخبرني وهو يبكي أن أمين قد قتل فيما أصيب هو وأيمن ونُقلا إلى المستشفى. كما قُتلت زوجة عمي، سناء، وابنها عبد الله أيضًا.

تلقت ديمة نبأ وفاة والدها بصعوبة بالغة. ردت بهستيريا وبكت وضربت ساقيها حتى نزفت.

بقيت جثة أخي أمين تحت الأنقاض حتى كانون الثاني 2025. حتى ذلك الحين، كان أشقائي والجيران يزيلون بعض الأنقاض يدويًا بشكل يومي وتدريجي حتى كشفوا عن جثته ثم أحضروها لدفنها. الآن، كل ما كان لدى ديمة في هذا العالم قد دُفن تحت الأرض - عائلتها وذكرياتها وأحلامها وآمالها.

لا تزال ديمة تعاني بشدة بسبب الإصابة في الأوتار والأعصاب. فهي غير قادرة على المشي وتعتمد على مساعدة الآخرين. تتلقى تمارين العلاج الطبيعي ولا تزال تعالج الجروح في ساقيها. وهي بحاجة إلى الخضوع لعمليات جراحية مختلفة، بما في فيها التجميلية وزراعة الشعر، لأنها فقدت شعرها بسبب الحروق في الرأس. لقد عانت الكثير من جرّاء إصابتها وفقدان جميع أفراد أسرتها، من العلاجات المؤلمة بدون تخدير ومن النزوح والقصف.

ديمة بحاجة إلى علاجات لا يمكن الحصول عليها إلا خارج قطاع غزة. هذا هو أملها الوحيد للعودة لتكون طفلة مثل جميع الأطفال. لقد فقدت الكثير وتستحق التعافي. إنها طفلة ذكية وموهوبة وكانت طالبة متفوقة. تحب كتابة الشعر وعلى الرغم من كل ما مرت به، لا تزال لديها أحلام.

وقد روت ديمة أبو اشكيان في إفادتها:

عندما قصفوا منزل جدّي، استيقظت من النوم على صوت عالٍ ورأيت ضوءًا أحمر، ثم اختفى. لم أشعر بجسدي. اعتقدت أنني في حلم. حاولت أن أتحرك لكنني لم أستطع. كنت تحت الأنقاض. فجأة ظهر ضوء. كنت جائعة وعطشى وخائفة. صرخت "أنقذوني! ساعدوني! ساعدوني!". ثم سمعت شخصًا يحاول إزاحة الأنقاض من فوقي، لكنني لم أر أحدًا. حاولت أن أتحرك لكنني لم أستطع. مرّ وقت طويل وأنا تحت الأنقاض. كان الظلام حالكًا وشعرت أنني أختنق. سمعت طرقات مطرقة على الأنقاض، لكن عندما نظرت حولي لم أر شيئًا. ضربت بيدي على الأنقاض كي يسمعوني، حتى أمسك بي أحدهم وقال لي "لا تخافي. لا تخافي. نحن هنا لإنقاذك"، ثم فقدت الوعي.

بعد ذلك، سمعت شخصًا يتحدث وشعرت أنه يرفعني. ركض بي إلى سيارة الإسعاف. عندما فتحت عينيّ وجدت نفسي مستلقية على سرير في المستشفى. كان جسدي ملفوفًا بالكامل بالشاش الطبي وكان الأطباء يعالجون رأسي. كنت أعاني من آلام مبرحة في رأسي وساقيّ وكنت أعاني كثيرًا.

بعد بضعة أيام فقط، أخبرتني عمتي آمال أن أمي وإخوتي لم يعودوا على قيد الحياة. أنهم قتلوا. منذ ذلك الحين، وأنا أبكي عليهم طوال الوقت.

في اليوم الذي قتل فيه والدي أيضًا، تلقت عمتي آمال مكالمة هاتفية وبدأت تبكي. عندما سألتها "ماذا حدث؟" قالت إن عمّيّ محمد وأيمن أصيبا. ثم أخبرتني لاحقًا أن والدي، أمين، قد قتل. بكيت عليه كثيرًا. كان أبي كل ما تبقى لي من عائلتي وعلقت عليه كل آمالي. كان سندي. الآن بعد أن رحل، لم يعد لديّ أحد، باستثناء عمتي آمال. أبكي طوال الوقت ولا أستطيع أن أستوعب أنني فقدته أيضًا. ما زلت في حالة صدمة. لم يبق أحد من عائلتي على قيد الحياة والآن عمتي آمال فقط تعتني بي وتهتم بي وتساعدني وتواسيني، إنها عائلتي الآن.

أنا أفتقد أفراد عائلتي وأشتاق إليهم كثيرًا. جرح عميق انفتح في روحي ولا يمكن تضميده. بعد أن فقدتُ والدي أيضًا، تدمّرت حياتي تمامًا. كان كل ما تبقى لي.

* سجل هاتين الإفادتين باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 19.10.25

** في 5.11.25، تمكنت آمال من مغادرة قطاع غزة، مع ديمة وأسماء وحلا، والسفر إلى إيطاليا، حيث تتلقى ديمة العلاج. لم يُسمَح لابن أسماء البِكر، بَكر، بدخول الأردن فاضطر للعودة إلى شمال القطاع، حيث يعيش الآن مع ما تبقى من عائلة آمال.