جولدستون آنذاك والان
5 نيسان/أبريل 2011
تحول الاسم "جولدستون" منذ مدة إلى كلمة مشحونة، رمز للملاحقة المناوئة لإسرائيل ولكل ما يشوش مكانة إسرائيل في العالم. إن النقاش الذي اُثير في أعقاب المقال الذي نشره القاضي جولدستون في صحيفة "الواشنطن بوست" يدل إلى أي حد يرمز اسمه إلى الجرح الذي ما يزال مفتوحاً.
بعد أن ترأس الطاقم الذي أعد التقرير المُدين من قبل الأمم المتحدة، فإن القاضي جولدستون نادم. وقد ادعى أنه لو توفرت له طريقة للوصول إلى المعلومات من قبل إسرائيل لكان توصل إلى استنتاجات مختلفة. عمليا، فقد حدد جولدستون اليوم انه لم تكن لدى إسرائيل سياسة تهدف إلى قتل المدنيين وان أعمالها لا تثير الاشتباه باقتراف جرائم ضد الإنسانية. كما انه رحب بقيام إسرائيل، على النقيض من حماس، ببذل جهود كبيرة في التحقيق في الشكاوى.
يجب الترحيب بتراجع جولدستون عن تحديداته غير الصحيحة. وكما ذكرت بتسيلم عند نشر التقرير، فإن استنتاجات التقرير تضمنت تحليلا أحادي الجانب للحملة ولم تستند بصورة كافية إلى المعطيات الميدانية. إن اتقادنا تناول، من بين ما تناول، النقطتين اللتان يندم عليهما جولدستون اليوم: الاستنتاج بأن إسرائيل طبقت سياسة تهدف إلى قتل المدنيين، ليس مبنيا على حقائق ولم يتم إثباته. وقد أكدنا في انتقادنا أن الانتقاد الذي تضمنه التقرير تجاه حماس لا يعبر عن خطورة أفعالها وأن اللجنة فحصت تصرفات إسرائيل وممارساتها بمعايير أشد صرامة من تلك التي اتبعتها بخصوص حماس.
لكن، وكما قلنا في حينه، ليس من شان هذا نفي التوصية المركزية في التقرير: وجوب قيام إسرائيل وحماس بإجراء تحقيق ذاتي. يدعي جولدستون اليوم أن إسرائيل تقوم بإجراء مثل هذه التحقيقات، على النقيض من حماس. لكنه يسارع هنا ايضا في استنتاج استنتاجات غير راسخة استنادا إلى تقرير مرحلي من قبل لجنة تابعة للأمم المتحدة تعترف أنها لا تعرف ما هي جودة التحقيقات.
إن الدعوات الصادرة اليوم عن جهات إسرائيلية، التي تُفسر مقالة جولدستون على أنها تراجع تام عن ادعاءاته، تتجاهل بصورة تامة الحقيقة بان قسما ملحوظا من التحقيقات التي تناولها بالإيجاب في مقاله تم الشروع فيها فقط في أعقاب التقرير. وبدون التقرير والحراك الدولي الذي تلاه، من غير الواضح على وجه الدقة كم عدد التحقيقات التي كان سيتم الشروع بها وما الذي سيتم التحقيق فيه، على فرض حصوله أصلا. وعليه، فإن الدعوات إلى التحفظ على التقرير لأن إسرائيل قامت بفضله بإجراء التحقيقات هي دعوات مدحوضة جملة وتفصيلا.
أما في صلب الموضوع، فإن فحص التحقيقات ذاتها يثير الشكوك بخصوص تحديد جولدستون بأن إسرائيل تستحق التقدير بفضلها. لغاية اليوم باشرت إسرائيل التحقيق في 52 تحقيقا جنائيا بخصوص الأحداث التي وقعت خلال حملة "الرصاص المصبوب". ومن بينها ثلاثة تحقيقات قادت إلى تقديم لوائح اتهام ومن غير الواضح ما هو عدد ملفات التحقيق التي تم إغلاقها وكم منها ما يزال قيد التحقيق. بعد مرور عامين ونصف على الحملة ما يزال من غير المعلوم ما هو مصير معظم التحقيقات. إن المئات من التحقيقات العسكرية الميدانية التي قام بها الجيش ليست أدوات تحقيق ناجعة وهي لا تهدف لأن تكون كذلك أصلا.
لكن، وبالأساس- التحقيقات الخاصة بشرطة التحقيقات العسكرية تتمحور حول حالات معينة قام خلالها جنود بصورة فردية بانتهاك القانون. وهي تتجاهل بصورة تامة القضايا المتعلقة بالسياسة التي تمت بلورتها من قبل المستوى العسكري الرفيع ومن قبل المستوى السياسي. من الذي حدد ما هو الهدف المشروع خلال الحملة، تعليمات إطلاق النار، حجم القوة؟ إن هذه الأسئلة الأساسية، ذات الأهمية البالغة، لم يتم فحصها لغاية اليوم من قبل أي جهة كانت.
لقد اتهم تقرير جولدستون إسرائيل بأسوأ ما يمكن- الاشتباه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. لقد قال هذا دون أن يؤسس أقواله ودون أن يسمع رواية إسرائيل الرسمية (رغم أن هذا يعود إلى حد كبير إلى القرار البائس بعدم التعاون مع اللجنة). وهو الآن نادم على ذلك وتستنتج السلطات الرسمية في إسرائيل بأن جميع عملياتها خلال الحملة كانت صالحة ولا غبار عليها. لكن من المفيد التذكير انه خلال الحملة قامت إسرائيل بقتل 758 مدنيا فلسطينيا لم يكنونا ضالعين في القتال، ومن بينهم 318 قاصرا. كما تم هدم أكثر من 3,500 بيت وإلحاق الضرر بالبنى التحتية الخاصة بالكهرباء، المياه والمجاري. لغاية اليوم لم يتم ترميم الهدم غير المسبوق في غزة.
إن العتبة التي ينبغي وفقها فحص عمليات إسرائيل لا تقوم على: هل أقدم الجيش على تنفيذ جرائم ضد الإنسانية. ينبغي علينا أن نطالب الجيش بعدم انتهاك القانون. ليس فقط أن لا يقتل الجيش المدنيين عمداً بل بذل ما يمكنه من الجهود لحمايتهم. عشرات التحقيقات التي قامت بها بتسيلم ومنظمات أخرى وصحفيون تثير الاشتباه بوقوع انتهاكات للقانون في حالات كثيرة خلال الحملة، التي ينبغي تبيّنها بواسطة تحقيق إسرائيلي مستقل يتناول أيضا الجزئيات السياسية.
إن الصهيل الإسرائيلي الذي علا في أعقاب مقال الندم الذي كتبه جولدستون يثير أيضا أفكارا كئيبة. لقد اعترف جولدستون في نهاية المطاف أن إسرائيل، على النقيض من حماس، لم تقم بإطلاق النار بهدف قتل المدنيين وأنها أجرت تحقيقا بخصوص جزء من الادعاءات ضدها. هذا مرحب به، ولكن هل هو كاف؟ أليس من اللائق بدولة ديموقراطية أن تطلب من نفسها أكثر من ذلك؟