الجنود يطلقون النار ويقتلون شابًّا، لم يكن مشتبهًا به ولم يُعرِّض أحدًا للخطر، لمجرّد أنّه هرب حين داهموا منزل صديقه
14 شباط/فبراير 2023
في يوم الخميس الموافق 12.1.23 قرابة الساعة 14:30، حضر العشرات من الجنود وأفراد شرطة حرس الحدود ومستعربي حرس الحدود وأفراد "الشاباك" إلى بلدة قباطية في قضاء جنين ودخلوا إلى ساحة منزل عائلة كميل. محمّد كميل (26 عامًا)، الذي كان يعمل في بناء منزل له بجوار منزل العائلة، كان يجلس في تلك الأثناء في الساحة مع صديقه محمّد علاونة وابن عمّه حبيب الله كميل (26 عاماً).
عندما سمع محمّد كميل القوّة تدخل إلى الساحة خرج لتفقّد ما يحدث، فهاجمه أفراد القوّة على الفور، ألقوه أرضًا وكبّلوا يديه وغطّوا عينيه. وبعد نحو أربعين دقيقة اقتادوه إلى صالة منزل والديه، طرحوه أرضًا وتركوه هناك وحده. في أثناء ذلك، جمعت القوّات بقيّة أبناء العائلة في إحدى غرف المنزل وأجرت فيه تفتيشًا رمت خلاله أغراضًا على الأرض وحرّكت مفروشات من أماكنها. حاول علاونة وحبيب الله الهروب عبر كرم الزيتون المحاذي، إلّا أنّ القوّات تمكّنت من اعتقال علاونة واقتادته إلى إحدى سيّارات الجيب العسكريّة، بينما تمكّن حبيب الله من الابتعاد لبضع عشرات الأمتار داخل الكرم، لكنّ القوّات طاردته ثمّ أطلقت النار عليه وأصابته في رأسه. سقط حبيب الله. اقترب منه نحو عشرة جنود وفتّشوا جسده ثمّ تركوه في الكرم وغادروا.
بعد ذلك بنحو ساعة غادرت القوّات منزل عائلة كميل فخرج أفراد العائلة من الغرفة وفوجئوا بوجود محمّد مُلقى في الصالة وهو مقيَّد اليدين ومعصوب العينين. بعد ذلك مباشرة علموا بأنّه قد تمّ إطلاق النار على حبيب الله في الكرم المحاذي فقاموا بإخلائه إلى المستشفى وهناك أقرَّت وفاته.
خلال اعتقال علاونة اندلعت مواجهات بين شبّان ومجموعة أخرى من الجنود وأفراد الشرطة على بُعد نحو كيلومتر من منزل عائلة كميل. خلال هذه الأحداث ألقى الشبّان الحجارة وأطلق بعضهم الذخيرة الحيّة صوب القوّات فردّت القوّات بإطلاق النيران الحيّة وقتلت أحد المسلّحين، عبد الهادي نزّال (18 عامًا).
بعد الحادثة أعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أنّه "خلال النشاط في بلدة قباطية، هرب المطلوب سويّةً مع مشتبه به آخر من المكان وأطلقت القوّات النار صوبهما. تم إلقاء القبض على المطلوب وتحديد إصابة المشتبه به الآخر". من المؤكّد أنّ هذه الأقوال المبهمة - حول "مشتبه به" بجريمة غير مُحدَّدة وحول أنّه "تحديد إصابة"، كما لو أنّه لم يُقتَل إنسان - لا تجعل قتل حبيب الله مُبرّرًا.
تجسد هذه الحادثة مدى استهتار نظام الأبارتهايد بحياة الفلسطينيّين، بممتلكاتهم وبروتين حياتهم ومدى عدم أخذ هذه الأمور كلّها في الاعتبار من قبَل القوّات التي تعمل ميدانيًّا. وقد أظهر تحقيق بتسيلم الميدانيّ أنّ أفراد الشرطة والجنود أطلقوا النار على رأس فلسطينيّ هرب منهم دون أن يكون مشتبهًا به في شيء، ثمّ أجروا تفتيشًا على جسده وغادروا وقد تركوه في كرم زيتون، كأنّ شيئًا لم يحدث.
في ظلّ نظام الأبارتهايد القائم بين البحر والنهر، مثل هذا السلوك ليس ممكنًا فقط وإنما تعتبره جميع الجهات المسؤولة أنّه مُبَرَّر أيضاً. في هذا النظام ـ الذي يعمل بإصرار على ترسيخ تأبيد فوقيّة مجموعة معينة (اليهود) على مجموعة أخرى (الفلسطينيّين) ـ أصبحت مثل هذه الحادثة جزءًا من الحياة الروتينيّة ولذا، لن يُحاسَب أحد على أفعاله.
جمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي إفادات من أبناء عائلة حبيب الله كميل:
علاء كميل (28 عامًا) متزوّج وأب لبنت، قال في 14.1.23
في يوم الخميس الموافق 12.1.23 قرابة الساعة 14:30، عدتُ إلى المنزل من العمل في بلدة قباطية. أنا أسكن مع زوجتي وابنتنا الصغيرة في الطابق الثاني ويسكن والداي في الطابق الأوّل مع إخوتي. عندما وصلتُ إلى باحة المنزل رأيتُ ابن عمّي حبيب الله، الذي عاد من السفر. كان مع أخي محمّد وجارنا محمّد علاونة. كانوا يجلسون في منزل محمّد الذي لا يزال قيد البناء، على بُعد بضعة أمتار من منزل العائلة.
توجّهتُ نحوهم لألقي التحيّة عليهم. أراد حبيب الله أن نشرب القهوة معًا فقلت له إنّني سأصنع القهوة في منزلي وأحضرها. عندما خرجتُ من منزل محمّد وصلت إلى باحة المنزل مركبتان تجاريّتان نزل منهما جنود. شعرتُ بأنّ الوضع خطير فأسرعتُ في سيري وتمكّنت من الدخول إلى منزلنا. أردتُ أن أكون مع زوجتي وابنتنا ومع كلّ العائلة. في أثناء دخولي إلى المنزل، بدأتُ أسمع صوت إطلاق نار في الخارج. نزلتُ مع زوجتي والطفلة إلى الطابق الأوّل لكي نكون مع والديّ وإخوتي ولكي نكون جميعًا معًا. بعد لحظات من تجمّعنا في إحدى الغرف دخل جنود الى المنزل. قام جنديّان بحراستنا في داخل الغرفة وسمعنا الآخرين يُجرون تفتيشًا في المنزل كلّه. سمعتُ صرخات جنود بالعبريّة التي لا أفهمها وسمعتُ أيضًا إطلاق نار خارج المنزل.
لم يحقّق الجنود مع أيٍّ منّا وبعد نحو ساعة غادروا المنزل وحينها سمعنا أخي محمّد ينادينا. لم نكن نعرف أنّه كان في داخل المنزل أصلاً. وجدناه ملقًى على أرضيّة الصالة ويداه مقيّدتان وعيناه معصوبتان. وبينما كنّا أنا وأبي نخلع القيود وعصبة العينين عنه سمعنا قريبنا أحمد ينادينا لنساعده. خرجنا أنا ومحمّد ورأيناه يجري صوب كرم الزيتون.
وجدنا حبيب الله ملقًى على ظهره مع ثقب رصاصة في رأسه وفم مليء بالدم. صُدمنا تمامًا. حملناه وأخذناه بسيّارة أحد الجيران إلى المركز الطبّيّ في البلدة ومن هناك بسيّارة إسعاف إلى مستشفى في جنين. لم يكن في عداد الأحياء وقتها.
محمّد كميل (26 عامًا) من سكّان قباطية، قال في 14.1.22
في يوم الخميس الموافق 12.1.23 قرابة الساعة 14:30، كنتُ في منزلي الذي لا يزال قيد البناء، في ساحة منزل عائلتنا، على أطراف الحيّ الشرقيّ من قباطية. كان ابن عمّي، حبيب الله كميل، قد عاد في ذلك اليوم من تركيّا وجاء لزيارتي وأحضر لي عطرًا كهديّة. وجاء صديقي محمّد علاونة، الذي يسكن في الحيّ، لزيارتي هو أيضًا. كنّا جالسين في صالة منزلنا ثمّ جاء أخي علاء، الذي يسكن في الشقة التي فوق شقة والدَيّ. طلب منّي حبيب فنجان قهوة فقال علاء إنّه سيُعدُّها في منزله ويحضرها لنا. بدأ بالخروج من منزلي بينما سمعنا أصوات مركبات ثقيلة تقترب.
خرجتُ فورًا ورأيت مجموعة كبيرة من الجنود ينزلون من مركبتين. ركض جنديّان صوبي. انقضّا عليّ وطرحاني أرضًا وقيّدا يديّ خلف ظهري بأصفاد بلاستيكيّة وغطّيا عينَي بقطعة قماش. سألني أحد الجنديّين عن اسمي فقلتُ له اسمي محمّد. سألني عن أخي الصغير، ربيع، فقلتُ له إنّه ليس في المنزل. شعرتُ طوال الوقت بركبتَي الجنديّين تضغطان على ظهري. سمعتُ صراخ جنود وإطلاق نار.
لم أعرف ماذا حدث مع حبيب ومحمّد علاونة، لأنّني لم أستطع رؤية أيّ شيء. بعد نحو أربعين دقيقة ربما، رفعني الجنود واقتادوني إلى منزل والدَيّ وتركوني في الصالة. لم أسمع أفراد عائلتي واتّضح لي لاحقًا أنّني كنتُ بمفردي لأنّ الجنود احتجزوا الجميع في إحدى الغرف في المنزل. بعد نحو عشرين دقيقة سمعتُ الجنود يغادرون المنزل. ناديتُ على أفراد عائلتي فجاءوا وخلعوا عنّي الأصفاد وعصبة العينين. في تلك اللحظات سمعنا أحد أقاربنا، أحمد كميل، الذي يسكن بجوارنا، ينادينا لنأتي لمساعدته.
ركضنا أنا وعلاء صوبه. رأينا أحمد يركض نحو حبيب الله الذي كان ملقى على ظهره في كرم زيتون. أصابته رصاصة في رأسه وكان فمه ممتلئًا بالدم. حملناه ونقلناه بسيّارة خصوصيّة إلى مركز طبّيّ في قباطية، لكنّه كان قد توفّي. من هناك نُقل إلى مستشفى في جنين. كان حبيب الله تاجرًا وكانت لديه حانوت ملابس وكانت تربطه علاقات جيّدة مع الناس. لم تكن لديه مشاكل مع إسرائيل. سافر إلى خارج البلاد بدون مشاكل.
أحمد كميل (28 عامًا) متزوّج وأب لطفلين، قال في 15.1.23
نحو الساعة 14:30 كنت في منزلي مع زوجتي وطفلينا الصغيرين. بينما كنّا جالسين سمعتُ ثلاث طلقات ناريّة قرب منزلنا. صعدتُ على الفور إلى السطح لكي أرى ما يحدث. صُدمتُ عندما رأيتُ جنودًا إسرائيليّين في ساحة منزل أقاربي، منزل محمّد كميل، الذي يقع على بُعد نحو مائتي متر عنّا. رأيتُ أيضًا جنودًا منتشرين بين المنازل.
فجأةً رأيتُ قريبًا لي، حبيب الله كميل، يركض من اتّجاه منزل محمّد. كما رأيتُ بعض الجنود الذين قبضوا على الشابّ محمّد علاونة قرب منزل محمّد، ويبدو أنه حاول الهرب. ثمّ رأيتُ حبيب الله مختبئًا وراء شجرة زيتون. كان يجلس منحنيًا. بعد ذلك بلحظات سمعتُ صوت إطلاق عيار ناريّ غربيّ منزلي، في الاتّجاه الذي كان فيه حبيب. كانت المسافة بيني وبينه خمسين- ستّين مترًا. رأيتُه يسقط. ركض عشرة جنود إلى المكان الذي سقط فيه ورأيتُهم يجرون تفتيشًا على جسده.
بعد ساعة تقريبًا خرج الجنود من منزل عائلة محمّد كميل. بعد مغادرتهم فقط تجرّأتُ على الخروج من المنزل وصرختُ لكي يأتوا لمساعدتي. جاء محمّد وعلاء كميل ونقلنا حبيب الله. لم يكن يتحرّك وكان الدم يغطّى رأسه ووجهه بالكامل.