قوات إسرائيلية

فتى (15 عاماً) رشق الحجارة. جنود أطلقوا النار عليه وقتلوه.

الصورة

في يوم الجمعة الموافق 28.4.23 قرابة الساعة 14:00 حضر عدد من الجنود إلى موقع خربة تقوع الأثريّ الذي يُستخدَم كمنطقة استجمام لسكّان قرية تقوع. لاحظ الشبّان الذين كانوا هناك وجود جنود وقام نحو عشرين منهم بإلقاء الحجارة صوبهم من مسافة نحو 150 مترًا. أطلق الجنود النيران الحيّة باتّجاههم، لكنّهم لم يصيبوا أحدًا. بعد ذلك بنحو نصف ساعة وصل مصطفى صباح (15 عامًا) وفلسطيني آخر إلى المكان. التقط صباح بعض الحجارة وركض باتّجاه الجنود ثم توقّف على بُعد نحو خمسين مترًا وألقى ثلاثة حجارة باتّجاههم. 

الصورة
مصطفى صباح. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
مصطفى صباح. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

أطلق الجنود باتّجاهه ستّ طلقات ناريّة على الأقلّ. أصابت رصاصتان صباح في صدره فسقط على وجهه. وأصيب شابّ آخر بجروح طفيفة في ركبته. واصل الجنود إطلاق النار. صرخ الشبّان باتّجاههم بأنّ شخصًا قد أصيب وبعد ذلك بوقت قصير توقّف إطلاق النار. عندها فقط تمّ إخلاء صباح إلى العيادة في القرية، حيث أقرَّتْ وفاته. 

الجنود الذين أطلقوا النار على صباح كانوا مُحصَّنين جيّدا وأطلقوا النيران الحيّة بينما لم يكونوا معرّضين لأيّ خطر. حتّى بعد أن أصابوه استمرّوا في إطلاق النيران الحيّة على الشبّان دون أن يكونوا مُعرَّضين لأيّ خطر. صحيحٌ أنّ المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أفاد بأنّه تمّ فتح تحقيق من قبل وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة في أعقاب الحادث، إلّا أنّ هذا التصريح لا يدلّ على أنّ الجيش يشتبه في أنّ الجنود وقادتهم قد تصرّفوا بشكل مخالف للقانون، وبالتالي يجب إجراء تحقيق. 

العكس هو الصحيح: يُطلق المتحدّث بلسان الجيش الإسرائيليّ بشكل دائم مثل هذه التصريحات لكي يصدّ الانتقادات ولكي يُؤكّد الادّعاء بأنّ الجيش يحقّق بنفسه في هذه الأحداث وبالتالي ليست هنالك أيّ حاجة لتدخّل خارجيّ. غير أنّ هذه التحقيقات، كما أثبتت بتسيلم ومنظّمات حقوق إنسان أخرى مرارًا وتكرارًا، ليست سوى جزء من آليّة لطمس الحقائق والتي تمكّن الجيش من مواصلة تنفيذ نفس السياسة الدمويّة غير القانونيّة وغير الأخلاقيّة دون أيّ عائق ودون أيّ محاسبة.  

الصورة
نصب تذكاري عفوي لمصطفى صباح وُضع في المكان الذي أطلِقت عليه النار فيه. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 15.5.23
نصب تذكاري عفوي لمصطفى صباح وُضع في المكان الذي أطلِقت عليه النار فيه. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 15.5.23

باحث بتسيلم الميداني عامر عاروري سجّل إفادتيّ اثنين ممن تواجدوا في الحادثة في 30.4: 

أ. أ. قال في إفادته: 

في يوم الجمعة الموافق 28.4.23 بعد الساعة 14:00 بقليل سمعتُ عن مواجهات بين قوّات الاحتلال والشبّان في خربة تقوع الأثريّة. ذهبتُ إلى هناك مع مصطفى صباح. أقوم عادةً بتصوير مثل هذه الأحداث وبنشر التسجيل على الشبكات. وصلنا إلى المكان قرابة الساعة 14:30. كان هناك نحو 20 شابًّا يلقون الحجارة عن مسافة 150 مترًا تقريبًا باتّجاه 6 جنود. لم تصل الحجارة إلى الجنود الذين كانوا يُطلقون النار بشكل متقطّع. 

بعد خمس دقائق تقريبًا تقدّم مصطفى إلى مقدّمة الشبّان ثمّ ركض باتّجاه الجنود، رغم أنّ الشبّان صرخوا إليه ألّا يتقدّم ويبقى بجانبهم. رفض الاستماع واستمرّ في التقدّم وعندما أصبح على بُعد 50 مترًا عنهم ألقى ثلاثة حجارة وأطلق الجنود نحو 4 رصاصات. رأيتُ مصطفى يسقط أرضًا على وجهه. للأسف، لم أصوِّر لحظة الإصابة وتابعتُ ما يجري فقط. لقد سقط شهيدًا بعد خمس دقائق من وصولنا إلى منطقة المواجهات. 

بعد سقوط مصطفى على الأرض استمرّ الجنود بإطلاق النار. حاولتُ التقدّم إليه وأصِبتُ بشكل سطحيّ برصاصة في الركبة اليسرى. لحسن الحظّ لم تخترق الرصاصة إلى الداخل ولم أحتجْ إلى علاج. بدأ الشبّان يصرخون على الجنود بأنّه يوجد مصاب واستمرّ إطلاق النّار قليلًا ثمّ توقّف. تقدّمنا إلى مصطفى وقلبْناه على ظهره. رأيتُ أنّه أصيب في منتصف صدره. 

حملْنا الشهيد وأخذناه إلى سيّارة خاصّة قام صاحبها بإخلائه. أعتقد أنّه لم يُكن حينئذٍ على قيد الحياة. في عيادة تقوع أجريت محاولات لإنعاشه لكنّها باءت بالفشل ثمّ أعلنوا وفاته. 

ن.أ. قال: 

في يوم الجمعة الموافق 28.4.23 قرابة الساعة 14:00 كنتُ أتنزّه مع أصدقاء في خربة تقوع الأثريّة، حيث يحبّ سكّان قريتنا التنزّه في المساء. رأينا ستّة جنود قادمين من الشارع الرئيسيّ ويصعدون باتّجاه الخربة. عندما كانوا على بُعد 100-150 مترًا عنّا رشقهم نحو 20 شابًّا وفتى بالحجارة لمنعهم من التقدّم. أطلق الجنود النيران الحيّة بشكل متقطّع. اختبأتُ خلف صخرة وتابعتُ ما كان يحدث. كنتُ أعلم بأنّني إذا لم أختبئ فقد أصاب من جرّاء إطلاق النار. 

 
ونحو الساعة 14:30 وصل مصطفى صباح سويّةً مع شابّ آخر. قلتُ لمصطفى أن يختبئ معنا خلف الصخرة حتّى لا يُصاب. لم يستمع وتقدّم باتّجاه الجنود. صرخنا إليه بأنّه إذا تقدّم فسيموت وأنّ الجيش يُطلق النيران الحيّة، لكنّه بدأ يركض باتّجاه الجنود. سمعتُ صوت 4 طلقات ناريّة تقريبًا. ذُعرتُ وحنيتُ رأسي. كنتُ على بُعد نحو 200 متر عن الجنود. 

سمعتُ أشخاصًا يصرخون بأنّ مصطفى قد أصيب. حاول الشبّان أن يصرخوا للجنود بأن يوقفوا إطلاق النار وبأنّ هناك شهيدًا ثمّ توقّف إطلاق النار. تقدّمتُ مع شبّان وفتيان ورأيتُ مصطفى ملقى على بطنه. أدار الشبّان مصطفى على ظهره ورأيتُ إصابة برصاصة في منطقة الصدر. حمله الشبّان وأخذوه باتّجاه القرية ومن هناك تمّ نقله بسيّارة محلّيّة إلى عيادة تقوع. لم يكن مصطفى يتنفّس عندما قاموا بإخلائه. قال الأشخاص الذين فحصوه إنّه لا نبض لديه، فقدَّرتُ عندها أنّه قد توفّي. عرفتُ لاحقًا بشكل مؤكد أنّه قد استشهد. 

الصورة
منيرة صباح مع صورة ابنها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم، 16.5.23
منيرة صباح مع صورة ابنها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم، 16.5.23

والدة مصطفى، منيرة صباح (36 عامًا)، قالت في إفادتها التي قدّمتْها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 16.5: 

أسكن مع زوجي عامر (44 عامًا)، الذي يعمل سائق سيّارة أجرة، وأولادنا الأربعة يزن (18 عامًا)، وهو متّهم الآن بإلقاء حجارة ومسجون في سجن مجيدو منذ 16 شهرًا قبل المحاكمة، ورؤى (6 أعوام) وسلام (سنة ونصف السنة) ورأفت (ستّة أشهر)، وهو مصاب بشلل دماغيّ. على مرّ السنين فقدتُ 6 من أولادي: محمّد كان ابن 17 عامًا عندما تُوفّي بمرض السرطان وعانى الباقون من شلل دماغيّ أو من تشوهات ولاديّة وتوفّوا على مرّ السنين. الآن فقدنا أيضًا ابننا مصطفى الذي كان عمره 15 عامًا فقط. الاحتلال أنهى حياته برصاصة في صدره ودفَن أحلامه. 

كان ذلك يوم الجمعة الموافق 28.4.23. عندما استيقظنا في ذلك الصباح حضّرتُ الفطور للجميع. استعدّ مصطفى وخرج مع والده للصلاة. ثمّ عادا إلى المنزل وطلب زوجي من مصطفى أن يبقى في البيت لكي يعتني بأخته وينظّف الحديقة قليلًا خلال الوقت الذي سنأخذ فيه رأفت إلى موعد لدى الطبيب. 

سافرنا إلى الطبيب في بيت لحم وعدنا من هناك نحو الساعة 15:00. في الطريق أنزلنا زوجي، أنا ورأفت، لزيارة والديّ وواصل طريقه إلى المنزل. رأيتُ على مواقع التواصل الاجتماعيّ أنّ هناك مواجهات بين أولاد يرشقون الحجارة وجنود في منطقة الخربة. فور دخولي إلى منزل والديّ أُبلغوا أخي يوسف عبر الهاتف بأنّ ابني أصيب في المواجهات. وقَّفَ قلبي عن النبض. 

خرجتُ أنا ويوسف من البيت بسرعة وسافر بي إلى المركز الطبّيّ في القرية. عندما وصلنا إلى هناك رأيتُ عدداً كبيراً من شبّان القرية. شعرتُ بالانقباض ولم أكن قادرة على الخروج من السيّارة. قلتُ لأخي إنّ مصطفى لم يُتوفَّ. بعد ذلك خرجتُ من السيّارة ودخلتُ إلى العيادة. رأيتُ مصطفى مستلقيًا على سرير في الغرفة وقد فارق الحياة. صدمت. حاولت إيقاظه لكنّه لم يردّ. شعرتُ بأنّني أنهار وكدت أفقد الوعي. لم أصدّق أنّ مصطفى قد مات أيضًا. فكّرتُ بأنّني ربّما كنتُ في كابوس وسرعان ما سأستيقظ منه وأكتشف أنّ هذا غير صحيح. لكنّني علمتُ أيضًا بأنّ مصطفى قد توفّي وبأنّني لن أراه مرّة أخرى. أبلغني الأطبّاء بأنّه استشهد. دُفِن مصطفى في يوم السبت في مقبرة القرية. 

في العام 2022 تمّ اعتقال مصطفى لمدّة شهر بشبهة رشق حجارة ومنذ ذلك الحين تمّ اعتقاله مرّتين أخريين، لكنْ أطلق سراحه بلا قيد أو شرط. حتّى الآن أنا غير قادرة على استيعاب أنّه استشهد. كان كلّ شيء بالنسبة لي. كان تعويضًا عن إخوته الذين ماتوا الواحد تلو الآخر. قتله الجنود بشكل متعمّد وأخذوه منّي إلى الأبد. أنا أتقطّع من الحزن، محطّمة، ومن الصعب عليّ أن أكون في هذا العالم. البيت خالٍ بدون مصطفى وأخته رؤى حزينة جدًّا. لكن هذه هي مشيئة الله. الحمد لله دائمًا.