فجرَ يوم 25.5.21 وفي لحظة دخول الشابّ أحمد عبده (25 عاماً) إلى سيّارته في بلدة البيرة، اعترضته مركبة تابعة للوحدة الخاصّة في شرطة حرس الحدود (اليمام). تنشر مؤسسة بتسيلم اليوم شريط فيديو يظهر فيه عناصر الشرطة وهُم يخرجون من مركبتهم وفوراً يُطلقون عليه عدّة رصاصات وأحمد عبده، المصاب على ما يبدو، يفتح باب سيّارته من الجهة اليمنى. ثمّ يظهر العناصر وهُم يحاصرون السيّارة ويفتحون بعضاً من أبوابها وعلى ما يبدو يجرّون أحمد عبده إلى خارجها. بعد ذلك غادر العناصر دون إسعافه. لاحقاً زعمت شرطة حرس الحدود في بيانها أنّ أحمد عبده قُتل أثناء "عمليّة اعتقال" ولم تفسّر لماذا جرى استخدام النيران الفتّاكة. لا يمكن أن يسمّى إطلاق النيران الفتّاكة نحو شخص يجلس في سيّارته ودون القيام حتى بمحاولة اعتقاله "عمليّة اعتقال". إنّه اغتيال.
توثيق الفيديو*
نحو السّاعة 4:30 من فجر يوم الثلاثاء الموافق 25.5.21 دخل الشابّ أحمد عبده وهو من مخيّم الأمعري إلى سيّارته المتوقّفة تحت بناية يقيم فيها عمّه وتقع في حيّ أمّ الشرايط في البيرة. حصلت بتسيلم على شريط كاميرا مراقبة تظهر فيه سيّارة تصل إلى المكان فوراً بعد دخول أحمد عبده إلى سيّارته وتعترض السيّارة بحيث تمنعها من الخروج من الموقف. يترجّل من السيّارة أربعة عناصر من الوحدة الخاصّة في شرطة حرس الحدود (اليمام) وفوراً يُطلق بعضهم عليه عدداً من الرّصاصات من الجهة اليسرى للسيّارة، جهة السّائق حيث يجلس أحمد عبده، وأيضاً على إطارات السيّارة. أثناء إطلاق الرّصاص يبدو أحمد عبده المُصاب على ما يبدو وهو يفتح باب السيّارة من الجهة اليمنى. في هذه المرحلة يحاصر العناصر السيّارة من جهتها الأخرى ويفتحون بعضاً من أبوابها ثمّ بعد مضيّ نحو ثلاث دقائق يغادرون المكان ويتركون أحمد عبده المُصاب ملقىً على الأرض. يؤكّد شهود عيان أنّ أحمد عبده كان لا يزال حيّاً في ذلك الوقت ويُظهر شريط الفيديو أنّ عناصر "اليمام" لم يقدّموا له الإسعاف الطبّي وحتى لم ينقلوه لتلقّي العلاج. هناك توثيق لعلامات احتكاك الجسد بالأرض ممّا يدلّ على أنّ العناصر ربّما قد جرّوه بأيديهم مسافة بضعة أمتار.
الصورة
أحمد عبده. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
بعد مضيّ دقائق معدودة على مغادرة عناصر الشرطة جاء عدد من الأهالي واستدعوا سيّارة إسعاف - وصلت بعد مضيّ رُبع السّاعة ونقلت أحمد عبده إلى المستشفى لكنّه فارق الحياة قبل وصوله، وقد أعلن الأطبّاء وفاته نتيجة إصابته برصاص في الجزء الأيسر من صدره وفي رجليه.
غداة الحادثة وفي الأيّام التي تلت كان مسؤولون من "الشاباك" يهاتفون خال الضحيّة وأفراداً آخرين من العائلة ليعبّروا عن أسفهم لمقتله ويطالبوهم في المقابل أن يسلّموا "المطلوب" محمد أبو عرب خال الضحيّة بزعم أنّه مشتبه به بإطلاق رصاص نحو جنود خلال مظاهرة جرت مقابل مدخل البيرة. في اللّيلة التالية لمقتل أحمد عبده اعتقل الجيش أربعة من أبناء أخواله وأجرى جنود تفتيشاً في منازل أنسباء الخال ومنازل جيرانهم وألقوا قنابل صوت في ساحات المنازل، كما اعتقلوا ابن أحد الأنسباء وهو فتىً في الـ17 من عمره.
زعمت شرطة حرس الحدود أنّ أحمد عبده كان "متعاوناً مع مطلوب" وأنّه قُتل أثناء عمليّة اعتقاله. لكنّ تسلسُل ملابسات مقتله يدلّ على أنّ عناصر الشرطة لم يقوموا بأيّة محاولة لاعتقاله بل قتلوه برصاصهم فوراً بعد أن خرجوا من مركبتهم؛ وحتى بيان شرطة حرس الحدود لم يذكر بتاتاً أنّ أحمد عبده شكّل خطراً من أيّ نوعٍ كان على أيّ من العناصر ولم يقدّم البيان أيّ تفسير لاستخدام النيران الفتّاكة. إطلاق النيران الفتّاكة على شخص يجلس داخل سيّارته وحتى دون محاولة لاعتقاله لا يمكن أن يسمّى "عمليّة اعتقال" بل إنّه اغتيال.
أدناه يحدّث وهيب مجادبة (33 عاماً) وهو يقيم مع زوجته وأولادهما الأربعة في بناية مقابلة للمكان الذي أوقف فيه أحمد عبده سيّارته - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 25.5.21:
نحو السّاعة 4:30 من فجر يوم الثلاثاء الموافق 25.5.21 وفيما كنّا نائمين أنا وزوجتي وأولادنا الأربعة الصّغار أيقظني صوت إطلاق رصاص. سمعت ثلاث طلقات وربّما كان قد أطلق أكثر من ذلك ولم أسمع فقد كنت مستيقظاً لتوّي وغير متنبّه تماماً. نظرت عبر النافذة فرأيت شخصاً مستلقياً قرب الرّصيف إلى يمين سيّارة زرقاء ويقف حوله ثلاثة أو أربعة جنود كانوا يروحون ويجيئون بينه وبين السيّارة التي أتوا فيها وكانت متوقّفة في الشارع خلف السيّارة الزرقاء وتعترض طريقها. اتّصلت فوراً بالهلال الأحمر وأبلغتهم عن وجود شخص مصاب. أنهيت المحادثة وفي اللّحظة نفسها عُدت ونظرت إلى الشارع عبر النافذة فشاهدت الجنود يغادرون المكان في سيّارتهم وقد تركوا المصاب ملقىً على الأرض.
خرجت فوراً إلى حيث المُصاب وهو شخص لا أعرفه وقد بدا لي أنّه في العشرينيّات من عمره. كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. شهق شهقة أخيرة وحرّك شفتيه قليلاً ثمّ استرخى جسده تماماً. رأيت دمه ينزف من منطقة الكتف لكنّني خشية أن أسبّب له ضرراً لم أحرّكه لكي أرى موضع الإصابة بالضّبط. وبصفتي أعمل ممرّضاً أمسكت يده وفحصت النبض لكنّني لم أستشعر نبضاً فخمّنت أنّه في النّزع الأخير. كان ذلك بعد إطلاق الرّصاص عليه بدقيقتين تقريباً. بعد مضيّ خمس دقائق هاتفت الهلال الأحمر مرّة أخرى. قلت لهم إنّهم تأخّروا وإنّ عليهم الوصول فوراً لأنّ الشاب يُصارع الموت. جاءت سيّارة الإسعاف بعد أن مضى رُبع السّاعة على إطلاق الرّصاص ونقلت الشابّ من الموقع.
كان باب السيّارة من جهة السّائق مفتوحاً وقد رأيت علامات إصابة أربع رصاصات داخل السيّارة. لاحقاً علمت عبر مواقع التواصُل الاجتماعي أنّ الشابّ قد فارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى.
الصورة
الجهة اليسرى لسيارة أحمد عبده وآثار ثقوب الرصاص عليها. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 25.5.21
أدناه يحدّث خال الضحيّة، أيمن أبو عرب (49 عاماً) عمّا حدث بعد أن علم في الصّباح بمقتل ابن أخته - من إفادة أدلى بها في 26.5.21 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:
أيمن أبو عرب . الصورة قدمها الشاهد مشكورا
في السّابعة صباحاً هاتفني شخص من "الشاباك" اسمه كابتن حلبي. أنا أعرفه من قبل لأنّه قد سبق أن اعتقلتني إسرائيل وقضيت أكثر من عشر سنوات في السّجون الإسرائيليّة. عبّر حلبي عن أسفه لما حدث فقلت له إنّني لا أفهم كيف قاموا بهذه الفعلة وقتلوا شخصاً لم يرتكب أيّ ذنب. أجابني أنّ أحمد ساعد أخي محمد زاعماً أنّ محمد "مطلوب" لإسرائيل. فقط بعد ذلك علمت أنّ محمد مشتبه به بإطلاق رصاص نحو جنود خلال مظاهرة جرت قرب مستوطنة "بيت إيل". أغضبني جواب الكابتن حلبي فواصلت النقاش معه حول مقتل أحمد. اعتذر مرّة أخرى وطلب أن يسلّم محمد نفسه قلت إنني سأتحدّث مع محمد فقط بعد مضيّ أيّام الحداد الثلاثة.
كان ابن أختي شابّاً لا تزال حياته كلّها أمامه. كان مهذّباً خلوقاً ومؤمناً، أحبّ الناس وأحبّوه بالمثل. وكان مثل كلّ الشباب في سنّه يحلم أن يتزوّج ويقيم عائلة وقد خطب عروساً وكان يُفترض أن يتزوّج في الصّيف بعد إتمام بناء منزله في مخيّم الأمعري للّاجئين.
كان يعمل موظّفاً في بلديّة البيرة لكنّه استقال بسبب الرّاتب المتدنّي وبدأ العمل في مخبز يعود لعائلة عروسه. كان دائماً يطلب منّي أن أجد له عملاً إضافيّاً لأنّه أراد أن يتمّ بناء منزله في أسرع وقت ممكن وأن يوفّر تكاليف العُرس. لكنّ إسرائيل اجتثّت حُلمه وسرقت الفرحة من عروسه.
* شريط الفيديو الذي يوثّق الحادثة لا يظهر فيه عناصر "اليمام" وهُم يغادرون الموقع، وقد تمّ استثناؤه لأنّه ولأسباب تقنيّة كان بجودة متدنّية.
في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 2:30 فجرًا، دخل عشرات الجنود إلى مخيّم جنين للاجئين. فور وصولهم رشقهم شبّان بالحجارة وبحسب ادّعاء الجيش، فقد ألقوا عليهم عبوات ناسفة أيضًا. تقدّم بعض الجنود إلى داخل المخيم وصعد آخرون إلى سطح أحد المباني ودخل قسم منهم إلى إحدى الشقق في الطابق الخامس وأمروا ساكنيها بالدخول إلى إحدى الشقق الأخرى ومن هناك قاموا بتبادل إطلاق النار مع مسلّحين فلسطينيّين كانوا يختبئون في أحد الأزقّة في المخيم. ونحو الساعة 4:00 فجرًا، تقدّم أحد المسلَّحين، أدهم جبارين (26 عامًا)، وهو ناشط في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ، صوب الميدان المجاور في المخيم. أطلق الجنود الذين كانوا في المبنى، على مسافة نحو 150 مترًا، النار عليه فأصيب إصابة بالغة. سمعتْ آلاء بواقنة (34 عامًا)، وهي من سكّان الحيّ، شبّانًا يصرخون طلبًا للمساعدة وخرجت لتقصّي ما حدث. عندما خرجت بواقنة شاهدت جبارين، الذي لم تكن تعرفه، مستلقيًا في الركن الشرقيّ من منزلها وهو مصاب. تمكّنت من سحبه من يديه باتّجاه منزلها، مسافة ثلاثة أمتار تقريبًا. وخرج والدها، جواد بواقنة (57 عامًا)، من المنزل أيضًا وساعدها في سحبه بضعة أمتار أخرى حتّى مدخل منزلهما. طوال هذا الوقت، سمع الاثنان إطلاق نار بجوار منزلهما. وعندما وصلا إلى باب المنزل، أطلق أحد الجنود طلقتين اثنتين من البناية التي كان الجنود يختبئون فيها فأصابتا الجزء العلويّ من جسم الأب وسقط على وجهه. تمكّن أفراد العائلة من إدخاله إلى فناء المنزل الداخليّ، الذي كان بمنأى عن مرمى نيران الجنود. وقدِم مسعِف متطوّع كان موجودًا في المنطقة إلى المنزل وقام بمساعدة آلاء في إخلاء جواد بسيّارة العائلة إلى المستشفى حيث أقرَّتْ وفاته. وبعد ذلك بوقت قصير، أخلِيَ جبارين أيضًا إلى المستشفى وأقرَّت وفاته هو أيضًا من قبَل الطاقم الطبّيّ. غادرت القوّات المخيّم بعد اعتقالها ثلاثة من السكّان، من بينهم أحد سكّان البناية التي أطلِقت منها النيران. وتمّ إطلاق سراح الثلاثة بعد ذلك بوقت قصير. وأعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أنّه "خلال نشاط القوّات في مخيّم جنين للّاجئين، أطلقت القوّات النار على مسلّحين أطلقوا النيران الكثيفة عليها وتمّ رصد إصابات" وأنّ أحد الجنود أصيب بشكل طفيف ونُقِل إلى المستشفى لتلقّي العلاج. أطلق قنّاص النار على مواطن غير مسلّح وأرداه قتيلًا عندما كان يحاول تقديم الإسعاف الأوّليّ لشخص جريح. هذا في وقت لم يشكّل فيه خطرًا على أحدٍ، وبالتأكيد ليس على الجنود الذين وقفوا بعيدًا عنه محميّين جيّدًا. تثير نتائج البحث الميدانيّ شكوكًا قويّة في أنّ قتل بواقنة كان متعمّدًا وليس له أيّ مبرّر. ردّ فعل المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ وتجارب الماضي تدلّ بوضوح على أنّ أحداً لن يُحاسَب على قتله ـ لا القناص الذي نفّذ إطلاق النار ولا القادة الذين سمحوا به ولا المستشارون القضائيّون الذين صادقوا على التعليمات ولا الضبّاط الأعلى رُتبةً في الجيش. باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي تحدّث مع أقارب جواد بواقنة ومع شهود العيان في 19.1 و22.1: آلاء بواقنة (34 عامًا) قالت في إفادتها: في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 2:30 فجرًا كنتُ أنا وأختي في غرفتنا عندما سمعنا صافرة الإنذار التي يشغّلها الشبّان عادةً لتحذير السكّان من مداهمة الجيش للمخيّم. بعد بضع لحظات من إطلاق الصافرة بدأنا نسمع أصوات إطلاق نار وانفجارات في مناطق قريبة من مركز المخيّم. نادانا أبي، جواد، للتجمّع في غرفة نومه هو وأمّي، لأنّها الغرفة الأكثر أمانًا في المنزل وحدث ذات مرّة أنْ أصابت نيران الجنود إحدى نوافذنا. ونحو الساعة 4:00 سمعنا صراخًا في الخارج ونداءات أطلقها شبّان بأنّهم بحاجة إلى إسعاف أوّليّ وسيّارة إسعاف. أدركنا أنّ شابًّا أصيب قرب منزلنا. قبل ذلك كنتُ قد قرأتُ في وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّ قوّات الجيش أبلغت الارتباط الفلسطينيّ بأنّها تمنع تنقّل سيّارات الإسعاف والصحفيّين داخل المخيّم دون التنسيق معها. رغم التحذيرات، لم أستطع تجاهل الصراخ في الخارج وشعرتُ بالتزام إنسانيّ وعاطفيّ بمساعدته. خرجتُ بسرعة نحو الركن الشرقيّ من منزلنا ووجدتُ هناك شابًّا لم أكن أعرفه كان مُستلقيًا على ظهره وغير قادر على الحركة. كان ينزف بشدّة ولم يتكلّم. سحبتُ الشابّ من يده وكان فقط يئنّ من الألم. قلتُ له إنّني أسحبه حتّى مدخل منزلنا لإخراجه من نطاق إطلاق النار ولمحاولة مساعدته. طلبتُ منه أن يحاول مساعدتي وأن يتقدّم لكنّه لم يكن قادرًا على الحركة. تمكّنتُ من سحبه مسافة مترين أو ثلاثة أمتار، رغم إطلاق النيران الكثيف حولنا. ركّزتُ في محاولة إخلائه. في تلك اللحظات جاء أبي لمساعدتي. كان يرتدي البيجامة. أمسك الشابّ بيده الأخرى وتمكّنا معًا من سحبه حتّى باب منزلنا، مسافة ثمانية أمتار تقريبًا. سمعتُ إطلاق النيران الحيّة أقرب إلينا وفجأةً رأيتُ أبي يسقط ببطء على الأرض، بجانب الشابّ الجريح، وارتطم رأسه بعتبة الباب. كنتُ مصدومة. مذعورة تمامًا. كانت تلك لحظات مرعبة. قمتُ أنا وأمّي وإخوتي بسحب أبي إلى داخل الفناء الداخليّ للمنزل. رأيتُ أنّه أصيب برصاص في الجزء العلويّ من جسمه ثمّ جاء شابّ يرتدي زيّ مقدّم الإسعاف الأوّليّ وساعدنا على إدخال أبي إلى سيّارتنا. سافرتُ بسرعة إلى مستشفى ابن سينا. لم أكترثْ بإطلاق النار. كان يهمّني فقط أن أنقل أبي إلى المستشفى بسرعة. وصلتُ إلى قسم الصدمات وحاول الأطبّاء هناك إنقاذ أبي، لكنّه توفّي. المسعِف المتطوّع س. م. قال: قرابة الساعة 2:30 كنتُ في منزلي، في القسم الغربيّ من المخيّم. استيقظتُ على صافرة التحذير من غارة للجيش. ارتديتُ على الفور سترة المتطوّعين في الإغاثة الطبّيّة ("جمعيّة الإغاثة الطبّيّة الفلسطينيّة") وأخذتُ حقيبة الإسعاف الأوّليّ وخرجتُ من المنزل باتّجاه مركز المخيّم. قرابة الساعة 3:30 فجرًا كنتُ في مركز المخيّم مع أصدقائي ومتطوّعين آخرين وقدّمنا الإسعاف الأوّليّ لشابّ أصيب بنيران الجيش ثمّ نقله الشبّان إلى المستشفى. سمعتُ نداءات وصرخات عن وجود شابّ مصاب في المنطقة يحتاج إلى إسعاف أوّليّ وسيّارة إسعاف. تقدّمتُ وحدي باتّجاه الصرخات عبر الأزقّة. علمتُ بوجود قنّاصة إسرائيليّين على أسطح المباني وفهمتُ من وسائل التواصل الاجتماعيّ أيضًا أنّ الجيش حظر حركة سيّارات الإسعاف والصحفيّين. عندما وصلتُ إلى المكان الذي أصيب فيه الشابّ وجدتُ هناك جواد بواقنة وابنته وكانا يحاولان سحب الشابّ الجريح باتّجاه مدخل منزلهما. فور وصولي قبالة منزل عائلة بواقنة تمامًا رأيتُ جواد يُصاب بالنيران ويسقط ببطء على وجهه، عند عتبة منزله. وصلتُ إليهم وبمساعدة أفراد عائلة جواد أدخلناه إلى باحة المنزل. كان الشابّ الجريح، أدهم طه (جبارين)، مستلقيًا بلا حركة عند المدخل لكنّني لم أتمكّن من فحصه بسبب نيران القنّاصة. كان جواد ينزف بغزارة من الصدر والبطن. حاولتُ الضغط على الجروح بضمّادات لوقف النزيف لكنّ ذلك لم يُفِدْ. أدخلناه على الفور في سيّارة العائلة. قادت ابنته آلاء السيّارة وذهبتُ أنا معها إلى مستشفى ابن سينا القريب من منزلهم. وصلنا إلى هناك خلال بضع دقائق وحاول الأطبّاء إنقاذ حياة جواد لكنّه توفّي متأثّرًا بجراحه القاتلة التي أًصيب بها في صدره وبطنه. وبينما كنّا في قسم الصدمات، أحضروا أيضًا الشابّ أدهم الذي وصل وقد فارق الحياة. أحد السكّان في إحدى الشقق التي أطلقت منها القوّات النيران الحيّة قال: في البداية دخل ستّة جنود. أشار أحدهم إلينا بألّا نتحرّك. وقام جنديّ آخر بإطفاء الأضواء في الصالة. سمعتُ جنديًّا يكسر المصباح الذي فوق باب مدخل البيت، في الخارج. أحضر جنديّ آخر منصّة ارتفاعها نحو متر. قام بتحريك طاولة الطعام في المطبخ، وهي متّصلة بالصالة. وضع أحد الجنود بندقيّة طويلة على المنصّة وثبَّتها. دخل الجنود إلى غرف المنزل وتفحّصوها وبعد بضع دقائق أمرنا أحدهم بالانتقال من الصالة إلى غرفة أخرى. دخلنا إلى هناك وكان جنديّان لديهما مصابيح على خوذتيهما يقفان ويحرسان قرب باب الغرفة. سمعنا أصوات إطلاق نار من صالة البيت المطلّة على ساحة المخيّم الرئيسيّة. بعد ذلك وصل جنديّ آخر، أعتقد أنّه كان الضابط المسؤول، وتحدّث بالعبريّة مع الجنديّين. أنا أفهم العبريّة قليلًا، وفهمتُ أنّه كان يقول لهم أن ينقلونا إلى شقّة أخرى في المبنى، وهكذا فعل. وتابع الشاهد قائلًا: قرابة الساعة الخامسة فجرًا خمدت أصوات إطلاق النار ولم نعد نسمع حركة جنود أيضًا. صعدنا عائدين إلى شقّتنا ووجدنا المنزل مدمّرًا تقريبًا. أخرج الجنود الفرشة من غرفة النوم واستخدموها كدرع واقٍ. أسقطوا كلّ شيء كان على الرخام. وجدنا أيضًا ثقوبًا في ستائر النوافذ. عندما نظّفنا البيت عثرتُ على كبسولة رصاصة أطلقها الجنود على الشبّان. لم يتركوا كبسولات باستثناء تلك التي وجدتُها. كانت تلك تجربة صعبة ومخيفة لنا وللجيران.
في يوم الخميس الموافق 12.1.23 قرابة الساعة 14:30، حضر العشرات من الجنود وأفراد شرطة حرس الحدود ومستعربي حرس الحدود وأفراد "الشاباك" إلى بلدة قباطية في قضاء جنين ودخلوا إلى ساحة منزل عائلة كميل. محمّد كميل (26 عامًا)، الذي كان يعمل في بناء منزل له بجوار منزل العائلة، كان يجلس في تلك الأثناء في الساحة مع صديقه محمّد علاونة وابن عمّه حبيب الله كميل (26 عاماً). عندما سمع محمّد كميل القوّة تدخل إلى الساحة خرج لتفقّد ما يحدث، فهاجمه أفراد القوّة على الفور، ألقوه أرضًا وكبّلوا يديه وغطّوا عينيه. وبعد نحو أربعين دقيقة اقتادوه إلى صالة منزل والديه، طرحوه أرضًا وتركوه هناك وحده. في أثناء ذلك، جمعت القوّات بقيّة أبناء العائلة في إحدى غرف المنزل وأجرت فيه تفتيشًا رمت خلاله أغراضًا على الأرض وحرّكت مفروشات من أماكنها. حاول علاونة وحبيب الله الهروب عبر كرم الزيتون المحاذي، إلّا أنّ القوّات تمكّنت من اعتقال علاونة واقتادته إلى إحدى سيّارات الجيب العسكريّة، بينما تمكّن حبيب الله من الابتعاد لبضع عشرات الأمتار داخل الكرم، لكنّ القوّات طاردته ثمّ أطلقت النار عليه وأصابته في رأسه. سقط حبيب الله. اقترب منه نحو عشرة جنود وفتّشوا جسده ثمّ تركوه في الكرم وغادروا. بعد ذلك بنحو ساعة غادرت القوّات منزل عائلة كميل فخرج أفراد العائلة من الغرفة وفوجئوا بوجود محمّد مُلقى في الصالة وهو مقيَّد اليدين ومعصوب العينين. بعد ذلك مباشرة علموا بأنّه قد تمّ إطلاق النار على حبيب الله في الكرم المحاذي فقاموا بإخلائه إلى المستشفى وهناك أقرَّت وفاته. خلال اعتقال علاونة اندلعت مواجهات بين شبّان ومجموعة أخرى من الجنود وأفراد الشرطة على بُعد نحو كيلومتر من منزل عائلة كميل. خلال هذه الأحداث ألقى الشبّان الحجارة وأطلق بعضهم الذخيرة الحيّة صوب القوّات فردّت القوّات بإطلاق النيران الحيّة وقتلت أحد المسلّحين، عبد الهادي نزّال (18 عامًا). بعد الحادثة أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أنّه "خلال النشاط في بلدة قباطية، هرب المطلوب سويّةً مع مشتبه به آخر من المكان وأطلقت القوّات النار صوبهما. تم إلقاء القبض على المطلوب وتحديد إصابة المشتبه به الآخر". من المؤكّد أنّ هذه الأقوال المبهمة - حول "مشتبه به" بجريمة غير مُحدَّدة وحول أنّه "تحديد إصابة"، كما لو أنّه لم يُقتَل إنسان - لا تجعل قتل حبيب الله مُبرّرًا. تجسد هذه الحادثة مدى استهتار نظام الأبارتهايد بحياة الفلسطينيّين، بممتلكاتهم وبروتين حياتهم ومدى عدم أخذ هذه الأمور كلّها في الاعتبار من قبَل القوّات التي تعمل ميدانيًّا. وقد أظهر تحقيق بتسيلم الميدانيّ أنّ أفراد الشرطة والجنود أطلقوا النار على رأس فلسطينيّ هرب منهم دون أن يكون مشتبهًا به في شيء، ثمّ أجروا تفتيشًا على جسده وغادروا وقد تركوه في كرم زيتون، كأنّ شيئًا لم يحدث. في ظلّ نظام الأبارتهايد القائم بين البحر والنهر، مثل هذا السلوك ليس ممكنًا فقط وإنما تعتبره جميع الجهات المسؤولة أنّه مُبَرَّر أيضاً. في هذا النظام ـ الذي يعمل بإصرار على ترسيخ تأبيد فوقيّة مجموعة معينة (اليهود) على مجموعة أخرى (الفلسطينيّين) ـ أصبحت مثل هذه الحادثة جزءًا من الحياة الروتينيّة ولذا، لن يُحاسَب أحد على أفعاله. جمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي إفادات من أبناء عائلة حبيب الله كميل: علاء كميل (28 عامًا) متزوّج وأب لبنت، قال في 14.1.23 في يوم الخميس الموافق 12.1.23 قرابة الساعة 14:30، عدتُ إلى المنزل من العمل في بلدة قباطية. أنا أسكن مع زوجتي وابنتنا الصغيرة في الطابق الثاني ويسكن والداي في الطابق الأوّل مع إخوتي. عندما وصلتُ إلى باحة المنزل رأيتُ ابن عمّي حبيب الله، الذي عاد من السفر. كان مع أخي محمّد وجارنا محمّد علاونة. كانوا يجلسون في منزل محمّد الذي لا يزال قيد البناء، على بُعد بضعة أمتار من منزل العائلة. توجّهتُ نحوهم لألقي التحيّة عليهم. أراد حبيب الله أن نشرب القهوة معًا فقلت له إنّني سأصنع القهوة في منزلي وأحضرها. عندما خرجتُ من منزل محمّد وصلت إلى باحة المنزل مركبتان تجاريّتان نزل منهما جنود. شعرتُ بأنّ الوضع خطير فأسرعتُ في سيري وتمكّنت من الدخول إلى منزلنا. أردتُ أن أكون مع زوجتي وابنتنا ومع كلّ العائلة. في أثناء دخولي إلى المنزل، بدأتُ أسمع صوت إطلاق نار في الخارج. نزلتُ مع زوجتي والطفلة إلى الطابق الأوّل لكي نكون مع والديّ وإخوتي ولكي نكون جميعًا معًا. بعد لحظات من تجمّعنا في إحدى الغرف دخل جنود الى المنزل. قام جنديّان بحراستنا في داخل الغرفة وسمعنا الآخرين يُجرون تفتيشًا في المنزل كلّه. سمعتُ صرخات جنود بالعبريّة التي لا أفهمها وسمعتُ أيضًا إطلاق نار خارج المنزل. لم يحقّق الجنود مع أيٍّ منّا وبعد نحو ساعة غادروا المنزل وحينها سمعنا أخي محمّد ينادينا. لم نكن نعرف أنّه كان في داخل المنزل أصلاً. وجدناه ملقًى على أرضيّة الصالة ويداه مقيّدتان وعيناه معصوبتان. وبينما كنّا أنا وأبي نخلع القيود وعصبة العينين عنه سمعنا قريبنا أحمد ينادينا لنساعده. خرجنا أنا ومحمّد ورأيناه يجري صوب كرم الزيتون. وجدنا حبيب الله ملقًى على ظهره مع ثقب رصاصة في رأسه وفم مليء بالدم. صُدمنا تمامًا. حملناه وأخذناه بسيّارة أحد الجيران إلى المركز الطبّيّ في البلدة ومن هناك بسيّارة إسعاف إلى مستشفى في جنين. لم يكن في عداد الأحياء وقتها. محمّد كميل (26 عامًا) من سكّان قباطية، قال في 14.1.22 في يوم الخميس الموافق 12.1.23 قرابة الساعة 14:30، كنتُ في منزلي الذي لا يزال قيد البناء، في ساحة منزل عائلتنا، على أطراف الحيّ الشرقيّ من قباطية. كان ابن عمّي، حبيب الله كميل، قد عاد في ذلك اليوم من تركيّا وجاء لزيارتي وأحضر لي عطرًا كهديّة. وجاء صديقي محمّد علاونة، الذي يسكن في الحيّ، لزيارتي هو أيضًا. كنّا جالسين في صالة منزلنا ثمّ جاء أخي علاء، الذي يسكن في الشقة التي فوق شقة والدَيّ. طلب منّي حبيب فنجان قهوة فقال علاء إنّه سيُعدُّها في منزله ويحضرها لنا. بدأ بالخروج من منزلي بينما سمعنا أصوات مركبات ثقيلة تقترب. خرجتُ فورًا ورأيت مجموعة كبيرة من الجنود ينزلون من مركبتين. ركض جنديّان صوبي. انقضّا عليّ وطرحاني أرضًا وقيّدا يديّ خلف ظهري بأصفاد بلاستيكيّة وغطّيا عينَي بقطعة قماش. سألني أحد الجنديّين عن اسمي فقلتُ له اسمي محمّد. سألني عن أخي الصغير، ربيع، فقلتُ له إنّه ليس في المنزل. شعرتُ طوال الوقت بركبتَي الجنديّين تضغطان على ظهري. سمعتُ صراخ جنود وإطلاق نار. لم أعرف ماذا حدث مع حبيب ومحمّد علاونة، لأنّني لم أستطع رؤية أيّ شيء. بعد نحو أربعين دقيقة ربما، رفعني الجنود واقتادوني إلى منزل والدَيّ وتركوني في الصالة. لم أسمع أفراد عائلتي واتّضح لي لاحقًا أنّني كنتُ بمفردي لأنّ الجنود احتجزوا الجميع في إحدى الغرف في المنزل. بعد نحو عشرين دقيقة سمعتُ الجنود يغادرون المنزل. ناديتُ على أفراد عائلتي فجاءوا وخلعوا عنّي الأصفاد وعصبة العينين. في تلك اللحظات سمعنا أحد أقاربنا، أحمد كميل، الذي يسكن بجوارنا، ينادينا لنأتي لمساعدته. ركضنا أنا وعلاء صوبه. رأينا أحمد يركض نحو حبيب الله الذي كان ملقى على ظهره في كرم زيتون. أصابته رصاصة في رأسه وكان فمه ممتلئًا بالدم. حملناه ونقلناه بسيّارة خصوصيّة إلى مركز طبّيّ في قباطية، لكنّه كان قد توفّي. من هناك نُقل إلى مستشفى في جنين. كان حبيب الله تاجرًا وكانت لديه حانوت ملابس وكانت تربطه علاقات جيّدة مع الناس. لم تكن لديه مشاكل مع إسرائيل. سافر إلى خارج البلاد بدون مشاكل. أحمد كميل (28 عامًا) متزوّج وأب لطفلين، قال في 15.1.23 نحو الساعة 14:30 كنت في منزلي مع زوجتي وطفلينا الصغيرين. بينما كنّا جالسين سمعتُ ثلاث طلقات ناريّة قرب منزلنا. صعدتُ على الفور إلى السطح لكي أرى ما يحدث. صُدمتُ عندما رأيتُ جنودًا إسرائيليّين في ساحة منزل أقاربي، منزل محمّد كميل، الذي يقع على بُعد نحو مائتي متر عنّا. رأيتُ أيضًا جنودًا منتشرين بين المنازل. فجأةً رأيتُ قريبًا لي، حبيب الله كميل، يركض من اتّجاه منزل محمّد. كما رأيتُ بعض الجنود الذين قبضوا على الشابّ محمّد علاونة قرب منزل محمّد، ويبدو أنه حاول الهرب. ثمّ رأيتُ حبيب الله مختبئًا وراء شجرة زيتون. كان يجلس منحنيًا. بعد ذلك بلحظات سمعتُ صوت إطلاق عيار ناريّ غربيّ منزلي، في الاتّجاه الذي كان فيه حبيب. كانت المسافة بيني وبينه خمسين- ستّين مترًا. رأيتُه يسقط. ركض عشرة جنود إلى المكان الذي سقط فيه ورأيتُهم يجرون تفتيشًا على جسده. بعد ساعة تقريبًا خرج الجنود من منزل عائلة محمّد كميل. بعد مغادرتهم فقط تجرّأتُ على الخروج من المنزل وصرختُ لكي يأتوا لمساعدتي. جاء محمّد وعلاء كميل ونقلنا حبيب الله. لم يكن يتحرّك وكان الدم يغطّى رأسه ووجهه بالكامل.
بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).